Menu

تلخيص كتاب المفكر الماركسي الشهيد د. حسين مروة: النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية

غازي الصوراني

بوابة الهدف الإخبارية

 المجلد الأول [1]

الحلقات من (2 – 11)

القسم الأول : ما قبل نشوء النظر الفلسفي

الفصل الأول : في الجاهلية

- الجاهلية بين مرحلتين:

اذا كنا ندخل عصر الجاهلية[2] في موضوع بحثنا، كنقطة ابتداء، فان المنطلق المباشر لذلك هو محاولة استجلاء الأصول الأولية التاريخية للأشكال التي عبر بها سكان شبه الجزيرة العربية عن تصوراتهم لظاهرات الكون والطبيعة وعن علاقاتهم الاجتماعية وأوضاع حياتهم.

غير أن هذا المنطلق المباشر لادخال عصر الجاهلية في موضوع بحثنا، يستلزم بالضرورة منطلقاً اخر غير مباشر. نقول: بالضرورة. لان هذا المنطلق غير المباشر هو المرجع الأساس في محاولة الاستجلاء الفكرية أو الثقافية. نعني به النظر في بنية المجتمع القبلي لشبه الجزيرة العربية، وفي الأسس المادية المكونة لهذه البنية والأشكال والظاهرات التي تجلت بها خلال العصر الجاهلي. [3]

تاريخ العرب قبل الاسلام يتألف من مرحلتين رئيستين حدود المرحلة الاخيرة، التي هي الاطار التاريخي لبحثنا هنا، لا تبعد في زمن الجاهلية إلى ما قبل القرنين: الخامس والسادس للميلاد.

ان هذا الفارق بين المرحلتين يكشف ان تاريخ العرب قبل الاسلام تعرض لحالة من الانقطاع التاريخي ومن المرجح أن مثل هذا الانقطاع صدر: أما عند منعطفات التعاقب بين الدول التي عرفها التاريخ في القديم، ما اندثر منها وما بقي له اثار تدل عليه كدول: المعينيين (1300 – 630 ق.م)، والسبئيين (800 – 115 ق.م)، والقتبانيين، والحميريين (115 ق.م – 525 م ) واما من أثر الصراع بين هذه الدول من جهة، وبينها وبين الدول الخارجية بأشكال متنوعة، من جهة اخرى، واذا كان المؤرخ المستشرق السوفياتي بلياييف لا يجزم بمعرفة "الأسباب – المادية والروحية- التي عملت على تأخر الحضارة اليمنية وزوالها في اثناء الفترة السابقة لظهور الاسلام في عهد الملوك الحميريين بين 300 و 525 للميلاد"، فانه يقدم هو لنا ، اضافة إلى ما تقدمه سائر المصادر والمراجع ، مفتاح هذه المعرفة التي يمكن أن تصل بنا إلى حد الجزم بأن الاسباب الرئيسة للقطع النسبي في مجرى عملية التطور، تبدأ بما أدت اليه أحداث الغزو الاجنبي واحداث الصراع الداخلي من اختلال في سيطرة الحميريين على الطرق التجارية الكبرى، واختلال في رعايتهم سد مأرب الذي كان العمود الفقري لتنظيم الري الاصطناعي طوال العام ولتطور الزراعة الكثيفة في المنطقة الجنوبية من الجزيرة. فقد أدى هذا الاختلال إلى انهدام السد وخراب الأراضي الزراعية وقطع حركة التطور في هذه المنطقة بهجرة أهلها إلى مناطق أخرى على اطراف شبه الجزيرة. [4]

ظواهر عدة من ظواهر المجتمع العربي في المرحلة الجاهلية الاخيرة، نلخصها الان بايجاز لكي نعود اليها – بعد – في معرض تحليل بنية المجتمع القبلي في تلك المرحلة:

  1. ظهور علائم الانحلال في النظام البدائي، للانتقال من الاقتصاد الطبيعي إلى الاقتصاد البضاعي.
  2. بداية تحول سلطة رئيس القبيلة عن اساسها القديم، وهو مراعاة التقاليد القبلية فقط، إلى أساس جديد هو مراعاة الوضع الاقتصادي للرئيس إلى جانب الوضع القبلي التقليدي.
  3. زوال الوضع الامومي (الطوطمي) في العلاقات العائلية وسيادة العلاقات الابوية (البطريركية).

دلالة اللغة والشعر الجاهليين:

يجب النظر إلى الأهمية البالغة لوجود لغة عربية وشعر عربي في المرحلة الأخيرة للجاهلية، وليس المستوى المتطور الذي تجلت به في لغة القرآن، سوى شكل من أشكال الثقافة في عصر الجاهلية. فهل يصح في العلم ان تكون هذه اللغة وان يكون هذا البيان الفني الذي تؤديه شعراً أو نثرا، نتاج قرن ونصف قرن من زمن ما قبل الاسلام؟

ان المنطق العلمي يرفض –باطلاق- مثل هذا الافتراض "اللاتاريخي". هناك مفكر غربي يعجب كيف ان اللغة العربية "سريعاً ما أصبحت لغة علمية جامعة لمختلف الشعوب التي كانت تنتمي إلى الحضارة الاسلامية"، وكيف انها "شكلت ببنيتها الخاصة بها بعض المظاهر الأكثر دلالة في الفكر الاسلامي، ان النظرة المادية التاريخية إلى هذه الظاهرة الهامة تفترض ان وراءها تاريخاً طويلاً استغرق قرونا عدة سبقت فترة ما قبل الاسلام.[5]

أشكال العبودية : تتضافر الاخبار الواردة عن العصر الجاهلي على أن نظام العبودية لم يكن غريباً عن هذه المنطقة من العالم القديم. وما يبدو لنا من مظاهر هذا النظام في فترة الجاهلية الأخيرة، يدل أن وراءها تاريخاً بعيداً في شبه الجزيرة، وليس لدينا من الوثائق ما يحدد زمنه ولا ما يحدد اشكال العبودية التي اتسم بها هذا النظام في القديم.

اما في الفترة التي نحن بصددها فان المعطيات التاريخية تؤكد ان لنظام العبودية وجوداً ما في التركيب الاقتصادي- الاجتماعي. ذلك أن العبيد كانوا في هذه الفترة قوة منتجة، لا مادة استهلاكية فقط. فانه إلى جانب ما هو معروف من استخدام العبيد في الاعمال المنزلية لدى زعماء قريش في مكة وغيرهم في المدن الاخرى، وفي منازل رؤساء القبائل والعشائر، وإلى جانب كونهم – أي العبيد- يشكلون حينذاك احدى "السلع" التجارية الشائعة والرائجة- إلى جانب ذلك كله، استخدم العبيد ايضاً – ولا سيما الاحباش منهم- في الاعمال المنتجة، كالزراعة (أعمال الري) والصناعة وتربية الماشية، كما كانوا يستخدمون في بعض الاعمال التجارية. [6]

غير ان ظاهرة استخدام العبيد كقوة منتجة، ليست كافية ان تشكل الاساس لاستنتاج ان علاقات الانتاج المهيمنة في المجتمع الجاهلي هي علاقات الانتاج العبودية. ذلك بان عنصر الرق لم يكن هو العنصر الأساس في تركيب القوى المنتجة: لا في الاقتصاد الحضري أو نصف الحضري، ولا في الاقتصاد البدوي (الرعي، وتربية الماشية). اذ كان عنصر الاحرار يشكل نسبة ملحوظة لا تقل عن نسبة عنصر العبيد بين القوى المنتجة.

هذا أولاً. وثانياً، ان العبيد كسلعة استهلاكية (الاستخدام المنزلي، والاستخدام في الحراسة)، وكمادة تجارية في عملية الوساطة بين السوق المحلية والخارج، كانوا أكثر منهم كقوة منتجة. أي ان الطابع الانتاجي لوجود العبيد في المجتمع الجاهلي لم يكن هو الطابع الأساس له، أو الطلب. وثالثاً، ان الارقاء في الاغلب كانوا من الاجانب، وكثرتهم من الاحباش الذين هم من أصل حبشي أو سوداني، وبعضهم كان من البيض، الفرس أو الروم، المملوكين كأسرى في حروب الدولتين: الفارسية والبيزنطية، وكان يؤتى بهم إلى شبه جزيرة العرب للتجارة. فالارقاء الاجانب عند العرب هم اذن مملكون لهم بالتجارة لا بالحرب. أما الاسرى العرب الذين يصبحون ارقاء بحكم الأسر في الحروب العربية القبلية نفسها، فقد كانوا قلة بالنسبة للارقاء الاجانب. [7]

ولم تكن ظاهرة الصعلكة المعروفة عن هذه الفترة من الجاهلية سوى نتيجة مباشرة لهذا الشكل من التفاوت والتمايز الاقتصادي – الاجتماعي . فلم يكن الصعاليك سوى فئة من فقراء القبائل المختلفة عبرت، بانسلاخها من جماعاتها القبلية وتفردها في الصحراء للغزو والسلب، عن واقعين اثنين لهما دلالة واحدة: عبرت أولاً عن خروجها على الانتماء الذي يلزمها الالتصاق بحياة القبيلة والانقياد لأوضاعها واعرافها مهما لقيت من عوز واضطهاد. وعبرت ثانياً عن حاجة مادية لم تستطع احتمالها في ظل القبيلة. أما دلالة ذلك فهي ان التمايز الاجتماعي قد بلغ من تأثيره على الفئات المستضعفة حدا يدفع بعضها إلى تفكيك علاقاتها القبلية. [8]

الملحوظ في فترة الجاهلية الاخيرة ان رابطة الدم والنسب لم تبق الشرط الوحيد في تكوين الوحدات هذه، اذ انضاف إلى تلك الرابطة نوعان جديدان من الروابط: رابطة الولاء، ورابطة التحالف. أما الولاء فهو "ان يلحق فرد، أو بطن أو فخذ أو قبيلة، بقبيلة أخرى، فيكونون مواليهم ويقطعون صلاتهم بقبيلتهم السابقة. وليس هذا الولاء كولاء الرق والعبودية (...) وقد كان لهؤلاء الموالي كافة الحقوق التي للقبيلة".

وأما رابطة التحالف، فهي ان تتحالف قبيلتان أو عدة قبائل تجمع بينها مصالح مشتركة، آنية، أو طويلة الأجل، كالحلف الذي عقده المطلب بين قريش والاحابيش. [9]

سلطة رئيس القبيلة أو العشيرة أصبحت، في الفترة التي هي موضوع بحثنا، لا تستمد وجودها وقوتها من التقاليد القبلية وحدها، بل تستمدهما – بالدرجة الأهم- مما يكون للرئيس ، أو المتصدي للرئاسة، من وضع اقتصادي يستطيع به الغلبة على منافسيه والسيطرة على افراد القبيلة بتقديم المنافع المادية والخدمات المتعلقة بأوضاعهم المعيشية. [10]

حتى عادة الكرم المأثورة عن أهل الجاهلية كان الرؤساء يستغلونها لدعم سلطتهم. وليس بعيداً عن الدلالة على هذا الواقع قول حاتم الطائي، وهو مضرب المثل بالكرم الجاهلي:

يقولون لي: أهلكت مالك فاقتصد    وما كنت – لولا ما يقولون- سيدا .

وليس أدل، كذلك، على أهمية عامل المال عند الجاهليين، من النظر إلى حادثين تاريخيين يذكرهما الاخباريون ورواة الحديث:

احدهما، حادث انتزاع منصب الرفادة والسقاية في مكة من أبي طالب عم النبي بسبب من ضعفه المالي رغم مكانته العالية في قريش من الوجهة القبلية.

والثاني، حادث اسلام عدي بن حاتم الطائي كما يرويه الذهبي عن أيوب السختياني عن ابن سيرين عن ابي عبيدة بن حذيفة. فقد جاء خلال هذه الرواية ان النبي قال: يا عدي! اسلم تسلم، فأظن ما يمنعك ان تسلم خصاصة تراها بمن حولي، وانك ترى الناس علينا البآ واحداً. هل أتيت الحيرة؟. قال عدي: لم آتها، وقد علمت مكانها. قال النبي: توشك الضَّعينة ان ترتحل من الحيرة بغير جوار حتى تطوف بالبيت ولتفتحن علينا كنوز كسرى. قال عدي: كسرى ابن هرمز؟!. قال النبي: كسرى ابن هرمز. وليفيض المال حتى يهم الرجل من يقبل ماله صدقة.

لقد سبق خلال هذا الحوار ان افحمه النبي بأمرين دون أن يدفعاه إلى الاسلام فلما سمع بأمر المال هكذا، قال عدي، فلقد رأيت اثنتين، واحلف بالله لتجيئن الثالثة، "يعني فيض المال"، كما يقول نص الرواية نفسه. [11]

 

- في منطقة العربية الغربية:

المنطقة المسماة بـ"العربية الغربية" حيث يقع الحجاز، وحيث تقع مكة ذاتها من الحجاز. ففي هذا الموقع –بتحديد- كان يتحرك التاريخ الجديد لبلاد العرب.

وعبر هذا الموقع ذاته كانت حركة هذا التاريخ تجد اللقاح الضروري يأتيها من جانبي العالم المتحضر وقتئذ:

جانبه الشرقي حيث تسيطر حضارة الفرس، وجانبه الغربي حيث تسيطر حضارة البيزنطيين. كان الحجاز هنا – ومكة نقطة المركز منه- ملتقى أكبر الروافد التجارية العالمية. [12]

تفسير لاسم "مكة" هو القول بانه اسم مشتق من "امْتَكَّ". وهو يقال لولد الناقة اذا امتص جميع ما في ضرعها فلا يبقى فيه شيئاً. وبناء على هذا الاشتقاق يؤولون تسميتها بمكة انها تمتص الناس، أي تجتذبهم إليها لكونها بلداً مقدساً.

بطلميوس، اذ سمى مكة في "جغرافيته" باسم "مكربا Mocaraba". "مكربا" بمعنى "مقرب" وهو "من التقريب إلى الاهتمام، وان "مكربا" هي "مقربة" أو شيء اخر قريب منه، لانها مدينة مقدسة تقرب إلى الاصنام".

زعامة قريش في مكة انها بدأت في عهد قصي بن كلاب، وكانت قبله بيد خزاعة. [13]

ان التطورات التي يذكر التاريخ حدوثها عند استتباب الزعامة لقريش بمكة في شخص قصي، جاءت بمثابة قفزة كيفية لتغيرات كمية كانت تجري –من قبل- في المنطقة مع تنامي العلاقة التفاعلية بين الانقسام الجديد للعمل في كل من الحاضرة والبادية من جهة أولى، وبين اتساع الوساطة التجارية وحركة التبادل النقدي في أسواق شبه الجزيرة، من جهة ثانية.

بجمع الاخباريون على أن قصيا ما أن خلصت له زعامة مكة حتى أحدث أحداثاً يذكرون لها تفاصيل متشعبة دون اتساق. [14]

يقول الاخباريون انه حين تسلم قصي زمام الزعامة القرشية المكية "قطع مكة رباعاً بين قومه، فانزل كل قوم من قريش منازلهم..". انه –في الواقع- كان "تصنيفاً" اجتماعياً لسكان مكة من بطون قريش وحلفائها، اذ جعلهم: "صنفا" ممتازاً اتخذ من بطاح مكة، أي ما حول الكعبة، مسكناً له، فدعى –لذلك- بـ"قريش البطاح" ، "صنفا" ادنى مرتبة من ذاك السكن في ظواهر مكة، فسمي بـ"قريش الظواهر". ولكن على أي أساس قام هذا "التصنيف"؟. اذا علمنا أن "قريش الظواهر" كانت متبدية أو شبه مستقرة ولم تكن حالتها المالية حسنة"، وان قريش البطاح هم الذين "..كان منهم التجار والاثرياء" – علمنا اذن ان هذا "التصنيف" قام على أساس روعي فيه الوضع المالي أو الوضع الاقتصادي – الاجتماعي، دون العرف القبلي، أي دون مراعاة العلاقات القبلية. بدليل ان كلا "الصنفين" ينتمي إلى قريش أو إلى احلاف قريش، فهؤلاء "قريش البطاح" وأولئك "قريش الظواهر" فكلهم اذن من قريش.

وضعاً وجديداً قد أخذ يفرض قيماً جديدة، كنتيجة لتطور تجاري واجتماعي جعل الوضع المالي والتجاري في المقام الأول من الاعتبار، فكان أن أصبح بنو عبد مناف وبنو عبد الدار في مقدمة "قريش البطاح"، لانهم أصبحوا أوفر مالاً واعظم تجارة. ثم جرت المعايير هكذا بحيث احتلت أمية في قريش الجاهلية مكان الصدارة مذ أصبح فيها أعظم التجار ثراء، وبسطت نفوذها المالي على كثير من قبائل الحجاز خارج مكة. [15]

ان ضخامة المهمة التي كان يقوم بها زعماء قريش الاثرياء في مجال الوساطة التجارية والاتجار مع بلدان العالم الخارجي والاسواق الداخلية، قد فرضت اشكالاً من التنظيمات التجارية المتطورة بالقياس للعصر الجاهلي. من هذه التنظيمات ما يتعلق بالاسواق الداخلية ، ومنها ما يتعلق بالمعاملات الخارجية. اما الأولى فتتمثل بتنظيم أسواق موسمية، كموسم الاشهر الحرم. فقد رتبوا أوقات هذه الاسواق على نحو يضمن لها الهدوء والامان خلال الاشهر التي تعارفوا على تحريم الاقتتال فيها وقد كان الحج من اكبر مواسم الربح لقريش، تبيع قريش ما عندها للاعراب القادمين اليها من البادية ولأهل القرى البعيدة عن مكة، وتشتري منهم ما يحملونه معهم من مواد وسلع، ثم تقوم قوافلهم (أي قوافل قريش) بنقل الفائض مما اشترته إلى الاسواق الخارجية في بلاد الشام والعراق، وتشتري في مقابل ذلك ما يحتاج اليه الحجاز واعراب البادية من سلع ومواد.

كما تتمثل هذه التنظيمات الداخلية بأشكال أخرى من الجباية المفروضة على الاسواق، كجباية المكس، وهو دراهم كانت تؤخذ من بائع السلع في هذه الاسواق ، وكضريبة الارباح على المبايعات، وهذه ضريبة قديمة في الجاهلية كانت حكومة قتبان تأخذها على أساس عشر ارباح البيع أو الشراء، ثم عممت فصارت تؤخذ من أرباح كل دخل باطلاق.

كانت ارستقراطية قريش تحقق أهدافها التجارية والاقتصادية على أساسها في التعامل مع بلدان العالم الخارجي. ان النجاح الباهر لعملية الوساطة التجارية التي كانت تؤديها الارستقراطية المكية بين بلاد العرب ومختلف البلدان حتى المتصارعة والمتعادية كبلاد الفرس وبلاد الروم، يدل انه لم يكن نجاحاً عفوياً. بل لا بد ان وراءه نوعاً من التنظيم  على مستوى متقدم بالنسبة للعصر. ويبدو لنا واضحاً ان ارستقراطية قريش هذه جمعت، بفضل ممارساتها الطويلة وتنوع صلاتها الخارجية، ميزتين: الاطلاع الدقيق على شؤون الصراع السياسي بين الفرس والروم، والحس المرهف بحدود الموقع الذي تقف فيه بين المتصارعين لتحتفظ بمصالحها التجارية لدى كل منهما كاملة. [16]

كانت القوافل التي تذهب من بلاد العرب إلى الشام تنزل في أسواق معينة عينتها لهم الحكومة الرومانية لتحصل منهم الضرائب المفروضة على "الصادرات" ولتراقب الاجانب الذين يقدمون إلى بلادها. وكانت هذه القوافل أول ما تنزل في البلاد الرومانية تنزل في ايلة، وهي المعروفة اليوم بالعقبة، ومنها تذهب إلى غزة، وهناك تتصل بتجار البحر الأبيض، ومن غزة يذهب بعض التجار إلى بصرى".

وعلى أي حال، فليس من شك بأن العلاقات التجارية بين ارستقراطية قريش والبيزنطيين كانت تخضع لاتفاقات مشروطة بحدود معينة، كما كان الأمر كذلك في علاقاتها بالفرس والحبشة. فمن الاخبار المعروفة بهذا الصدد ان هاشم بن عبدمناف عقد معاهدة مع الامبراطورية الرومانية، وعقد عبد شمس بن عبدمناف معاهدة تجارية مع النجاشي (الحبشة)، وعقد نوفل والمطلب بن عبد مناف حلفاً مع فارس. وللاخباريين روايات بشأن "ايلاف قريش" الذي جاء في القرآن الكريم. ولكن اكثر ما يرد تفسيره عندهم ان هاشماً بن عبدمناف هو صاحب الايلاف واول من سنه، "وذلك انه اخذ عصما من ملوك الشام، فتجروا آمنين، ثم ان اخاه عبد شمس أخذ لهم (أي لقريش) عصما من صاحب الحبشة، واليه كان متجره. وأخذ لهم المطلب بن عبدمناف عصما من ملوك اليمن. وأخذ لهم نوفل بن عبدمناف عصما من ملوك العراق، فألفوا الرحلتين: في الشتاء إلى اليمن والحبشة والعراق، وفي الصيف إلى الشام..". هذا التفسير يكاد يأخذ به المؤرخون جميعاً. وهو يدل دلالة ساطعة على أن هذه "العصم" التي حصل عليها بنو عبدمناف من حكومات البلدان المجاورة للحجاز، داخل شبه الجزيرة وحواليها، قد اتخذت شكل "معاهدات"، كما يفيدنا المدلول المجازي لكلمة "العصم"، أي "العهد". ثم ان هذا التفسير ، واخذ المؤرخين به، يشيران إلى المدى الذي بلغته سيطرة الاريستقراطية القرشية، متمثلة ببني عبدمناف، على شؤون التجارة في المنطقة العربية الغربية، خلال النصف الثاني من القرن الخامس الميلادي.[17]

ان سيطرة ارستقراطية قريش الاقتصادية كان لا بد لها ان تنتج – بدورها- مؤسستها "السياسية" التي من شأنها ان تنظم العلاقة السلطوية لهذه السيطرة مع الفئات الاجتماعية الاخرى الخاضعة لاستغلالها الاقتصادي، وان تضفي على هذه العلاقة وجهها "الحقوقي" الملائم للوضع التاريخي حينذاك، كيما تفرض "شرعيتها" على تلك الفئات نفسها التي أصبح عليها ان تخضع "سياسياً" كما هي خاضعة اقتصادياً لارستقراطية قريش "الحاكمة".

كان "الملأ"[18] المكي هو المظهر الأول لتجلي سيطرة قريش بشكلها الذي يمكن تسميته، في لغة عصرنا، بالشكل "السياسي". فهو أي الملأ- يمثل آنئذ البذرة الجنينية للدولة، أي المؤسسة السياسية للطبقة التي تهيمن على مجالات النشاط الاقتصادي في المجتمعات الطبقية. وهو في الوقت نفسه يمثل ولادة هذه الطبقة في المجتمع الجاهلي: فقد كان "الملأ" المكي هذا – وهو يتشكل تاريخياً من جماعة كبار التجار والمرابين ومالكي العبيد من أهل مكة – يجمع كل السلطات في هيئة واحدة، هي هيئة الملأ نفسه. وقد عززت هذه "الهيئة" سلطاتها تلك بجهاز قمعي، كما تدل الاخبار التي تتحدث عن احابيش مكة. فنحن نفهم من هذه الاخبار ان جماعة "الملأ" اتخذوا من الاحابيش هؤلاء شرطة مسلحين يحرسون الكعبة، كما يحرسون منازل اعضاء "الملأ" انفسهم. ان لهذه الحراسة دلالة هامة في موضوعنا. فان اقامة شرطة لحراسة الكعبة كان يعني امراً غير ما يتبادر للاذهان من رعاية قداستها الدينية فحسب، هو حماية أموال القرشيين الذين استغلوا هذه القداسة ليودعوا الكعبة خزائن اموالهم. اما اقامة شرطة لحراسة منازلهم فكان يعني حمايتها من "غضبة الفئات الناقمة في المدينة (مكة) ولنقمة الحجاج الفقراء". [19]

ان قيام "الملأ" كشكل من أشكال السلطة "السياسية" لسيطرة الفئة المالكة وسائل الثراء واستغلال الآخرين، يبدو انه مرتبط تاريخياً بسيطرة الارستقراطية التجارية القرشية.

ويستفاد من روايات الاخباريين عن تاريخ مكة قبل الاسلام انه تعاقب على ولاية الكعبة وزعامة مكة قبائل جرهم القحطانية، ثم قبائل خزاعة، ثم القرشيون، وان حلول خزاعة محل جرهم كان بالطريقة الثانية، أي بالغلبة الحربية. وقد بقي لجرهم، في عهد خزاعة، بقية من الشأن في امور الحج، اذ كانت "صوفة" – وهي من جرهم- تتولى الاجازة للحجاج في الافاضة من عرفة الى منى وفي رمي الجمار، حتى زال عهد خزاعة واستقام الأمر كله في مكة لقريش.

وصول قريش بزعامة قصي لم تختلف طريقه، وهو القتال، عن طريق الذين سبقوه –هذا صحيح، غير ان المسألة ليست مسألة القتال بذاته، بل جوهر المسألة هنا يكمن في ادعاء قصي أولويته بالأمر وفي تعليل هذه الأولوية عند الاخباريين.  [20]

".. لما هلك حليل بن حبشية (لحي الخزاعي) وانتشر ولد قصي، وكثر ماله وعظم شرفه ، رأى انه أولى بالبيت وأمر مكة.." ، أي ان قصيا اكتسب هذه الأولوية من كونه أصبح ذا مال كثير بالدرجة الأولى، كما نفهم من هذا التعليل، لان انتشار الولد لم يكن يعد وحده معياراً لهذه الأولوية، ولان الشرف العظيم يبدو في نص الرواية انه أمر اكتسب اكتساباً في زمن معين، بدليل "لما.." الزمنية ، فهو اذن غير الشرف الموروث الذي كان من المعايير القبلية، بل هو الشرف الحادث بفضل نجاح قصي في تحصيل المال والثراء.

وفي حكاية الروايات كلها عن توصية قصي، عند شيخوخته، بسلطاته لولده البكر عبد الدار، دليل على صحة هذا الفهم لمفهوم الشرف هنا. فان هذه الروايات تقول انه "لما كبر قصي ورق، وكان عبد الدار بكره (..) وكان عبدمناف قد شرف في زمان اخيه (...) فقال قصي لعبد الدار: أما والله لا لحقتك بالقوم وان كانوا قد شرفوا عليك..".

"..فولي قصي البيت وأمر مكة وجمع قومه من منازلهم إلى مكة، وتملك على قومه وأهل مكة، فملكوه، فكان قصي أول ولد كعب بن لؤي أصاب ملكاً اطاع له به قومه، فكانت اليه الحجابة والسقاية والرفادة والندوة واللواء[21]، فحاز شرف مكة كله، وقطع مكة ارباعاً بين قومه، فأنزل كل قوم من قريش منازلهم من مكة التي أصبحوا عليها". [22]

أما "الندوة"، فهي و"الملأ" معا يمثلان التجلي البشري – "التنظيمي" لهذا المضمون الواقعي التاريخي نفسه. كانت "الندوة" مجتمع "الملأ" في دار قصي، لرعاية الوليد "الطبقي" الذي انجبته ظروف انحلال النظام القبلي البدائي، ولرعاية "المؤسسة" – الجنين التي كانت تتمخض بها تلك الظروف ذاتها.

لقد أعطانا الاخباريون، بسخاء، ما نحتاج اليه من مادة اخبارية عن هذه "الندوة" لتكوين الرؤية العلمية لها دون التباس أو تشكك. قالوا أن قصياً "ابتنى دار الندوة وجعل بابها إلى البيت (الكعبة)، ففيها يكون أمر قريش كله وما ارادوا من نكاح (عقد زواج) أو حرب أو مشورة في ما ينوبهم، حتى أن كانت الجارية تبلغ ان تدرع فما يشق درعها الا فيها، ثم ينطلق بها إلى أهلها، ولا يعقدون لواء حرب لهم ولا من قوم غيرهم الا في دار الندوة، ولا يعذر لهم غلام الا في دار الندوة، ولا تخرج عير من قريش فيرحلون الا منها. ولا يقدمون الا نزلوا فيها (...) وانما سميت الندوة لان قريشاً كانوا ينتدون فيها، أي يجتمعون للخير والشر".

فعلى ذلك، تملك "الندوة"، باسم "الملأ" من السلطات ما يشبه السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية والإدارية مجتمعة في هذه الهيئة الواحدة (الملأ)، أي الفئة العليا من قريش، أي الارستقراطية التجارية في مكة.

وكمظهر لحصر السلطات في هذه الفئة الممتازة، حصر "الملأ" حق دخول دار الندوة في من بلغ سن الاربعين من قريش باستثناء أولاد قصي، فان لهم جميعاً حق دخولها حتى من كان منهم دون الاربعين، فذلك امتياز لذوي السلطة. [23]

اللغة المبحوث عنها في هذا المجال هي لغة عرب الشمال كما كانوا يتفاهمون بها ويصوغون، بكلماتها وتراكيب هذه الكلمات، افكارهم ومشاعرهم وصور حياتهم. لان هذه هي أساس اللغة التي أصبحت لغة التراث الفكري العربي – الاسلامي، والتي هي لغتنا العربية الان.

من أين نشات لغة عرب الشمال هذه، كلغة تفاهم ولغة أدب وثقافة، ان البحوث الاثارية –اللغوية تتضافر على ان هناك نقوشاً وجدت في بلاد الشام بالخط النبطي الذي اشتق منه الخط العربي، ويستنتج الباحثون المختصون من هذه النقوش ان عرب الشمال عرفوا كتابة الابجدية في القرن الرابع الميلادي، ولا يشكون في ان لغة الانباط لهجة عربية شمالية، بدليل ان كثيراً من الكلمات الواردة في النقوش النبطية المكتشفة هي عربية خالصة، مثل "قبر"، بل يلاحظون في بعض النقوش ان عبارات بأكملها تكاد تكون عربية.

هذه الكتابات الوحيدة لا تزيد عن خمسة نصوص يرجع اقدمها إلى سنة 250 ميلادية. [24]

والنص الثالث من كتابات الجاهلية الخمس هو الذي يرقى إلى سنة 512 ميلادية، ويعرف باسم "كتابة زبد"، وقد كتب بالنبطية وخطه قريب من أقدم خط اسلامي، ويأتي بعده النص الرابع من حيث تاريخه، وهو المعروف عند المستشرقين بـ"كتابة حران"، ويرجع تاريخه إلى سنة 568 ميلادية. يتفرد نص حران هذا بكونه مكتوباً بلغة عربية تقترب كثيراً إلى عربية القرآن، كما ان خطه النبطي يقترب جداً إلى الخط الاسلامي القديم.

أما النص الخامس فهو المسمى ب،"ام الجمال الثانية" لانه ثانية كتابة عثر عليها في موضع ام الجمال، ولكن لم يحمل تاريخاً ، ويرجح المستشرقون الذين دققوا فيه انه مكتوب في القرن السادس الميلادي. وان لغته قريبة من اللغة العربية القرآنية ، ومتحررة إلى حد كبير من  اللغة النبطية. [25]

ان هذه النصوص الخمسة هي السند العلمي الوحيد الذي ينير هذه الحلقة من تاريخ الكتابة العربية بما تشير اليه من كون الخط العربي الأول الذي كتب به أهل الحجاز قبل الاسلام وبعده، مشتقاً من الخط النبطي الذي هو –بدوره- مشتق من خط بني ارم في بلاد الشام بما لهم من روابط وثيقة بهم، تاريخية وتجارية، وبما تشير اليه هذه النصوص ايضاً من كون اللغة التي كتبت بها، حسب تعاقب تواريخها، قد مرت بمراحل متدرجة من لغة نبطية خالصة (نص ام الجمال الأول)، إلى لغة نبطية – عربية (نص النمارة)، فإلى لغة عربية متحررة إلى حد كبير من النبطية (نص حران، وام الجمال الثانية). ومع ذلك لا يمكن الا أن نأخذ بالحسبان هنا ما يقرره المؤرخون والباحثون ، ومنهم الكثير من المستشرقين، بشأن العلاقة بين العرب والنبط.

وأما الطريق إلى تكوين فكرة عن أبعاد الصلة بين حياة اللغة العربية وحياة أهلها في الجاهلية الاخيرة، فهي ايضاً محفوفة ببعض الغموض. فان الحلقة التي نحن بصددها من تاريخ تطور اللغة العربية لا يزال بعض جوانبها يحتاج إلى اضاءات جديدة، ولا سيما الجانب المتعلق بلغة الشعر الجاهلي ولغة النثر الفني الجاهلي الذي يروي الاخباريون نماذج كثيرة منه يصنفونها إلى خطابة وحكم وامثال وقصص. [26]

ان الخلاف القائم منذ زمن لدى الباحثين العرب المحدثين ولدى المستشرقين قبلهم، بشأن النصوص الشعرية والنثرية الفنية المروية عن العصر الجاهلي ، من حيث صحة انتسابها إلى هذا العصر أو بطلان هذا الانتساب[27] – نقول : ان هذا الخلاف لا يمكن حسمه علمياً بغير اكتشاف كتابات جاهلية ببعض هذه النصوص تقدم لنا فكرة واضحة عن اللغة التي استخدمها عرب الشمال في صياغة الشعر والخطابة والحكم والامثال والقصص قبيل الاسلام وبعيد الاسلام. معنى ذلك انه لا تزال حلقة أخرى غامضة تلي الحلقة التي تنير بعض جوانبها تلك الكتابات الخمس الوحيدة المكتشفة حتى الآن. اننا نحتاج إلى نصوص مكتوبة في الجاهلية خلال القرن السادس، أو السابع، توضح صورة اللغة العربية في اطارها التاريخي الخاص بها الذي تستقل فيه عن النبطية أو غيرها.

انه لا يمكن الاقتناع بأن صورة العربية كما كتبت في نصوص ام الجمال والنمارة وزبد وحران وام الجمال الثانية – هي نفسها الصورة التي كان يستخدمها أهل مكة في أواخر القرن السادس وأوائل القرن السابع الميلادي في مخاطباتهم واشعارهم وخطبهم وامثالهم وقصصهم الحربية والميتولوجية والدينية. ولا يمكن الاقتناع ايضاً أن الوسائل التي سمحت بتدوين تلك النصوص الخمسة لا سيما نص حران بلغته العربية، لم تتوفر وسائل مثلها في الفترة التاريخية نفسها لتدوين نصوص عربية اخرى منفصلة نهائياً عن الخط النبطي واللغة المتأثرة بلغة النبط، أي انه لا بد ان تكون هناك مدونات عربية جاهلية بلغة الشعر والنثر الجاهليين اللذين نقرؤهما في المدونات الاسلامية وروايات الاخباريين.

وما دامت هذه الحلقة مفقودة فليس لدينا ما نعتمده في معرفة المعلم اللغوي لثقافة الجاهلية سوى لغة القرآن الكريم أولا، ثم ما دونه الاسلاميون منذ منتصف القرن الأول الهجري من نصوص منسوبة إلى الجاهليين ومصاغة بلغتهم.

ونحن نقول "بلغتهم" دون تحفظ، لانه ليس من المعقول أن تكون هذه النصوص، سواء صحت نسبتها إلى الجاهلية ام لم تصح، قد صيغت بلغة لم تكن لغة أهل الجاهلية، ولم يكن لها تاريخ طويل ضارب بعيداً جداً في تاريخ العرب قبل الاسلام، ولم تقطع مراحل كثيرة في طريق تطورها رافقت الكثير من مراحل تطورهم. أي انه ليس من المعقول ان هذه اللغة ولدت مع الاسلام أو مع عصر التدوين في الاسلام. ذلك ان اللغة – كل لغة- لكي تصبح في مثل مستوى العربية الفصحى كما تجلت في النسق القرآني وفي النصوص المروية والمدونة بعد الاسلام، يجب أن تكون قد عاشت قبل ذلك مع مئات الاجيال من المجتمع الذي اتخذها ناسه اداة تفاهم بينهم واداة تعبير عن مختلف شؤون حياتهم وعلاقاتهم بعضهم مع بعض ومع الكون والطبيعة. [28]

غير ان امام البحث العلمي لشعر الجاهلية مشكلتين ينبغي ان نجد لهما الحل المنهجي ، والا فستبقى استفادتنا من القيمة التاريخية لهذا الشعر استفادة محدودة لا تستوعب غير القليل مما تختزنه هذه القيمة من دلالات واستنتاجات علمية.

أما أولى المشكلتين، فهي ان الكثير مما يصنف في عداد الشعر الجاهلي حتى الآن، قد اثير الشك – قديماً وحديثاً- في صحة انتسابه إلى العصر الجاهلي.

واما المشكلة الثانية، فهي ان الصورة التي نعرفها لهذا الشعر كله وصلتنا هكذا مكتملة جاهزة، بحيث تغيب عنا كلياً مراحل صيرورتها، أي اننا نجهل حتى الآن جهلاً مطبقاً مسار تطورها قبل ان تصل إلى هذه الصورة المكتملة الجاهزة التي نعرفها.

ان هذا الواقع – المشكلة يلقي ظلالا معتمة على المشكلة الأولى فيعرقل عملية حلها، لان جهلنا "تاريخية" تطور الشعر الجاهلي يضيع من ايدينا مفتاح عملية الحل هذه، أي طريقة المقارنة، اعني مقارنة المدونات من هذا الشعر خلال العصور الاسلامية بالنماذج السابقة منه التي نفترض وجودها خلال حركة صيرورته التطورية في ما قبل المئة والخمسين سنة المنتهية بظهور الاسلام.

فلو انه تيسرت لنا رؤية واضحة لصورة الشعر الجاهلي وهو في حركة نموه وتطوره وتكامل ادواته ونضج الظروف الموضوعية لكل ذلك، خلال تاريخه الذي نفترض انه تاريخ طويل، لكان من اليسير ان نتخذ من علائم هذا المسار مقياساً صارماً يحدد، بدقة، فرق ما بين المدونات الشعرية الصحيحة النسب للجاهلية وبين المدونات المحمولة على الجاهلية حملا غير صحيح النسب.

وما دمنا نفتقر حتى الآن إلى هذه الرؤية التاريخية، فنحن نفتقر اذن إلى هذا المقياس الصارم. فكما هو شأننا حيال "تاريخية" تطور اللغة العربية الفصحى التي عرفناها بصورتها الكاملة الجاهزة في لغة القرآن الكريم وفي لغة الشعر الجاهلي نفسه المدون في العصور الاسلامية، على نحو ما شرحناه سابقاً في كلامنا على "المعلم اللغوي"، هكذا شأننا هنا أيضاً حيال "تاريخية" هذا الشعر ذاته.

أي كما اننا هناك ارجعنا أمر الحسم في مسألة اللغة إلى انتظار ما قد يستجد من كشوف كتابية في بلاد العرب – اذا عنيت المؤسسات العلمية العربية المختصة بالتنقيب- كذلك لا سبيل لنا هنا غير ارجاع أمر الحسم في مسألة الشعر الجاهلي إلى مثل هذا الانتظار.

الاساس التاريخي للشك :

يبدأ هذا الاساس يتكشف للباحث من نقطة تاريخية ثابت وجودها بالفعل، هي ان الشعر الذي قيل في العصر الجاهلي كان، حتى عهد التدوين في القرنين الثالث والرابع الهجريين، يتداول حفظاً وسماعاً فقط، أي لم يكن مكتوباً بعد.

من هنا كان لا بد ان يتعرض، أولاً، لضياع الكثير منه بسبب من تشتته على الألسنة المتشتتة في القبائل والاماكن المختلفة والمتباعدة، أو بسبب من انقراض حفاظه هنا وهناك، جيلاً فجيلاً.

ثم كان لابد ان يتعرض – ثانياً- للتعديل والتحريف في نصوصه بالتناقل من لسان إلى لسان ومن مكان إلى مكان، عن عمد حينا وغير عمد حيناً اخر.

فلما بدأت حركة التدوين كان من الطبيعي – بحكم السببين السابقين- ان يعجز المدونون عن الوصول إلى غير قلة قليلة من هذا الشعر نجت، خلال قرنين بعد الاسلام، من الضياع ، أو من التعديل والتحريف. ان ضياع الكثرة من شعر الجاهليين بنصوصه الصحيحة قد اضاع من أيدينا مقياس التفريق بين الصحيح والمنحول من نصوصه المدونة، وانشأ أساساً معقولاً للشك في صحة هذه النصوص المدولة من حيث نسبتها لشعراء الجاهلية. [29]

ففي سنة 1920 ظهر المستشرق الانكليزي مرغليوث، في ما كتبه عن الشعر الجاهلي، برأي يقول ان هذا الشعر كله غير جاهلي الأصل، بل هو اسلامي صرفاً ، أي نظمه شعراء اسلاميون. وظهر في مباحث مختلفة لمستشرقين اخرين عن جوانب معينة من تاريخ العرب قبل الاسلام ما يطعن بصحة كثير من مدونات الشعر الجاهلي. من ذلك، مثلا، ما ذهب اليه "نولدكه" من ان رواة الشعر وحملته في الاسلام هم الذين ادخلوا لفظة "الله" في هذا الشعر بعد ان حذفوا منه اسماء الاصنام واحلوا محلها اسم "الله" ، فما جاء فيه اسم "اللات" حل محله اسم "الله".

ولكن فريقاً آخر من المستشرقين يأخذون بنظرية ان الشعر الجاهلي صحيح اجمالاً، مع الاعتراف بدخول بعض التعديل عليه أو وجود اثر الانتحال في بعض نصوصه المدونة.

وكذلك نجد المستشرق الالماني ولهاوزن يناقش القول الذي اخذ به نولدكه من ان الرواة الاسلاميين هم الذين وضعوا اسم "الله" في الشعر الجاهلي بدلاً من اسماء الاصنام. فهو –أي ولهاوزن- ينفي ان يكون الرواة الاسلاميون فعلوا ذلك، ويرى ان ورودا اسم "الله" في شعر الجاهليين دون اسماء الاصنام مرده لا إلى تغيير أولئك الرواة وتبديلهم، بل إلى ان الجاهليين انفسهم كان من عادتهم عدم الاسراف والاسفاف في ذكر اسماء الآلهة الخاصة، على سبيل التأدب تجاه الارباب ، فاستعاضوا عن الصنم بلفظة "الله".[30]

المنحى الذي اتخذه كبير مستشرقي الروس كراتشكوفسكي في دراسة هذا الشعر، منتهياً به إلى نتيجة عبر عنها في أحد مباحثه بالقول ان الشعر الجاهلي هو الصورة الصادقة المعبرة بامانة عن خصائص الحياة العربية القبلية والبيئة التي نشأ فيها هذا الشعر، وانه لذلك يعتبر لدى ذوي الاختصاص الموثوق بهم أوثق مصدر لمعرفة أحوال العرب وعاداتهم واعرافهم في تلك المرحلة (الجاهلية).

ان هذه النتيجة التي انتهى اليها المستشرق الروسي الكبير تستند إلى دراسته المتعمقة للشعر العربي التي ظهرت سنة 1924، متبعاً فيها منهجاً هو أقرب ما يكون للمنهج العلمي. فهو لا يستبعد ان تكون قد جرت تصحيحات جزئية للاثار القديمة اثناء تدوينها، بل هو لا يستبعد حتى انتحال مؤلفات بكاملها. ولكنه يرى سبباً موضوعياً لعدم تحققهم حينذاك من صحة ما يدونون، هو ان العرب في تلك المرحلة لم تكن لديهم الطريقة التاريخية ولا طريقة المقارنة. ولذلك عجزوا غالباً حتى عن طرح تلك المسائل التي نسهم نحن في تحليلها، غير اننا نحن أيضاً عاجزون – بدورنا- امام الشعر الجاهلي من جهة أخرى، هي اننا لا نرى منه سوى الناحية السكونية (الستاتيكية)، لغياب ناحيته الحركية (الديناميكية) عنا، أي اننا نجد امامنا من هذا الشعر شكله المنتهي وحده، فلا نبصر شيئاً  من خط تطوره السابق. ان المنظر واحد دائماً من أية جهة نظرنا اليه.

ثم يضع كراتشكوفسكي قضية الشك في وحدة لغة الشعر الجاهلي. يرى ان هذه الوحدة تثير التساؤل: هل هي أمر حقيقي، أم هي من صنع الرواة المتأخرين بل اللغويين الأكثر تأخراً الذين محوا –عن عمد أو غير عمد- فروق اللهجات وجعلوا اللغة واحدة اعتبرت تقليدية؟، ام ان هذه اللغة مصطنعة ادبية –اذا صح التعبير- انتشرت قبل ظهور الكتابة لدى بعض القبائل التي طوعتها للشعر مع انها تختلف عن اللغة الدارجة المنطوقة لدى معظم القبائل؟. [31]

في معالجة هذه الاسئلة، يأخذ كراتشكوفسكي بمضمون السؤال الأول، أي كون وحدة اللغة الحاملة للشعر الجاهلي وحدة حقيقية. اما افتراض ان هذه الوحدة من صنع الرواة أو من صنع اللغويين، وافتراض ان لغة هذا الشعر مصطنعة ادبياً، فيراهما افتراضين لا يثبتان للنقد، ويجزم أن معظم العلماء الان يجمع على رفضهما.

على هذا النهج النقدي التاريخي يستمر كراتشكوفسكي حتى ينتهي إلى استنتاج القيمة التاريخية للشعر الجاهلي بالقول: "ان لنا في هذا الشعر اقدم اثر للغة العربية هو، بالنسبة لتاريخ تلك المرحلة، ليس اقدم الاثار فقط، بل هو – في الحق- الاثر الوحيد الذي بقي لنا من تلك الحوادث التي يتناولها".

الشك لدى العرب المحدثين:

ذلك هو الأمر، بوجه عام، لدى المستشرقين. اما عند الباحثين العرب المحدثين، فقد جرى النظر في الشعر الجاهلي على نهجين متناقضين، تمثل احدهما – ابرز ما تمثل واعظم صراحة واكثر تقدماً- بنهج طه حسين في دراسته الجريئة الرائدة التي ظهرت أول مرة (1926) بعنوان "في الشعر الجاهلي"، ثم ظهرت في طبعتها الثانية (1927) بعنوان "في الادب الجاهلي[32]".

وتمثل النهج الاخر بطريقة جمهرة من السلفيين والسطحيين بين مؤرخي الادب العربي واساتذته في الجامعات وكثير من الكتاب والادباء في البلاد العربية. [33]

ان التناقض بين هذين النهجين يتجلى في ان أولهما يقوم على الشك المبالغ به إلى حد القول بأن "الكثرة المطلقة مما نسميه ادباً جاهلياً ليست من الجاهلية في شيء، وانما هي منحولة بعد ظهور الاسلام، فهي اسلامية تمثل حياة المسلمين وميولهم واهواءهم أكثر مما تمثل حياة الجاهليين، وان "ما بقي من الادب الجاهلي الصحيح قليل جداً لا يمثل شيئاً ولا يدل على شيء ولا ينبغي الاعتماد عليه في استخراج الصورة الادبية الصحيحة لهذا العصر الجاهلي، وان "ما نقرؤه على انه شعر امرئ القيس أو طرفة أو ابن كلثوم أو عنترة، ليس من هؤلاء الناس في شيء، وانما هو نحل الرواة أو اختلاف الاعراب أو صنعة النحاة أو تكلف القصاص أو اختراع المفسرين والمحدثين والمتكلمين.

ولكن ظهر نهج ثالث يقف موقفاً وسطا بين هذين النهجين المتناقضين. ولعل أفضل من يمثل هذا النهج – وممثلوه قلة قليلة حتى الان نسبياً – هو جواد علي صاحب الموسوعة التاريخية التي يصح القول انها من اهم مكتسبات المكتبة العربية الحديثة في موضوعها. نعني بها كتابه "تاريخ العرب قبل الاسلام". فقد اتبع جواد علي، في مسألة نسب الشعر الجاهلي، طريقة النقد التاريخي والمقارنة بأسلوب البحث الموضوعي غير المتأثر بموقف سابق ثابت ومطلق. انه ينظر –مثلاً- في ما ينسب إلى أمية بن أبي الصلت من شعر ديني وحكمي متفق أو متشابه مع المعتقدات الاسلامية، ومع النصوص القرآنية احياناً، فيضع مختلف الافتراضات في تفسير هذا التوافق أو التشابه، ثم يناقش كل افتراض من موقع النظر النقدي التاريخي في ضوء الاسانيد والظروف التاريخية حتى يبلغ من ذلك مبلغ الظن "ان مرد هذا التشابه والاتفاق إلى الصنعة والافتعال"، بناء على ان امية كان شاعراً دون شك، لاجماع الرواة على القول بذلك.

هذا أولاً، وبناء ايضاً على انه – أي امية- "كان ثائراً على قومه، ناقماً عليهم، لتعبدهم للأوثان. وقد كان على شيء من التوحيد والمعرفة باليهودية والنصرانية".

ثم بناء على ان امية – وان كان كذلك- لا يظن "انه كان واقفاً على كل التفاصيل المذكورة في القرآن وفي الحديث (النبوي) عن العرش والكرسي وعن الله وملائكته وعن القيامة والجنة والنار والحساب والثواب والعقاب ونحو ذلك" فان كل هذا "هو شيء اسلامي خالص لم ترد تفاصيله عند اليهود والنصارى، ولا عند الاحناف، فوروده في شعر امية وبالكلمات والتعابير الاسلامية، هو عمل جماعة فعلته في عهد الاسلام: وضعته على لسانه، كما وضعوا أو وضع غيرهم على السنة غيره من الشعراء والخطباء، لاعتقادها ان ذلك مما يفيد الاسلام، ويثبت ان جماعة من الجاهليين كانوا عليه، وانه لم يكن – لذلك- غريباً، وان هؤلاء كانوا يعلمون الغيب، يعلمون بقرب ظهور نبي عربي، وانهم لذلك بشروا به، وانهم كانوا يتمنون لو انهم عادوا فولدوا في ايامه. [34]

في ضوء هذا المثال نرى نهجاً لدراسة الشعر الجاهلي يختلف – أولاً- عن نهج من يضع الشك منطلقاً وسبباً للبحث لا نتيجة له. ويختلف –ثانياً- عن نهج من يضع التصديق أو اليقين سابقاً على كل بحث، أو موقفاً تساق المقدمات على مقاسه وفي حدوده كي تجيء النتائج على المقاس نفسه وفي الحدود ذاتها.

طه حسين والشك الديكارتي:

بالرغم من "شكلية" العلاقة بين منطلق "الشك" لدى طه حسين في دراسته الادب الجاهلي، وبين المقومات الفلسفية لمذهب "الشك" لدى ديكارت، ينبغي الاعتراف بالدور الايجابي الكبير الذي اداه طه حسين، مقتحماً ورائداً، في مجال دراسة التراث الفكري العربي – الاسلامي. فان محاولته، في هذا المجال، انتاج صيغة جديدة معاصرة لمعرفة هذا التراث، ثم محاولته استيحاء "مناهج البحث العلمي" الحديثة في انتاج هذه الصيغة، هما بذاتيهما كانتا في عشرينيات هذا القرن سابقة فكرية تاريخية ذات قدر عظيم.

واذا تجاوزنا هذا الجانب من سابقة طه حسين، برزت لنا جوانبها الاخرى بمثابة ثغرات في منهجيته. فهو –من جهة- قد استسلم لهاجس الشك في صحة الشعر الجاهلي إلى حد كاد يبدو عنده "الشك" سبباً للبحث بدل ان يكون نتيجة من نتائج منطق البحث. وهو – من جهة أخرى – قد بالغ في "منهجة" الشك إلى حد ابعده، غالباً، عما تشترطه "مناهج البحث العلمي الصحيح" من ضرورة النظر التاريخي إلى الواقع الذي يتناوله البحث.

بمعنى انه، لفرط ما بالغ في التزام الشك بصحة نسب الشعر الجاهلي، حرصا منه على "المنهج"، قد افرغ هذا الشعر كله من كل دلالاته التاريخية المتصلة بعصر ما قبل الاسلام، حتى ان "القليل جداً" من "الادب الجاهلي الصحيح" أصبح عنده "لا يمثل شيئاً، ولا يدل على شيء، ولا ينبغي الاعتماد عليه في استخراج الصورة الادبية الصحيحة لهذا العصر الجاهلي"(ص65)، ثم اطلق حكمه القاطع بأن "الاعتماد في معرفة العصر الجاهلي لا على هذا الشعر المنسوب اليه"، بل "على القرآن من ناحية، والتاريخ والاساطير من ناحية اخرى" (ص65)، وانه "لا ينبغي ان يستشهد بهذا الشعر على تفسير القرآن وتأويل الحديث، وانما ينبغي ان يستشهد بالقرآن والحديث على تفسير هذا الشعر وتأويله"(ص67). [35]

رغم موافقتنا طه حسين على ان الكثير من الشعر المنسوب إلى الجاهلية مشكوك بصحة نسبه، وان بعضه منحول بالفعل، ورغم موافقتنا اياه أيضاً على معظم الأسباب التي استند اليها الشك أو الحكم بالنحل، لا يمكن موافقته – مع ذلك- على افراغ هذا الشعر المشكوك فيه أو المنحول من دلالاته التاريخية المتصلة بالعصر الجاهلي القريب من عصر ظهور الاسلام. بل يمكن القول ان هذا النوع الاخير من الشعر العربي لا تختلف قيمته التاريخية اختلافاً جوهرياً عن القمية التاريخية التي يتضمنها الشعر الجاهلي الصحيح نفسه. ذلك يرجع إلى اعتبارين ليس لمنهج البحث العلمي ان يسقطهما من حسابه في دراسة مثل هذه الظاهرات الادبية: أولهما، ان الفارق بين زمن الشعر الجاهلي الصحيح وزمن الشعر المنحول على الجاهلية بعيد الاسلام، ليس بالفارق الذي يمكن ان يحدث تغييراً ذا شان في العلاقة بين هذين النوعين من الشعر العربي، لارتباط كل منهما بالخصائص التاريخية التي يرتبط بها الاخر، سواء منها ما يتعلق بخصائص تطور المجتمع العربي في هاتين المرحلتين المتداخلتين، زمنياً واجتماعياً، ام ما يتعلق منها بخصائص تطور الشعر العربي ذاته في هاتين المرحلتين بخصوصهما . ولنا ان نرجع في اثبات ذلك إلى طه حسين نفسه بما يقرره –مخطئاً ام مصيباً- من انه لا يعرف "امة من الأمم استمسكت بمذهب المحافظة في الأدب ولم تجدد فيه الا بمقدار كالأمة العربية. فحياة العرب الجاهليين ظاهرة في شعر الفرزدق وجرير وذي الرمة والاخطل والراعي الخ..".

والاعتبار الثاني، ان شروط وضع الشعر في العصر الاسلامي منسوباً إلى الجاهلية، هي ذاتها تقتضي – بداهة- ان يجري هذا الشعر المنحول، شكلاً ومضموناً، على نسق يتلاءم مع خصائص الشعر الجاهلي وخصائص المجتم العربي الجاهلي التاريخية. والا كان وضع هذا الشعر مجانياً وعبثياً، في حين أن طه حسين خصص خمساً وخمسين صفحة من كتابه لعرض الأسباب السياسية والدينية وغيرها، التي دعت الاسلاميين لوضع الكثير من الشعر ونسبته إلى الجاهليين. فلكي ينسجم الوضع مع اغراضه تلك كان من الطبيعي والضروري ان ينهج الواضعون نهج الجاهليين في ما يحملون عليهم من شعر أو نثر، أي ان يأتي الشعر المنحول متشابها، إلى اقصى حد ممكن ، مع الشعر الجاهلي الصحيح من حيث خصائصه التاريخية: لغة وأسلوباً وموضوعاً ومضموناً ووصفاً وتصويراً . وهذا يقتضي من الواضعين معرفة شاملة بوجوه هذه الخصائص جميعاً، كما يقتضي منهم قدرة فنية على تمثل هذه الخصائص واجادة صياغتها شعراً جاهلي الصورة و"الهوية" حتى تلتبس فيه وتضيع كل معالم عصره الاسلامي ما أمكن ذلك. ولقد كانت هذه الشروط كلها، أو معظمها، متوفرة لدى الواضعين الاسلاميين، من رواة ومحدثين ومفسرين ومتكلمين. يشهد بذلك ما يرويه طه حسين نفسه عن كثير من المعنيين بهذا الشان في عصر التدوين والتأليف، كمثل ما ذكره عن رواية الكوفة ، المفضل الضبي من انه قال عن حماد الرواية انه "قد افسد الشعر افساداً لا يصلح بعده ابداً. [36]

من هنا لا يصح للباحث العلمي ان يذهب مع طه حسين إلى تلك الاحكام القاطعة، كحكمه بأن "الكثرة المطلقة مما نسميه ادباً جاهلياً ليست من الجاهلية في شيء"، وانها "اسلامية تمثل حياة المسلمين وميولهم واهواءهم اكثر مما تمثل حياة الجاهليين"، وان "ما بقي من الادب الجاهلي الصحيح (...) لا يمثل شيئاً ولا يدل على شيء، ولا ينبغي الاعتماد عليه في استخراج الصورة الادبية الصحيحة لهذا العصر الجاهلي".

من الصعب القبول بالتصنيف التقليدي لشعر الجاهلية. ويمكن القبول بعنوان واحد لهذا الشعر بمجمله، هو انه "شعر القبيلة العربية قبل الاسلام". شعر الصعاليك – مسكون في وقت واحد بكل مقومات "شعر القبيلة العربية قبل الاسلام" من وجه، وبكل مقومات الرفض لهذا العنوان من وجه آخر. [37]

البعد المعرفي:

نعني هنا بالبعد المعرفي ما يشتمل عليه الشعر الجاهلي من دلالات تاريخية تنبئ بمستوى وعي أهل الجاهلية، أي موقفهم المعرفي تجاه الكون والعالم. يحمل كذلك في نصوصه علامات وشواهد على مستوى اشكال الوعي الاخرى لدى الجاهليين، وأبرزها الشكل الديني الذي هو ، بجوهره، تعبير عن علاقة معرفية بين الوعي البشري والعالم. [38]

المعلم الميثولوجي:

الميثولوجيا، بكل ما تعنيه من صور وحكايات وملاحم وشخصيات ورموز اسطورية او خرافية: بسيطة أو مركبة، انما هي تمثل شكلاً تاريخياً للوعي في مرحلة أولية من مراحل تطوره ضمن السياق العام للتطور الاجتماعي. انها –أي الميثولوجيا- تعبير عن المستوى "الحدسي" المحض للوعي البشري في محاولاته الأولى تفسير الظاهرات الكونية، الطبيعية والاجتماعية.

ان ميثولوجيا الجاهلية العربية هذه كانت التعبير التاريخي عن تطلعات هذا النموذج المعين من المجتمع القبلي إلى ما وراء المحسوس تفسيراً لبعض الظواهر الكونية التي كان يتعذر عليهم تفسيرها بشكل اخر عقلاني في تلك المرحلة من تاريخهم. [39]

- ملامح النظر العقلي عند الجاهليين:

طبيعة التفكير العربي!

ما كنا لنضع هذه المسألة موضع البحث، بالرغم من ان التفكير العلمي يأبى وضعها هكذا بنحو من الاطلاق، لولا ان فريقاً من الباحثين الاسلاميين والأوروبيين، قدماء ومحدثين، قد نظروا في الخصائص المميزة لتفكير العرب في مرحلة معينة من تاريخهم فجعلوا من هذه الخصائص طبيعة عرقية ثابتة لا تتغير ولا تتطور، وعمموها على التفكير العربي في مختلف مراحله التاريخية، في حين أن خصائص التفكير لكل شعب أو لكل امة انما هي انعكاس للخصائص التي تخلقها ظروف الواقع الموضوعي لحياة هذا الشعب وذاك وحياة هذه الامة وتلك.

وما دامت حياة الشعوب والأمم متحركة متغيرة متطورة فان خصائص التفكير المنعكسة عنها لا بد ان تكون كذلك. [40]

ميز الشهرستاني الطبيعة العربية تمييزاً يجعلها قريبة من النظر المجرد والمباحث الكلية التي هي بالفلسفة اشبه، ثم ذكر ان حكماء العرب قليلون وأكثر حكمهم بديهة وارتجال، ولم يبين وجها لقلة حكمائهم.

وقد فهم احمد امين كلام الشهرستاني اذ قال "لاحظ بعض المستشرقين ان طبيعة العقل العربي لا تنظر إلى الاشياء نظرة عامة شاملة، وليس في استطاعتها ذلك.

هكذا نرى الشهرستاني –رغم منزلته الكبيرة بين كبار مؤرخي الفلسفة- قد جرى مجرى أولئك الباحثين الذين وضعوا مسألة الطبيعة العقلية عند العرب بصورتها المطلقة وبوضعها غير المنهجي.

ومن أمثلة هذه الاحكام غير المنهجية عند المؤلفين الغربيين ما قاله الفيلسوف الفرنسي الشهير ارنست رينان (-1892): "من الخطأ وسوء الدلالة بالالفاظ على المعاني ان نطلق على فلسفة اليونان المنقولة إلى العربية "فلسفة عربية".

ان رينان ينطلق في حكمه على الفلسفة العربية هنا من مقدمة خاطئة بالأساس ، وهي عدم ظهور مبادئ ولا مقدمات لهذه الفلسفة في شبه جزيرة العرب بتاريخها الماضي. وهنا يشمل كلام رينان عصر الجاهلية وهذا المنطلق لا يصلح للحكم على "طبيعة" التفكير العربي بشكل مطلق في مختلف المراحل والعصور. [41]

ولابن خلدون تعليل ، فهو يرى ان العرب في أول امرهم، أي عند ظهور الاسلام ، لم تكن لهم معرفة في العلوم التي ازدهرت في العهود الاسلامية، وان ذلك "لمقتضى احوال السذاجة والبداوة" ولان "القوم يومئذ لم يعرفوا امر التعليم والتأليف والتدوين".

وظاهر من هذا التعليل لابن خلدون انه لا يرجع مسألة فقدان المعرفة العلمية المنظمة عند العرب القدماء إلى طبيعة العرب، من حيث هم جنس من الاجناس، بل يرجعها إلى ظروف حياتهم في تلك المرحلة من التاريخ. وبذلك يتكلم ابن خلدون بأسلوب البحث العلمي. [42]

كان طبيعياً، خلال التعايش زمناً طويلاً بين التصورات الوثنية والافكار اليهودية والمسيحية بشان وجود العالم، ان يحدث التفاعل بين هذه وتلك وان يشيع الجدل في مسائل الخلق والالوهة وطبيعة الالهة، حتى مسائل البعث والقيامة والنبوة ايضاً.. ثم ان ينتج التفاعل الطويل الامد وان تنتج اختماراته في ذاكرة الوعي، ظهور فريق من الناس، في مجتمع الجاهلية بموقف متميز حيال كل تلك المسائل الكونية، أي موقف ليس بوثني ولا يهودي ولا مسيحي، بل متفرد باتجاه الرؤية التأملية، كعلامة على ولادة أمر جديد من رحم الامر القديم نفسه، أو ارهاص بهذه الولادة.

لقد ظهر هذا الفريق بالفعل، في الفترة الاخيرة من عصر الجاهلية، من بين الذين عرفهم مجتمع الجاهلية باسم "الحكماء"، متميزاً بمعارضته عبادة الاصنام وتعدد الالهة وبدعوته الى الآله الواحد، لكن على غير طريقة التفكير الديني اليهودي أو المسيحي. ذلك هو فريق الذين اطلقت عليهم صفة "الحنفاء" او "الاحناف".

الاخباريون العرب والمفسرون الاسلاميون يسمون هذه الجماعة باسمائهم الاتية: قس بن ساعدة الايادي، وزيد بن عمرو بن تفيل، وامية بن ابي الصلت، وسيف بن ذي يزن، وورقة بن نوفل القرشي وعامر بن الظرب العدواني، وعلاف بن شهاب التميمي، وزهير بن ابي سلمى ، وخالد بن سنان بن غيث العبسي.

المعروف عن اصحاب هذه الاسماء ، في مؤلفات الاخباريين العرب، ان معظمهم عاش في الايام الاخيرة من الجاهلية، وان بعضهم عاش ايضاً في ايام الاسلام الأولى .

لم يكونوا جميعاً متماثلين رأياً واعتقاداً، كما لم يكونوا على صلة ترابط وتلاق بينهم، أي لم يكونوا يؤلفون جماعة متواصلة تنتظمها حركة نشاط مشتركة. ذلك يعني أن الجامع الوحيد بين هؤلاء "الحنفاء" ينحصر في مبدأ رفض عبادة الاصنام وتعدد الآلهة، والايمان بوجود آله واحد. [43]

 

 

 

 

 

 


[1] حسين مروة – النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية – الجزء الأول– دار الفارابي – بيروت – الطبعة الأولى 1978 .

[2] وكلمة الجاهلية – كما تدل الآية- تشير إلى مضمون اخلاقي سلوكي، فليس المقصود بها اذن معنى الجهل المضاد للمعرفة. يدل على ذلك أيضاً ما ورد عن النبي من أن أبا ذر عير أمامه رجلاً بأمه، فقال –أي النبي- لأبي ذر: انك امرؤ فيك جاهلية". وقد قسم الاسلاميون الجاهلية إلى: جاهلية أولى قالوا انها التي ولد فيها ابراهيم، وجاهلية ثانية قالوا انها القريبة من الاسلام وولد فيها النبي محمد.

[3] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الأول - - ص 177

[4] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الأول - - ص 180

[5] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الأول - - ص 184

[6] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الأول - - ص 200

[7] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الأول - - ص 201

[8] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الأول - - ص 209

[9] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الأول - - ص 210

[10] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الأول - - ص 212

[11] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الأول - - ص 213

[12] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الأول - - ص 217

[13] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الأول - - ص 218

[14] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الأول - - ص 221

[15] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الأول - - ص 222

[16] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الأول - - ص 225

[17] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الأول - - ص 227

[18] اسم "الملأ" المكي المعروف يستمد مضمونه التاريخي هذا من دلالته اللغوية، يعني: الاشراف والعلية والغوم ذوي الشارة، أي ذوي المظهر الحسن والشرف. وفي المنجد تعريف طريق للملأ: "الملا جمع املاء" ، اشراف القوم الذين يملأون العيون أبهة والصدور هيبة".

[19] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الأول - - ص 231

[20] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الأول - ص 232

[21] هذه الوظائف العامة قديمة في الجاهلية عدا الندوة، جرى العرف الجاهلي ان يتولاها من تتوفر له الزعامة القبلية في مكة. اما الحجابة فهي تولي مفاتيح الكعبة وفتح ابوابها للحجاج في المواسم الدينية. والسقاية ان تهيأ للحجاج احواض الماء من الجلد في فناء الكعبة. والرفادة اطعام المحتاجين من الحجاج اثناء ايام الحج. اما اللواء فوظيفة يقوم بها من يرفع لواء الحرب امام المحاربين عند الحاجة إلى ذلك. وهناك وظيفة القيادة أيضاً في مكة، وهي تعني قيادة الجيش في الحرب.

[22] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الأول – ص 233

[23] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الأول – ص235

[24] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الأول – ص247

[25] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الأول – ص251

[26] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الأول – ص252

[27] مم المعروف أن المستشرق مرجليوث كان السابق إلى اثارة الشك في الشعر الجاهلي مدعيًا أن هذا الشعر انما نظم في العصر الاسلامي ثم نسبوه تزييفاً إلى العصر الجاهلي. وقد تابعه طه حسين في هذا الشك وكتب مؤلفه الشهير "في الشعر الجاهلي".

[28] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الأول – ص253 -254

[29] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الأول – ص259

[30] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الأول – ص262

[31] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الأول – ص263

[32] قال طه حسين في مقدمة الطبعة الثانية: "هذا كتاب السنة الماضية، حذف منه فصل، واثبت منه فصل، واضيفت اليه فصول، وغير عنوانه بعض التغيير". ولم يوضح المؤلف ماذا حذف وماذا اثبت وماذا اضيف وما سبب التغيير؟ والواقع ان ما حذف هو الفصل الأول عن المنهج. ولكن الحذف لم يتناول منه سوى ترتيبه في المكتاب أولاً، وسوى بعض العبارات والكلمات التي عدها خصومه مساً ببعض المعتقدات الاسلامية، ثانياً. وقد جعل مضمون هذا الفصل بعد تعديله موزعاً بين فصلين جديدين هما: "الادب وتاريخه" و "الجاهليون – لغتهم وآدابهم" ثم أضاف إلى الفصل المتعلق بتطبيق منهجه على بعض شعراء الجاهلية فقرات في أوله وفقرات في آخره، كما اضاف في آخر الكتاب فصلين: احدهما عن طبيعة الشعر الجاهلي وفنونه، وثانيهما عن النثر الجاهلي. اما سبب هذا التعديل والتغيير كله فلم يكن باختيار منه، بل عن اضطرار قسري اليه بعد حملة ارهاب فكري ومادي اثارها عليه جماعة المحافظين المتزمتين من الازهريين والجامعيين والادباء، وجماعة البلاط الملكي آنذاك لمآرب سياسية .. غير ان جوهر البحث والمنهج في الكتاب لم يتغير رغم كل ذلك.

[33] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الأول – ص265

[34] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الأول – ص267

[35] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الأول - - ص 272

[36] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الأول – ص273

[37] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الأول – ص276

[38] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الأول – ص278

[39] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الأول – ص286

[40] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الأول – ص293

[41] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الأول – ص294-295

[42] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الأول – ص297

[43] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الأول – ص309-310