Menu

محنة اللغة العربية وفقر التعلم (1 ــ 2)

أحمد يوسف أحمد

بوابة الهدف الإخبارية

قد لا يكون من المناسب الاحتفاء باليوم العالمى للغة العربية الذى حل علينا فى ١٨ديسمبر الحالى بمقالة تتحدث عن محنتها، لكنه من غير المناسب أيضاً تجاهل هذه المحنة لأسباب احتفالية، بينما اهتمت بها مؤسسة دولية كالبنك الدولى الذى أصدر فى يونيو الماضى تقريراً عنها بعنوان النهوض بتعليم اللغة العربية وتعلمها: مسار للحد من فقر التعلم فى منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، ولا أُخفى دهشتى عندما علمت بصدور التقرير ولم أكن متابعاً لخطوات إعداده، فقد درج بعضنا على النظر للمؤسسات الدولية على نحو تآمرى فإذا بها تهتم بما ينبغى علينا الاهتمام الفائق به، وقد لفتنى أن التقرير الذى شارك فى إعداده خبراء أجانب وعرب ينظر إلى تدهور مستوى تعليم اللغة العربية وتعلمها نظرة تنموية، بمعنى أن هذا الوضع والفشل فى تجاوزه لا يلبى طموحات أهداف التنمية المستدامة، وهو مدخل جديد بالنسبة لى لتأكيد أهمية اللغة العربية التى درجنا على ربطها بقضية الهوية، وهو ربط صحيح وبالغ الأهمية، لكن هذا المدخل التنموى يعزز الاهتمام بها دون شك، وأُضيف إليه مدخلاً أمنيا ـ إذا جاز التعبير ـ بالنظر إلى استغلال دعاة الإرهاب للدين فى نشر مفاهيمهم المغلوطة عن الإسلام الذى نزلت رسالته باللغة العربية، ومن شأن الجهل بها تيسير مهمة دعاة الإرهاب فى تفسير نصوص بعينها بما يطوعها لأغراضهم، ولا شك أن أبعاد المحنة شديدة الوضوح فى المجالات كافة، وإذا بدأت بمجال عملى وهو التعليم الجامعى الذى يُفترض أن من يصلون إليه هم خيرة مخرجات نظامنا التعليمى، لوجدنا الحالة تبعث على القلق الشديد والفزع فى بعض الأحيان، فلم تعد الأخطاء مقتصرة على ما شاع منها ككتابة ألفاظ مثل هذه ولكن وغيرهما بالألف، ولكنها وصلت إلى آفاق مفزعة، وأكتفى بذكر مثال صادم عن طالب فى سنته الجامعية النهائية يكتب كلمة(حيث) على هذا النحو: (حيثوا) حيث حول الضمة إلى واو وزاد من فضله باعتبارها كواو الجماعة فى الأفعال الماضية فأضاف لها الألف، والأمثلة لا تُعد ولا تُحصى، والأخطر فى رأيى تدنى القدرة على التعبير بوضوح بحيث يغمض المعنى عند تصحيح إجابات الطلاب أو مراجعة بحوثهم، وليست هذه الظاهرة مقتصرة على الطلاب المصريين - وهو ما يتسق ومحتوى تقرير البنك الدولي- فهى سهلة الرصد بالأبعاد نفسها فى الطلبة من كافة البلدان العربية، كما أذكر عندما كنت مديراً لمعهد البحوث والدراسات العربية أن مستوى خريجى جامعة الأزهر من الطلاب الأفارقة الذين كانوا يلتحقون بالمعهد بتقديرات عالية أثار فزع أساتذته كافة حتى إن المرحوم الدكتور عز الدين إسماعيل رئيس قسم الدراسات اللغوية والأدبية بالمعهد آنذاك طالب بوقف قبولهم، وللأمانة فإن الظواهر السابقة كلها ليست عامة لكن نسبتها مقلقة بالتأكيد. ولكى تكتمل الصورة رغم كآبتها لابد من الإشارة إلى أن الظاهرة ليست محدودة بالمؤسسات التعليمية وحدها، فهى شاملة لجميع مناحى الحياة كما فى وسائل الإعلام حيث تشيع الأخطاء اللغوية الفادحة كتابة وحديثاً، وكمثال فقط لا أنسى أن صحيفة محترمة نشرت يوما فى صفحة الفن أن موجات الأسير (تقصد الأثير) قد اختطفت فناناً مشهوراً ليمثل مسلسلاً إذاعياً، وقد سبق لى أن أشرت فى مقالة عن اللغة العربية إلى فضيحة كتابة كلمة (جاءنا) فى فيلم لمحمد هنيدى على هذا النحو (جائنا البيان التالى)، وللأسف تكرر هذا الخطأ الفادح فى إعلان عن الحدث العالمى لافتتاح طريق الكباش فى عبارة ( مصر جائت ثم جاء التاريخ)، وقد انزعجت لأهمية الحدث فسألت صديقى العزيز أسامة الغزالى أن يلفت نظر وزير الآثار والسياحة إلى الخطأ الجسيم لمعرفتى بعلاقته به فنفى الرجل أن تكون لوزارته علاقة بالأمر لأن الإعلان يخص شركة دعاية خاصة، وللأسف فإن الأداء اللغوى لفئات من نخبة المجتمع اشتهر بعضها تقليدياً بالإجادة التامة للغة كرجال الدين والقانون يعانى من الظاهرة نفسها، أما وسائل التواصل الاجتماعى فحدث عنها ولا حرج حيث تشيع ألفاظ مثل تشبس(تشبث) وخَصِر(خَسِر) وتحزير(تحذير) وغيرها الكثير بين صفوة مستخدمى هذه الوسائل فما بالنا بالمستخدمين العاديين.

وقد تناول تقرير البنك الدولى هذه المحنة، وكان قد طرح مفهوم فقر التعلم منذ ٢٠١٩ لتسليط الضوء على أزمة التعلم التى يشهدها مختلف بلدان العالم، فرغم التحاق غالبية الأطفال بالمدارس إلا أن نسبة كبيرة منهم لا تكتسب المهارات الأساسية، وتم وضع مؤشر فقر التعلم بتحديد نسبة الأطفال الذين لم يحققوا الحد الأدنى من إتقان مهارات القراءة، ووفقاً للمؤشر فإن ٥٣٪ من الأطفال فى سن العاشرة فى البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل لا يمكنهم قراءة نص بسيط وفهمه، وأن التقدم فى هذا الصدد يسير بوتيرة بطيئة للغاية لا تلبى طموحات أهداف التنمية المستدامة، وحدد البنك هدف خفض هذه النسبة للنصف قبل٢٠٣٠، وأشار إلى تهديد هذا الهدف بسبب جائحة كورونا وما ألحقته من أضرار بالعملية التعليمية بسبب التركيز على التعليم عن بعد، ثم أتى التقرير على وضع منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وهى التسمية التى تصر المنظمات الدولية على استخدامها بديلاً عن المنطقة العربية - مع أن التقرير يخصها حصراً- فذكر أنها تأتى فى المرتبة الثانية لفقر التعلم بعد إفريقيا بنسبة٥٩٪، وهى -أى منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا- الأولى فى فجوة فقر التعلم بين الجنسين وإن كان من المثير أن الفجوة لصالح الإناث حيث تبلغ نسبة فقر التعلم بينهن ٥٩٪بينما تبلغ٦٦٪بين البنين، وذلك رغم جهود الاستثمار فى التعليم ونمو معدلات الالتحاق بالمدارس وتعزيز المساواة بين الجنسين، ويبحث التقرير فى مسببات الظاهرة وسبل مواجهتها، وهو ما سأعرض له وأتناوله بنظرة نقدية فى المقالة القادمة بإذن الله.