عن صفحة " مهند ابو غوش " على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك
"من ضمن الكتلة التي شكّلت معتقلي حزب الله في سجني بئر السبع وعسقلان، برز عادل ترمس. كنت شبلا وقتها وهو كان عاليا (وبالنظر إلى فارق السن، واختلاف الإيدلوجيات، كان بعيدا) ولذا، فإن علاقتي المرتبكة به (والتي زاد إرباكها خلاف حصل مع أحد معتقلي حركة أمل-أظن أن الخلاف كان على وصفي لـ"كاربيشييف"، بطل قصة "خمس ساعات حتى الخلود" -ليوري بيليار بالشهيد)، بقيت غير مستكملة رغم ما فيها من انبهار به.
أذكر مثلا، أن قصفا اسرائيليا قد أصاب مواقع لحزب الله في ذلك العام.. كان قصفا رهيبا ومفاجئا وأظن أنه حصل في الضاحية (94). وكان النقاش في دوائر معتقلي حزب الله آنذاك يتمحور حول الخط الجوي الذي اتخذته الطائرات الإسرائيلية، فوق البحر وصولا إلى بيروت تفاديا لإخلاء المواقع، ومن ثم نوع القذائف المستخدمة. كان النقاش جديدا علينا نحن الفلسطينيين، الذين نرش على كل مجزرة تصيبنا بضعة قصائد وكمشة شعارات ووعود بالانتقام ونمضي. هؤلاء كانوا، حرفيا، يتحدثون بلغة العسكر، لا بلغة مجاميع غاضبة.
لقاءاتي بعادل في فورة السجن كانت تتم مصادفة، في صحبة أحمد أسعد، أبو خليل، وهو سجين فذّ من حركة الجهاد الإسلامي.
اكتشفت أن الحوار في الأدب لن يفيد، فقلتُ: لماذا لا نستخدم الرياضة؟ فالرياضة، وفقا للجنة الأوليمبية العالمية، تقرّب بين الشعوب. جرّبت مرّة أو مرتين أن أستغل طول قامتي في لعب كرة السلة مع شباب حزب الله، لكنهم (قاتَل الله الروافض) كانوا يلعبون الـ"Rugby" ، لا كرة السلة، وكان المعتقلون من أمثالي يتساقطون على الأرض كذباب في دعاية بيف باف الأخضر بالقوة المضاعفة. ولذا، فإن الاقتراب من المعتقلين اللبنانيين ظل متاحا عبر ثلاثة قنوات: رفاق الشيوعي اللبناني، مناكفاتي مع بلال دكروب. وأحمد أسعد، وصولا إلى عادل ترمس.. هكذا، ظلّ هامش الحديث، عبر أحمد أسعد، هو القناة الوحيدة اللطيفة المتاحة للتعرف على عادل. إلى أن تم إرسال أحمد إلى العزل (بالأحرى: إعادته إلى العزل الانفرادي.. معظم فترة اعتقاله كانت في الزنازين الانفرادية لأسباب متعددة)
__
بعد سنوات، وأثناء حديث مع صديق آخر، هو عيسى مرزوق، والذي كان مراسلا للمنار في الضفة، اكتشفت بأنهما على تواصل شبه يومي، لأن عادل ترمس يعمل في قناة المنار. حمّلته سلاما لا أدري إن كان قد وصل أم لا.
بعد أيام، استشهد أحمد أسعد في عملية اغتيال نفذتها فرقة قناصة إسرائيليين. ومن ثم استشهد عيسى، في عملية اغتيال طالته مع ثلاثة من رفاقه. وبالأمس وصل خبر استشهاد عادل، بعد أن صدّ بجسده انتحاري نذل حاول تفجير نفسه وسط الجموع.
مقدمات منطقية، نتيجتها محسومة سلفا: إنسان كعادل لا بد أن يستشهد لأنه نذر حياته كلها لهدف الاستشهاد، ولم يحد عنه.
حاولت التأكد من الخبر، عبر الصديقة Nicoles وللأسف أكّدت لي استشهاده. لأكتشف هذا الصباح أن عادل الذي استشهد، هو غير عادل الذي لا زال يمضي نحو الاستشهاد. جيل جديد يحتضن الوعي ولا يتخلى عنه لا زال ينهض في كل البيوت والأحياء. جيل يشبّ قرب جذوع جيل لا يشيخ، يستشهد البعض ويبقى الآخر، وفي الأثناء ينهض جيل جديد يسد الثغور ويصلّب الصفّ.
الخلود لثلاثة شهداء مشبوكين بخيط واحد هو خيط التحرر."

