Menu

مفاهيمُ نصّيةٌ في النصِّ الحديث

علاء حمد: شاعرٌ وكاتبٌ عراقي/ الدنمارك

     إنّ تَجرِبةَ النصِّ الشعريّ - مفهومًا حاضرًا ومفهومًا غائبًا - من التجارِبِ التي تتعلّق بماهيّةِ الشاعر وعلاقاته مع النصّ الشعريّ، لذلك تنصهرُ تجربةُ الشاعر مع الأبعاد النصيّة عندما يكونُ على صيغةِ اندماجٍ مع الحالة النفسيّة من جهة، والبيئةِ التي تتجمّع حولَهُ من جهةٍ أخرى، ومن خلال هذا المبدأ نلاحظُ أن جلَّ النصوص واستخراجها - كنصوصٍ حاضرةٍ - لها تجاربُها الذاتيّةُ أو تجرِبةُ تأويلِها الملمّ بعالمِ المعاني، التي تختارُها الذاتُ العاملةُ بالتأسيس النصّيّ وتهيئته للخروج.

النصّ يبرمجُ نفسَهُ من خلال الفهم ووحدة الحوار إذا ما ذهبنا إلى النظريّة التأويليّة؛ حيث أنّ معظم النصوص التي تواجهنا تعتمدُ المفهومَ التأويليَّ والتقصّي عن مبدأ الفهم للحياة المحيطة بنا، بل تذهب أكثرَ من ذلك من خلال التنبؤ. وما العنصرُ الجماليّ إلا شبكةٌ متكاملةٌ لفهم النصّ الشعريّ، وكيفيّة التعامل معه بمبدأ اللذّة الشعريّة ("الأثر effet الأدبي الجميل"، حين تتطابقُ الذات مع الآخر "المرسَل إليه" لتمنحَهُ "لتمنح نفسها" الشبكةَ في صورةٍ استفهاميّةٍ تكون تعويضًا عن اللذّة). (1)

يبقى النصّ الشعري فعلًا حركيًّا مع الدالّ والمدلول، حيث إنّ الدلالةَ تشكّل المسلكَ الجاري داخلَ الأبعادِ النصيّة، فجميعُ عناصرِ النصّ الشعريّ ذات علاقاتٍ دالةٍ مع الدلالات وحركتها المتتالية هنا وهناك، وخصوصًا تلك النصوصُ التي اعتمدت التأويلَ؛ لكي ترى البعدَ التفكيكيَّ ناصيةً نشيطةً في تفكيكِه. وفي الوقتِ نفسِهِ هناك علاقاتُ موضوعِ النصّ، وهي نفسُها المعاني تتحوّل إلى صياغةٍ كاملةٍ له؛ لكي تفسّرَ العلاقاتِ النصيّة؛ فنحصلَ على توسيعِ موضعِ النصّ الشعريّ. وتخدمُ العلاقاتُ القوليّةُ اتجاهاتِ النصّ الشعريّ، ومنها القول الحاضر والقول المتقدّم والقول المتأخّر؛ فمن خلال حركةِ الفعل الانتقاليّة، تكون نوعيّةُ اللغة الشعريّة ذات أهميّةٍ قصوى في تحديد اتّجاهات النصّ الشعري، حيث تشكلُ العاملَ المحرّك والزورق الناقل بين الأبعاد لتقاربها بواسطةِ مساحة النصّ. (2)

من خلال النسخ النصّي، تتكوّنُ ذاتٌ جديدة، وهي حركةٌ تنشيطيّةٌ للذات، وذلك لكي يتجنّبَ الباحثُ موتَ الذات أو الابتعاد عن النسخ النصّي، فالنسخُ النصّي، يعني لنا تلك التجارِب النصيّة التي تعود للآخرين، والدخول من خلالها بواسطةِ الذات الجديدة، لكي يحصل الباحث على منبّهاتٍ ومنشّطاتٍ جديدة، ولكن حذارِ حذارِ من التقليد في حالة النسخ النصي، حيث نعدّ المهمة التي يقلّد بها الآخرين، إمّا بالسرقة غيرِ المقصودة، أو بنقل تجربةٍ ما ولصقها بتجربة الشاعر الذي نطلق عليه الناسخ. ونعدّ كلّ محاولةٍ فيها درجاتٌ منظورة، كأن تكون درجةُ النظر لتجرِبةٍ ما من الدرجة الثانية، وكذلك الثالثة والرابعة، حسب ميزة واعتناء الباحث بهذه التجارِب التي يميلُ إليها، وهي عادةُ تأثيراتِهِ التي يتولّى أمرُها في الكتابةِ والإبداع.

النصُّ الشعريُّ في حالةِ التقطيع هي نفسُها، حالةُ الوجود النصيّ بمشاهدَ عدّة، كبُنًى مصغّرة، وتعدّ القطعة الرئيسيّة الحيّة الموجودة بصريًّا، وفي حالة التقطيع من الممكن أن نطلق عليه بالنصّ المقطّع، والوجوب القطعيّ للنصّ، يمثّل نصيّةَ النصّ رؤيةً متكاملةً أمام المتلقي، لكن الذي يحدثُ ضمنَ وظيفةِ النصّ الشعري الحديث؛ الحالات المقطعيّة، التي هي إمّا حالاتٌ تصويريّةٌ متكاملةٌ أدّت وظيفتها ضمنَ النصّ الرئيسي، أو حالةٌ مقطعيّةٌ اعتمدها الشاعرُ صورًا شعريّةً منفردة، وكلّ صورةٍ تمثّل مقطعًا من المقاطع التي تدلّ على تأثيرها الدهشويّ ضمنَ مكانيّة النصّ الشعريّ، وسبل استحضاره من خلال إدراك ماهيّة الأشياء والمستوى التصوريّ في المقطع الواحد، أمّا كمنظورٍ نصّيٍّ غيرِ مقطّع، نعدّه كتلةً واحدةً مع التقطيعات الجزئيّة المتراقصة في وحدة النصّ الكليّة، فتكون الدعوةُ شاملةً وغيرَ انفراديّة، وهي دعوةٌ لبرهانيّةِ النصّ وسبل الاستدلال التي تعوم بدواخله.

هناك المبنى الأولي للنصّ، الذي نعدّهُ أوّليًّا بمعنى الأهميّة، وأوليًّا بمعنى البداية، فأهميّةُ الجملة التي ترافقُنا في النصّ الشعريّ، من أهميّة المستوى التصوريّ البدائيّ، وهي السقطةُ الأولى التي تجذبُ المتلقي، بسحرٍ غرائبيّ، لذلك تكونُ الجملةُ تنافسيّةً وامتداديّةً عندما يكونُ الباحثُ في حالةٍ تصوريّة، وهو يصوغُ الجملَ كالحائك عندما يحوك لنا البلوزة، ومن الطبيعيّ لكلّ شيءٍ أدواتُه، والأداةُ الأولى هي بِنيةُ النصّ الحيّة، حيث استطاعت أن تكتسحَ البُنى غيرَ الملائمةِ في الزمن الحديث، وإذا كانت بعضُ القطع المتناثرة والمجموعة بإطار النصّ، فالنصّ لا يستوعبُ هذا التناثر إلا من خلال التقطيع؛ لكي يعطي الباحث لكلّ قطعةٍ محتواها التأويليّ في النصّ الشعريّ الحديث. (إنّ النصّ ليس مجموعةً من الملفوظات النحويّة واللا نحوية، إنّه كلّ ما ينصاع للقراءة عبرَ خاصيّة الجمع بين مختلف طبقات الدلاليّة الحاضرة هنا، داخل اللسان، والعاملة على تحريك ذاكرته التاريخيّة، وهذا يعني أنّه ممارسةٌ مركّبةٌ يلزمُ الإمساك بحروفها عبرَ نظريّةٍ للفعل الدالّ الخصوصيّ الذي يمارسُ لعبه داخلها بواسطة اللسان). (3)

إنّ السعة التي تواجهنا، سعة اللغة وتوظيفها والحفاظ على فعلها اللغويّ في إنجاز حركته اللغوية، وخصوصًا بين الأفعال الحركيّة الانتقاليّة، والأفعال التموضعيّة، وذلك لأنّها تعطي تماسكًا لغويًّا عندما نتكلّم عن وحدة النصّ الشعريّ الحديث، من حيث بلورة اللغة بهذا الاتجاه وعلاقة اللغة التي تؤدي استدلاليًّا إلى علاقة الألفاظ مع علم الوضع. ويكون للأخير علاقته مع الرمزيّة والتقشّف اللغويّ، لأنّ الرمزيّة تعتمد التقشّف من خلال حركة الرمز بين الرامز والمرموز؛ وهنا لا يتوقّف النصّ الشعري مهلهلًا، بل يكتفي بالأبعاد الرمزيّة، فمهمة قياسات النزوع نحو التأويل من الأمور المهمة بلملمة الأبعاد المبعثرة؛ كي يجعل الباحث منها انطلاقةً جديدةً تحت خيمةِ الرمزيّةِ الموحّدة، فلعبةُ القول والقول الشعري ولعبة القول المتأخّر من ضرورات المرحلة النصيّة، فالتبعثرُ الذي يحدث بهذا الجانب الذي ننوي تسليط الأضواء عليه، ويكون للقول فعله الحركي، باعتبار أن علاقة النصّ علاقةٌ تخييليّةٌ قبل أن يكون الباحث حبيسَ اللحظات المباشرة التي تؤدي إلى فشل عمل الذات.

نستطيعُ أن نقيسَ اللذّةَ الحسيّةَ من خلال ممارسةِ الذات وتجرِبتِها في العمل الشعريّ، ونعدّها كائنًا حركيًّا وإحدى أدوات النصّ، وخصوصًا تجرِبتها نحو منظور الصور الشعريّة، التي نعدّها ضمنَ القائمة الأولى في المنظور الشعري ككتلةٍ حركيّةٍ تتجزّأ من خلال المشهد النصّي، وهنا ينساق عاملُ اللغة وتأثيرُهُ على إيجاد اللغة الجديدة غيرِ المطروقة، وفي طبيعة الحال، تعتمد اللغةُ على تراكيبَ معينةٍ يفهمها الباحثُ من خلال اللذّة الحسيّة التي ذكرناها في بداية المقطع (إنّ الصورة التي تخوّل، في نظرنا، للشعر تأثيراته المتميزة بالإمكان تفسيرها بشكلٍ أفضل، ضمن هذا المستوى. ينبغي لكلّ تحليلٍ لغويٍّ أن يهتم ضرورة، بالمستوى المركبي يسهل تناوله بالدراسة بطريقةٍ مباشرةٍ. والمؤكّد هو أنّ بين المستويين علاقةَ ترابطٍ حقيقيّة، فإذا تناولنا واحدًا منهما من زاوية الآخر، سنجد أنّ البدائل تتكوّن من أجزاء من المركّبات والعكس صحيح). (4)

إنّ أساسَ الصورةِ الشعريّة، عبارةٌ عن تركيبٍ لغويٍّ مؤثّر، ومن خلال هذا التركيب النوعيّ، نحصل على مؤثّرات النصّ الشعريّ، ويكون تحفيز المتلقّي، من خلال أوّل طرقةٍ استفزازيّةٍ في النصّ، وهي امتثاليّةٌ تعلقيّةٌ تجوبُ في الذات الحقيقيّة، التي ربّما تحتاجُ إلى الكتابة بعد أن كانت حالةً مقروءةً لها نوعيّةُ القراءة، ولها كلّ العوامل، وما يثيرُها في التركيب الطرديّ.

نذهب مع اتجاهاتٍ عدّةٍ وخصوصيّةِ الكائن الوظيفيّ في النصّ الشعريّ الحديث، كغايةٍ لملكةِ المتكلّم التي تضع منظورَها في البعد المناسب مع كلّ حالةٍ من حالات التجلّي للقصائديّة. فالحقيقةُ التي تزرع أبعادها تكون عند القول، عندما يكون الباحث يريد أن يقول، وحقيقةً أنّه لم يقل، لكنّه يرغب بالقول، وفي الوقتِ نفسه أنّه قال، عندما فكّر بهذا القول في مخزونِهِ اللغويّ المقروء..

......................

 

[1] - علم النصّ – ص 11 – جوليا كرستيفا – ترجمة: فريد الزاهي

2- اختصّ علم النصّ بتحديد الملامح أو السمات المشتركة بين النصوص و وصفها وتحليلها استنادا إلى معايير مختلفة، هذا من جهة. وعُني بالكشف وأوجه الاختلاف والفروق الدقيقة بينها أيضا، أي بإبراز الخصائص المائزة للنصوص، ومحاولة إيجاد العلاقات التي تحكم حركة الانتقال من المستوى العام إلى مستويات خاصة، أو إيضاح الإمكانات التي أتاحها النظام اللغوي في لغة بعينها ليتمكن منتج النصّ من تشكيل أبنية خاصة لاتخرج عن جوهر القواعد التي يحددها النظام السابق، وإنما تستغل الحرية التي يمنحها إياها البناء الكلي لتتحرك في فضاء رحب، وتتسم معاييرها بالمناسبة والمقبولة من جهة أخرى. – نظرية النصّ .. علم لغة النصّ، المفاهيم والاتجاهات – ص 73 – الدكتور سعيد حسن بحيري

3 -ص 14 – علم النصّ – جوليا كريستيفا – ترجمة : فريد الزاهي – مراجعة : عبد الجليل ناظم – دار توبقال للنشر.

4-  ص 25 – البنيات اللسانية في الشعر- سمويل. ر. ليفن – ترجمة: الولي محمد. التوزاني خالد