Menu

دورُ اليسارِ الفلسطينيّ في ضوءِ تشوّهاتِ الواقعِ القائم، بناءُ وحدةِ اليسارِ وتحصينها مدخلٌ لإنقاذِ المشروعِ الوطنيّ

نهاد أبو غوش

نشر هذا المقال في العدد 33 من مجلة الهدف الإلكترونية

يستمدُّ اليسارُ دورَهُ وبرنامجَهُ من التحدياتِ التي تواجه الشعب وقضيّته الوطنيّة، ولسنا بحاجةٍ لكثيرٍ من الجهد النظري؛ لكي نشخّص التحديات الراهنة التي تواجهُ القضيّةَ الوطنيّةَ الفلسطينيّة، والحلقة المركزيّة التي على اليسار أن يلتقطها؛ لكي ينهض بدوره المطلوب الذي يتطلع له ليس منتسبو اليسار ومحازبوه وحدهم، بل شرائحُ وفئاتٌ واسعةٌ تدرك أن قوى اليسار هي الأقدر على رسم طريق الخروج من النفق المظلم والأزمة المستعصية التي تراوح فيها قضيتنا منذ سنوات.

لا يمكن لقوى اليسار أن تضطلع بهذه المهمة لمجرد اتخاذها قرارًا بذلك، بل عليها أن ترتقي بدورها بما يؤهلها للدور المنشود، وعليها أن توائم أوضاعها الذاتيّة وعلاقاتها ببعضها وبباقي مكوّنات الشعب الفلسطينيّ على نحوٍ يخدم ويسهّل هذه المهمة العظيمة.

علاماتُ ومظاهرُ الأزمة الوطنيّة

يمكن لنا أن نُشَخّص أزمةَ الحركة الوطنيّة الفلسطينيّة بأنّها أزمةُ تَعثُّرٍ (ولا نقول فشل أو هزيمة) المشروع الوطني، أي مشروع التحرير والاستقلال والخلاص من الاحتلال، ويمكن أن نحدد أبرز مظاهر التعثّر فيما يلي:

  • حالة الضياع والتخبط والتوهان التي تعيشها القيادة الفلسطينية بإقرارها اللفظي والعملي بفشل مشروع التسوية (أوسلو) كما في قرارات الدورة 23 للمجلس الوطني وفي قرارات المجلس المركزي، وفي الخطاب الرسمي الذي يلوّح ب"تسليم المفاتيح" تارة، أو بالعودة لقرار التقسيم والدولة الواحدة مقابل استعصاء حل الدولتين، ولكن من دون أن تجرؤ على توفير اعتماد الطريق البديلة.
  • استمرار حالة الانقسام التي تحوّلت من خلافٍ عابرٍ مؤقّت، إلى ما يشبه الانقسام الحقيقي الطويل الأمد لإقليمين وسلطتين وحكومتين وواقعين سياسيين واجتماعيين متمايزين.
  •  شلل المؤسّسات الرسميّة لمنظّمة التحرير، واتّساع الفجوة بين هذه المؤسّسات، بل بين كلّ مكوّنات النظام السياسيّ الفلسطينيّ بما يشمل المنظمة والحكومة وحتى الفصائل والاتّحادات الشعبيّة والنقابات، وبين الشعب وبخاصّةٍ الأجيال الشابة والناشئة، مع تآكل وتراجع شرعيّة المؤسّسات التمثيليّة التي لم تعد تستندُ لا إلى انتخاباتٍ ولا لأيّ دورٍ سابقٍ أو حاليٍّ في النضال الوطني، وهو ما كان يسمى بـ"الشرعية الثورية"، ولا للتوافق عليها بين مختلف قوى ومكوّنات الشعب الفلسطيني، ولا للإنجازات العملية التي حققتها هذه المؤسسات وقيادتها، فهي لا أرضًا حررت ولا تنميةً حققت ولا أمنًا واستقرارًا وعدالةً وفّرت، يترافق مع هذا الشلل استشراء مظاهر الفساد والاستبداد والقمع، ومحاولات دولة الاحتلال اختزال دور السلطة في وظيفتين حصريتين هما: الأمن وإراحة دولة الاحتلال من عبء التعامل مع ملايين الفلسطينيين.

لماذا قوى اليسارِ هي المؤهّلة؟

ببساطةٍ شديدةٍ لأنّها ليست لها مصالحُ فئويّةٌ تختلف عن مصالح عموم الشعب، هذه حقيقة نستلهمها من مزايا فكر الطبقة العاملة وحزبها، فالمصالح الفئوية الضيقة (سواء لشرائح أو لقوى سياسية وأحزاب) هي التي فرضت خيار أوسلو على الشعب الفلسطيني، باعتباره خيارَ بيروقراطيّةِ منظمةِ التحرير المتزاوجة مع الكومبرادور الفلسطيني، والمصالح الفئويّة الضيّقة هي التي أطالت أمد الانقسام، وأجّجت الصراع التناحري، وجعلت التناقض الثانوي يعلو في أهميته على التناقض الرئيسي مع الاحتلال، كما أن المصالح الفئويّة والذاتيّة هي التي تمنع انتهاج برنامجٍ بديلٍ لخيار أوسلو؛ لأن كلفة هذا البديل عالية وتتطلب تقديم تضحيات، وتفرض تخلّيًا عن كثيرٍ من الامتيازات الاجتماعيّة والاقتصاديّة والسلطويّة، والمصالح الفئويّة والحزبيّة الضيّقة. كما أن قوى اليسار مؤهلةٌ لمثل هذا الدور بحكم تجربتها النضالية وخبراتها الوطنيّة وعلاقاتها الدوليّة وذخيرتها الفكريّة والسياسيّة، فضلًا عمّا تتمتعُ به من احترامٍ وقبولٍ نسبيين يجعلها قادرةً على صياغة رؤى وحلول تستند للقواسم المشتركة وليس للأهواء والمصالح.

من هي قوى اليسار إذن؟

دون استسهال الإجابة ولا مع تبسيطها، فلا ادّعاء المرء أو الحزب عن نفسه، ولا تاريخ النشأة والمسار، ولا اليافطات والشعارات التي يرفعها هذا الطرف أو ذاك، ولكن ثمّة معاييرُ علميّةٌ وموضوعيّةٌ معتمدةٌ يمكن بموجبها "تعيين التخوم" بين اليساريين وغير اليساريين، ثم إنّ هذه المسألة متحرّكة ومتغيّرة، فقد يكون الفرد أو الحركة أو الحزب يساريًا، ثم يرتدّ أو يتنصّل من ذلك، وقد يعلن على رؤوس الأشهاد التزامه بنظرية الطبقة العاملة والماركسية ال لينين ية، ثم لا يعدو سلوكه السياسي أن يكون بالفعل سلوكًا ذيليًا تابعًا لليمين الوطني أو الديني، وقد يقدّم طلبًا للالتحاق بمنظومة الاشتراكيّة الدوليّة التي كانت تضمُّ في صفوفها حزب العمل الإسرائيلي – وهي تضمّ حاليًّا حركة فتح والمبادرة وجبهة النضال الشعبي-. لا بدّ إذًا من معايير، وأبرزها:

  • الموقف من القضية الوطنية باعتبارها قضيةَ تحرّرٍ وطنيٍّ ضدّ مشروعٍ كولونيالي استيطاني وليست صراعًا دينيًّا أو بين قوميّتين، والتشخيص العلمي لعلاقة المشروع الصهيوني بالإمبرياليّة.
  • الهُويّة الطبقيّة والانحياز للطبقة العاملة والفئات الشعبيّة الكادحة ولمبادئ العدالة الاجتماعيّة.
  • الهُوية الفكريّة وتبني المنهج الاشتراكي العلمي دليلًا للعمل وموجّهًا للنضال.
  •  الانحياز للتجديد والحداثة وأفكار التقدّم ومبادئ الديمقراطيّة وحقوق الإنسان والمساواة الكاملة للمرأة.

من الصعب تحويل المعايير الواردة آنفًا إلى مسطرةٍ هندسيّةٍ صارمة، ولكن يمكن بناء اتجاهٍ يساريٍّ من خلال تلبية القدر الأعلى الممكن من هذه الشروط ومراكمتها بالممارسة العملية، وليس من خلال الادعاءات اللفظيّة. أوليًّا يمكن اعتماد القوى الديمقراطيّة الخمس نواةً لمشروع إنقاذٍ واستنهاضٍ وطنيٍّ يقوده اليسار ويقوم على استعادة الوحدة الوطنية، واعتماد استراتيجيّةِ نضالٍ وطنيٍّ وتدقيق البرنامج الوطني الفلسطيني.

ما العمل؟

من الصعب، بل المستحيل، على أي فصيلٍ يساريٍّ أن يتصدّى بمفرده لهذه المهمة بكلّ تحدّياتها البرنامجيّة والتنظيميّة، ولعلّ حالةَ الانقسام والتشظّي التي تعيشها فصائلُ اليسار هي ما يشكّك الناس وينفّرها من طروحاتِ هذا اليسار، ويعزله عن جمهورِهِ العريض، ويدفع فصائل اليسار إلى الانكفاء على ذاتها والانشغال بقضاياها الذاتية والداخلية، وهي حالةٌ نعايشها جميعًا، كما أنّنا شهودٌ على حالة النزيف المستمرّ لكوادر اليسار وعناصره التي تغادر صفوفه، لكنّها غالبًا لا تبتعدُ كثيرًا عن أفكاره وطروحاته.

بناء قطبٍ يساريٍّ موحّد، بدءًا بتطوير الصيغ التنسيقيّة القائمة، وارتقاء بها على غرار صيغة التجمّع الديمقراطيّ من الفصائل الخمسة والمستقلين، يمكن أن يعيد الاعتبار لليسار قوّةً سياسيّةً واجتماعيّةً مؤثّرة، بدل أن يكون شراذم متنافرة، تدور في فلك الحركتين الكبريين والسلطتين الحاكمتين.

تتحمّلُ الجبهةُ الشعبيّةُ لتحرير فلسطين المسؤوليّةَ الكبرى في بلورة هذا الخيار، وخروجه من باب الأماني إلى حيّز التنفيذ، ليس من باب مجاملتها في ذكرى انطلاقتها الرابعة والخمسين، بل من زاوية العوامل التاريخيّة والسياسيّة والتنظيميّة والأخلاقيّة الثوريّة، وكما هي قوانينُ الفيزياء في الكون والطبيعة، حيث تعتمدُ قوّةَ الجاذبيّة على الكتلة، فإنّ لاضطلاع الجبهة الشعبيّة بدور قاطرة تجميع القوى اليسارية ونواته دورًا جاذبًا في تثبيت المشروع وإنجاحه، ومن ثَمَّ استقطاب ليس الفصائل والحركات اليسارية فقط، بل إعادة اجتذاب المئات والآلاف من الجمهور اليساري والكوادر اليسارية السابقة التي نزحت نحو الفراغ وباتت تقف على هامش الحياة السياسية.

في الاستعدادات لخوض الانتخابات التشريعيّة التي كان مقرّرًا لها أن تجري في شهر أيار 2021، وألغاها الرئيس عباس، بلغ عدد القوائم المسجّلة 36 قائمة، من بينها 4 قوائم يساريّة كان مشكوكًا في قدرتها جميعًا على اجتياز نسبة الحسم. وبالتدقيق في طبيعة هذه القوائم والقائمين عليها سنكتشف بسهولة أن نحو 26 قائمة جاءت من خارج الفصائل التاريخيّة المعروفة، بعض القوائم التي تحظى باعترافٍ رسميٍّ وبموازناتٍ ولها تمثيلٌ في هيئات المنظّمة القياديّة، لم تتمكّن حتى من تشكيل قوائم أوليّة، وبعضها ادّعى أنه سوف يشارك انتخابًا وليس ترشيحًا أي أنّه سيعطي أصواته لحركة فتح، هذه الأرقام والإحصاءات تدلّل على عمق أزمة القوى السياسيّة الفلسطينيّة ومن بينها اليسار، ولو تشكّلت قوّةٌ يساريّةٌ جامعة قطبًا لهذا الجمهور الذي يبحث عن بديلٍ بين القطبين المتناحرين، لما وجدنا كل هذا العدد من القوائم، وانحازت هي وجمهورها لصالح اليسار.

ضماناتٌ لحماية التجربة

لا ينبغي لليسار وقواه الفاعلة أـن تخشى من "تشوّهات الواقع القائم " ولا من تعقيداته، هويتها الفكرية والطبقية تساعدها على التصدي للأسئلة الصعبة والمعقدة، ثم اجتراح برنامجٍ جامعٍ وخلاّقٍ لعموم الحركة الوطنية ويستجيب لهذه المرحلة، لكن مشكلة اليسار كانت وما زالت في جوهرها بنيويّةً وتنظيميّةً قبل أن تكون سياسيّةً وبرنامجيّة، ولحماية أية تجربةٍ مقبلةٍ يمكن أن تقترن أية مساعٍ جديدةٍ لإعادة توحيد اليسار بجملةٍ من الضمانات التي تحمي التجربة، فتكسبها مادةً لاصقةً كالأسمنت تحميها وتحفظ وحدتها من الداخل، ومن خلال بناء تجربةٍ مشتركةٍ يحرص الجميع عليها من خلال الانخراط الفعلي في النضال الوطني والاجتماعي، ومن بين هذه الضمانات على سبيل المثال:

  • وضعُ خطّةٍ عمليّةٍ وأجندةٍ زمنيّةٍ لتوحيد المنظمات الجماهيرية الصديقة النسائية والعمالية والشبابية والمهنية.
  • إيجادُ مؤسّساتٍ أهليّةٍ مشتركةٍ من بينها معهدٌ مشتركٌ للتثقيف وإعداد الكوادر.
  • إيجادُ منابرَ إعلاميّةٍ وثقافيّةٍ موحّدة، وتشمل نشراتٍ مطبوعةً ومواقعَ إعلاميّةً إلكترونيّةً وإذاعةً وتلفزيون.
  • تسييج هذه التجربة بمجالسَ موسّعةٍ من كوادر هذه القوى وأصدقائها على مستوى القطاعات والمناطق، وتشمل تجمعات الشعب الفلسطينية كافة، وعدم إبقاء هذه التجربة رهنًا بقرارات القيادة.
  • وضعُ خططٍ عمليّةٍ لأنشطةٍ وفعالياتٍ نضاليّةٍ وميدانيّةٍ مشتركة.
  • اعتمادُ أنظمةٍ ديمقراطيّةٍ، مثل المداورة والتناوب في تولي المناصب والمسؤوليات.
  • إصدارُ تعميماتٍ وقراراتٍ صارمةٍ بإعطاء الأولوية للقوائم اليساريّة الموحّدة في أية انتخاباتٍ محليّةٍ أو نقابيّةٍ مقبلة.