Menu

تلخيص كتاب المفكر الماركسي الشهيد د. حسين مروة: النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية الحلقات من (5 – 11)

غازي الصوراني

كتاب النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية.jpg

القسم الثاني : بذور التفكير الفلسفي

الفصل الثاني : الصراع الفكري ونشوء قواعد النهضة الثقافية

أ- مدرسة الرأي ومدرسة الحديث

مدرسة أهل الرأي تستخدم الافتراض الذهني للواقعات، ثم تستخرج لها التشريعات التي يصل اليها إعمال الرأي.

 مدرسة أهل الحديث تنفر نفوراً شديد من افتراض الواقعة، وترفض الاجابة عن سؤال الا اذا كان يتعلق بواقعة حدثت بالفعل، لا مفترضة.

لقد اشتد الصراع بين هذين الاتجاهين المتعاكسين في نطاق التشريع أول الأمر، وظل يشتد حتى خرج إلى نطاقه الأوسع متطوراً إلى صراع فكري شامل. فاذا بنا نجد كلا من الاتجاهين يتخذ موقفاً في المعركة الفكرية الكبرى، فيما بعد، يتفق مع موقفه في المعركة التشريعية.

فأهل الرأي في المجال التشريعي يظهر منهم في المجال الفكري رجال امثال الحسن البصري الذي انطلقت من حلقته في مسجد البصرة تلك المدرسة ذات النزعة العقلية المعروفة. نعني بها المدرسة المعتزلة.

أما أهل الحديث فقد انتقلوا إلى المعركة الفكرية بموقفهم المحافظ نفسه الذي عرفوا به في المعركة التشريعية، وظهر من مدرستهم السابقة رجال امثال احمد بن حنبل خاصموا مبادئ المعتزلة مخاصمة شديدة.[2]

ب- نشـأة العلوم العربية :

نقول هنا باجمال: ان الثقافة التي جاءت نتاج العلاقة العضوية – الجدلية بين الحياة العربية والحياة الاسلامية، بين الفكر العربي والفكر الاسلامي، بين اللغة والفكر الذي تعبر عنه اللغة ، هي ثقافة عربية – اسلامية، لا انقسام فيها بين ما هو عربي خالص وما هو اسلامي خالص وما هو عربي- اسلامي متداخل، ولا انقسام فيها بين ما هو نتاج مثقفين ومفكرين ذوي أصول عربية وبين مثقفين ومفكرين اسلاميين ذوي اصول غير عربية.

انهم جميعاً سواء. لانهم جميعاً انطلقوا في تفكيرهم كله من منطق اللغة العربية، أي منطقها اللغوي والبياني والفكري، ولانهم جميعاً انطلقوا ايضاً في ممارساتهم الثقافية، بأوسع مجالاتها، من قضايا معينة لمجتمع معين ومن مشكلات اجتماعية وسياسية وفكرية هي مشكلات هذا المجتمع نفسه الذي يعيشون جميعاً في اطاره ، ويستمدون نظرتهم إلى العالم من خلال واقعة التاريخي ونمط علاقاته الاجتماعية.

اما هذه العلوم التي نحن بصدد الكلام عليها، والتي اخترنا تسميتها بالعلوم العربية، لا العلوم الاسلامية، فهي تدور على مسائل اللغة وقواعدها وادبها، أو على تاريخ العرب في الجاهلية والاسلام، أو على سيرة النبي وسير صحابته وخلفائه، وعلى اخبار الفتوحات العربية، أو على مسائل لغة القرآن والحديث النبوي ومعانيهما اللغوية والبيانية لاستخلاص مضامينهما الاعتقادية والتشريعية، وعلى دراسة الحديث النبوي بالخصوص من حيث روايته ورواته.

وبعبارة أكثر تحديدا: اننا نقصد بما سميناه العلوم العربية – لصلتها المباشرة تماماً باللغة العربية ذاتها- علوم النحو، والبلاغة والادب والتاريخ، والتفسير ، والحديث، والتشريع (علم الفقه وعلم أصول الفقه). [3]

حركة التدوين:

تتصل حركة التدوين تاريخياً ومنطقياً بحركة نشأة "العلوم العربية" التي نتحدث عنها.

وحركة التدوين هذه تشغل مكاناً عظيماً في تاريخ تطور الفكر العربي – الاسلامي جملة وتفصيلاً. وهي تعني ذلك العمل التاريخي الذي بدئ به عهد كتابة المعارف الأدبية والدينية والعلمية واخبار العرب، بعد ان كانت هذه المعارف تحكى وتروى بالسماع دون القراءة.

ان التدوين بهذا المعنى غير التأليف، بل هو الانتقال من عهد المعارف المنقولة شفهياً إلى عهدها مسجلة بالكتابة. فمتى بدأ هذا العهد بالتحديد؟

هناك من يرى بين المؤرخين انه بدأ في منتصف القرن الثاني للهجرة، أي في النصف الثاني للقرن الثامن الميلادي. وهذا رأي مخالف للواقع التاريخي لأن هناك ما يدل على ان تدوين القرآن والحديث النبوي حدث في العهد الأول للاسلام. [4]

وطبيعي ، اذن، ان تكون حركة التدوين هذه عاملاً مساعداً كذلك لحركة التفاعل الثقافي بين العرب وشعوب الدولة العربية الواسعة كي تعطي ثمارها في عملية تطور الفكر العربي – الاسلامي، بقدر ما كانت عاملاً مهما في نشر التفكير المعتزلي العقلي الذي اخذ ينشط في مجرى الحركتين السابقتين ذاتيهما.

اختلفت مراكز الحياة الفكرية في صدر الاسلام عنها في العصر العباسي، كما حصل هذا الاختلاف في العهود العباسية ذاتها إلى عهد ملوك الطوائف، فعهد الصليبيين، فعهد الغزو المغولي، حتى العهد الذي سمي بـ"عهد الانحطاط".

اما في عصر صدر الاسلام ومنه العصر الاموي، فقد كان اهم مراكز النشاط الفكري: مكة والمدينة في الحجاز، البصرة والكوفة في العراق، دمشق في بلاد الشام، الفسطاط (القاهرة الان) في مصر. [5]

أما مكة والمدينة، فقد ازدهرت فيهما علوم: الفقه، والحديث، والتاريخ، ذلك بأنهما منبع الاسلام، ومنهما نشطت الدعوة للدين الجديد بكل وسيلة من وسائله التعليمية. وقد بقيتا مركزين لدعوة النبي، وللخلافة الراشدية، عدا خلافة علي اذ جعل الكوفة مراكزاً له. – واما البصرة والكوفة فقد نشأتا بعد استيلاء العرب على العراق في خلافة عمر بن الخطاب، وسريعاً ما تحولت كل منهما إلى مركز حيوي لنشاط الحركة الثقافية بأرفع اشكالها حينذاك، وفيهما تجمعت خبرات أهل الحجاز العملية ومعارفهم الاسلامية المستفادة من معايشتهم الاسلام منذ نشأته، وقد جاءوا الكوفة والبصرة مهاجرين بعد الفتح، بالاضافة إلى خبرات أهل العراق الحضرية بما توارثوه أو عايشوه من الميراث الحضاري لمدنيات بابل وفارس وآشور وتأثرت "الحيرة" بهذه المدنيات، وبما تسرب اليهم من دراسات الفلسفة اليونانية في بعض الاديرة المسيحية بالشمال أو في بعض المدارس الفارسية.

لقد ظلت البصرة والكوفة من أهم مراكز الفكر العربي بضعة اجيال حتى بعد ان ظهرت بغداد عاصمة أولى للثقافة العربية دون منازع.

بدليل ما نرى من اثارهما في تاريخ تطور الفكر العربي التي كانت عميقة وقوية إلى حد انهما كانتا منطلقا لأكثر المذاهب الفكرية جراءة وتحرراً كمذهب المعتزلة مثلاً، ومنطلقاً لحركات اجتماعية تدعمها منطلقات فكرية كحركة القرامطة و"اخوان الصفاء". [6]

وأما دمشق فقد احتلت مكانتها المرموقة منذ أصبحت مركزاً للخلافة الاموية، وصارت مقصداً للعلماء والادباء من انحاء الدولة العربية كافة، ولكن لم تبلغ بتأثيرها الثقافي منزلة البصرة والكوفة، لان الخصومات السياسية صرفت أكثر جهد الامويين عن الاهتمام بتنمية الحركة العلمية في عاصمتهم إلى الاهتمام بالأدب والأدباء، ولا سيما الشعراء، متخذين منهم وسيلة تأييد لسياستهم وهجوم على خصومهم السياسيين من الانصار والعلويين والخوارج.

غير ان هذا لا يعني ان دمشق قد فرغت من الحركة العلمية. بل لقد نشطت فيها مناقشات جادة في بعض المسائل التي كان يثيرها الاحتكاك هناك بين الاسلام والمسيحية.

ولكن هذه المناقشات لم تكن تتجاوز نطاق الجو "الرسمي" السائد في العاصمة الاموية.

فان قضية القدر ومسؤولية الفعل الانساني من حيث الجبر أو الاختيار، مثلاً، ما كان يمكن لدمشق ان تكون بعيدة عن البحث فيها حين كانت هي القضية الأولى التي يدور عليها الجدل الفكري في مدارس العراق والحجاز جميعاً.

وقد كان اتجاه دمشق، في ذلك، هو اتجاه السلطة الاموية نفسه، أي تأييد القول بسلب الانسان حرية الاختيار في افعاله، وسنرى -بعد- كيف كان الحكام الامويون يحاربون نزعة الاختيار بشدة، ولماذا يحاربونها.

واما مدينة الفسطاط فقد ظلت، منذ فتح مصر (سنة 20 ه/ 640 م) في خلافة عمر بن الخطاب حتى اخر عهد الدولة الاموية، مراكزا علمياً تغلب عليه العلوم الدينية الصرف، ولا سيما الحديث والفقه.[7]

ج- ارهاصات التفكير الفلسفي

أولا: في العقائد الايمانية :

كيف نشأ التفكير الفلسفي في العقائد الايمانية الاسلامية؟

ان كثيراً من الباحثين المتأخرين، من شرقيين وغربيين، يتخذون في هذه المسألة موقفاً وحين الجانب، وان اختلفوا في تعيين هذا الجانب الوحيد.

فان منهم من يرجع نشأة التفكير الفلسفي في العقائد الايمانية الاسلامية إلى عوامل خارجية خالصة. وفي طليعة هذا الفريق مؤرخ الفلسفة دي بور. فهو أولاً ينكر وجود عقائد اسلامية جاء بها القرآن، بحجة ان القرآن "جاء المسلمين بدين ولم يجئهم بنظريات، وتلقوا احكاماً لكنهم لم يتلقوا فيه عقائد". وهو ثانياً يرى انه "بعد ان فتح المسلمون بلاد غيرهم وجدوا امامهم علم عقائد نصراني متكامل البناء، كما وجدوا امامهم مذاهب اصحاب زرادشت ومذاهب البراهمة".

ثم ينتهي "دي بور" إلى القول بأنه إلى جانب الاعتبارات التي شرحها في هذا الاتجاه تقوم "دلائل متفرقة على ان طائفة من المسلمين الأولين الذين قالوا بالاختيار كان لهم اساتذة من النصارى.

ثم جاءت عناصر فلسفية محضة من المذاهب الغنوسطية، اولاً، ومما ترجم من الكتب بعد ذلك، وتضافرت مع المؤثرات النصرانية المصطبغة بالفلسفة اليونانية في دورها الشرقي الاخير". [8]

وهناك فريق آخر من الباحثين في مسائل الفكر العربي – الاسلامي يضع المسألة على نحو اقرب إلى أسلوب البحث الصحيح، لكن دون أن يلامس الواقع الاجتماعي والسياسي ملامسة تمضي من منطق البحث العلمي إلى مداه الاخير.

فإن هذا الفريق الاخر يرجع نشأة التفكير الفلسفي في العقائد الاسلامية إلى قاعدة نظرية عامة جداً تقول بأن الفكر الانساني "يمر في سعيه وراء اليقين في ثلاث مراحل: تصديق مطلق، فتشكك باطني، فاقتناع عقلي".[9]

 

ثانياً: مشكلة القدر:

1- نشأتها التاريخية:

البحث في مشكلة القضاء والقدر، عند المفكرين العرب والاسلاميين بعامة، قد ظهر كبحث فكري يرتبط بمسؤولية الانسان – الفرد عن فعله، في ما بين النصف الأول والنصف الثاني من القرن الأول للهجرة (منتصف القرن السابع الميلادي).

نقرأ – مثلاً- للاسفراييني قوله: ".. وظهر في أيام المتأخرين من الصحابة خلاف القدرية، وكانوا يخوضون في القدر والاستطاعة (قدرة الانسان على الفعل بنفسه) كمعبد الجهني وغيلان الدمشقي وجعد بن درهم، وكان ينكر عليهم من كان قد بقي من الصحابة: عبدالله بن عباس، جابر، وانس، وابي هريرة، وعقبة بن عمرو واقرانهم. وكانوا (هؤلاء الصحابة) يوصون اخلافهم بان لا يسلموا عليهم (أي على معبد وغيلان وجعد واقرانهم)، ولا يعودوهم ان مرضوا، ولا يصلوا عليهم اذا ماتوا". [10]

أمكننا استنتاج ان البحث في المشكلة كان شائعاً في الأوساط الفكرية والدينية قبل الخمسينات من القرن الأول الهجري (قبل السبعينات من القرن السابع الميلادي). يؤيد هذا الاستنتاج التاريخي قول طاش كبرى زاده بأنه "كان الخلاف (أي الخلاف في مشكلة القدر) يتدرج شيئاً فشيئاً إلى اخر ايام الصحابة، حتى ظهر معبد الجهني وغيلان الدمشقي وواصل بن عطاء، وعمرو بن عبيد ويونس الاسواري، وخالفوا في القدر واسناد جميع الامور إلى تقدير الله تعالى وهلم جرا، إلى ان ظهرت قواعد الاعتزال".

نستبعد القول الشائع لدى كثير من مؤرخي الفلسفة العربية بأن البحث في هذه المشكلة بدأ مع معبد الجهني.. يؤيدنا في استبعاد هذا القول سبب تاريخي يرجع إلى ما هو معروف عن أهل السنة والجماعة من انهم يرون في علي بن أبي طالب انه أول متكلميهم ويذكرون انه (أي علي) ناظر الخوارج في مسألة الوعد والوعيد وناظر القدرية في المشيئة والاستطاعة المشيئة: ارادة الله. والاستطاعة: قدرة الانسان على الفعل باختبار).

وقدر رووا عن علي نفسه انه رأى قدرياً مشهوراً في عصر عمر بن الخطاب يناقش في القدر، وهو عبدالله بن صبيغ، ورأى (أي علي) كيف منعه عمر (منع عبدالله بن صبيغ من الخوض في رأيه (بالقدر).

ان ذلك يعني ان المسألة مثارة منذ زمن عمر بن الخطاب، بل هناك ما يدعو للظن بأنها مثارة حتى في زمن النبي. [11]

يعد معتزليا كل من ذكر له من الصحابة والتابعين قول يدل على ان الانسان حر الإرادة .

2- الجذور الاجتماعية والسياسية لمشكلة القدر:

بعد ما تقدم يبرز هذا السؤال:

ما طبيعة الظروف التي اقتضت ان يظهر معبد الجهني أولاً، وغيلان الدمشقي بعده، حاملين راية المجاهرة، بنفي القدر عن فعل الانسان، ثم ان يصبحا ضحيتي رأييهما، ثم ان يظهر الحسن البصري بهذا الرأي نفسه، ثم واصل بن عطاء الذي بدأ به عهد صيرورة هذه المسألة ومسائل اخرى غيرها قاعدة أساسية ينهض عليها بناء مذهب عقلي في العقائد الاسلامية، ثم يصبح هذا المذهب منعطفاً حقيقياً لمجرى تاريخ تطور الفكر العربي نحو الفكر الفلسفي، نعني به مذهب المعتزلة؟. [12]

للإجابة على السؤال نرجع إلى الباحثين، الشرقيين منهم والغربيين، فنجدهم لا يرون من تلك الظروف سوى جانب واحد. واذا كان منهم من يرى الجانب الاخر، فانما يراه في غير مكانه الحقيقي من الواقع.

ماكدونالد، مثلاً، يرى أن البحث في مسألة الحرية الانسانية ينشأ من "ضرورة فلسفية للعقل الانساني".

هذا من حيث المبدأ. وأما من حيث الواقع فيرى ان نشأة القول بالقدر في بلاد الشام اثناء العهد الاموي حصلت بتأثير الآراء المسيحية ، ولا سيما كتابات يوحنا الدمشقي التي يظهر منها ان مسألة الجبر وحرية الارادة هي من أهم مسائل الخلاف بين الاسلام والمسيحية .

وينقل "غولد تسيهر" عن الباحث "كريمر" قوله بأن علماء المسلمين القدامى اخذوا من علماء اللاهوت المسيحيين ما احدث عندهم الشك في ما اعتقدوه من أمر القدر الازلي المطلق.

أما غولد تسيهر نفسه فنستخلص من كلامه في الموضوع ان محاولة المسلمين الاتقياء، في العصر الاموي، ازالة التعارض بين نصوص القرآن في مسألة ارادة الله وارادة الانسان، هي المصدر الاساسي لظهور حركة القدرية.

هذه النماذج من آراء الباحثين الغربيين لا ترى من منشأ للبحث والجدل في مسألة القدر عند المفكرين العرب سوى هذا الجانب الواحد أو ذاك. فهم أما يرجعون المنشأ إلى التأثر بأفكار اللاهوت المسيحي أو غيره من المؤثرات الخارجية وحسب. [13]

دون أن يفكر اطلاقاً بالقاعدة الاجتماعية أو السياسية التي انطلق منها المسلمون القدامي إلى محاولة التوفيق هذه أو دعت هذا الفريق منهم إلى القول بالقدر ودعت الفريق الاخر إلى نفي القول بالقدر والاخذ بفكرة حرية الارادة الانسانية أو حرية الفعل الانساني.

وهكذا فعل الباحثون الاسلاميون انفسهم في تحديد منشأ المسألة. فان هؤلاء ايضاً يرجعون ذلك إلى تاُير الفكر اللاهوتي المسيحي وحسب.

ومثل هذا الرأي نجده عند سائر المؤرخين الاسلاميين القائلين بأن معبداً الجهني هو أول من قال بالقدر، وانه أخذ ذلك عن رجل نصراني يدعى سنهويه كان قد اسلم ثم تنصر، أو تأثر به كما يذكر ابن سعد في "طبقاته".

وينتقل هذا التأثير المسيحي من معبد إلى الحسن البصري في العراق، وإلى غيلان الدمشقي في بلاد الشام، حسب آراء هؤلاء المؤرخين. [14]

ولا يمكن ان يقتنع المرء بأن الحكام الامويين لم يكونوا يتصورون هذا الخطر الذي يعنيه مذهب القدرية، وهم المعروفون بالدهاء والحيطة الشديدة لسلطانهم في وقت اشتدت فيه حركات المعارضة وتطورت اسلحتها الفكرية المتعددة السريعة الانتشار.

ان بين المؤلفين الاسلاميين القدماء انفسهم من يشهد على صحة رأينا هذا، كالقاضي عبد الجبار بقوله ان "أول من قال بالجبر واظهره: معاوية" وقوله ان معاوية "اظهر ان ما يأتيه، بقضاء الله ومن خلقه، ليجعله عذراً في ما يأتيه ، ويوهم انه مصيب فيه، وان الله جعله اماما وولاه الامر. وفشا ذلك في ملوك بني أمية".

اما الجبريون، فليسوا فرقة واحدة، فقد ذكر الشهرستاني ثلاثة اصناف رئيسة لهم:

الجبرية الخالصة، والجبرية المتوسطة، وهناك الفرقة التي تثبت للقدرة الحادثة اثراً ما في الفعل.

وذكر الشهرستاني للفرقة النجارية منهم اصنافا ثلاثة ايضاً. اما الفرقة الضرارية (أصحاب ضرار بن عمرو) فتتميز بأن بين مبادئها مبدأ يقول "ان الامامة تصلح في غير قريش، حتى اذا اجتمع "قرشي" و "نبطي" قدمنا النبطي، اذ هو اقل عددا، واضعف وسيلة، فيمكننا خلعه اذا خالف الشريعة". والمعتزلة، وان جوزوا الامامة في غير قريش لا يجوزون تقديم النبطي.

فهناك جبريون، اذن، أشد خطرا على السلطان الاموي من المعتزلة ، رغم ان المعتزلة ياخذون بفكرة القدرية. فان القول بجواز ان يكون الامام من غير قريش – والامويون من قريش - ، بل جواز تقديم حتى النبطي على القرشي، يشكل خطرا على الخلافة الاموية لا نبالغ ان قلنا انه اشد من خطر القدرية. [15]

يقول المؤرخون ان معبدا الجهني وعطاء بن يسار اتيا إلى الحسن البصري وقالا له: "يا أبا سعيد، هؤلاء الملوك يسفكون دماء المسلمين، ويأخذون اموالهم، ويقولون: انما تجري اعمالنا على قدر الله تعالى ، فقال لهما الحسن البصري: كذب اعداء الله" يقصد بني أمية . [16]

هل كان من نوع المصادفة ان يأتي معبد الجهني وصاحبه عطاء بن يسار إلى الحسن البصري ليقولا له: "يا ابا سعيد، هؤلاء الملوك يسفكون دماء المسلمين".

طبعاً، لا . لم يكن ذلك مصادفة مطلقاً. فنحن نرى هنا معبداً الجهني وعطاء بن يسار يأتيان الحسن البصري شاكيين محتجين على "هؤلاء الملوك".

فمن هم "هؤلاء الملوك"؟. انهم ملوك المسلمين بالذات، وهم الملوك الامويون بأعينهم ، فأنه لم يكن للمسلمين آنئذ ملوك غير الامويين.

فعلى أي شيء يحتج معبد وعطاء من أمر "هؤلاء الملوك"، ومن أي شيء يشكون؟.

"المادة التاريخية" هنا واضحة جداً ، فهي تجيب عن السؤال جواباً لا يحتاج إلى تفسير أو تأويل. انها تقول لنا بلسان صريح: "هؤلاء الملوك يسفكون دماء المسلمين وياخذون اموالهم"، ولا يكتفون بذلك، بل هم يبررون اعمالهم الظالمة هذه بأنها "تجري على قدر الله" أي انهم يسفكون الدماء ويغتصبون الاموال ثم ينسبون اعمالهم إلى الله، إلى قضاء الله وقدره، إلى "جبرية" آلهية مفروضة على المسلمين ولا خلاص منها. [17]

اننا نرى هنا، بوضوح، ان مسألة القدر تتخذ مضمونا سياسياً، اجتماعياً صريحاً ليس فيه مجال للالتباس. وهذا المضمون قوي الدلالة على مدى استفادة السلطة الاموية من فكرة القضاء والقدر (الجبر) لدعم وجودها من جهة، ولسد ابواب الامل امام المسلمين – من جهة ثانية- بالخلاص من ظلم هذه السلطة، ما دامت سلطة آلهية جبرية.

وما دام ليس في مقدور الانسان ان يعاند سلطة الله، ولا ان يمنع عن نفسه قضاء الله وقدره، أي انه لا يملك الاختيار في فعل من افعاله. فعلى المسلمين اذن، بحكم هذه الجبرية الالهية ، ان يستسلموا للحكم الاموي، لانهم بذلك يستسلمون لقضاء الله وقدره. هذه هي "المعادلة" السياسية لمنطق الامويين.

ثم ان هذا المضمون السياسي الاجتماعي قوي الدلالة، من جانب آخر، على -ان الحركة القدرية، حين ظهرت بصورتها المذهبية – النظرية على يد معبد الجهني، قد جعلت دعوتها إلى حرية الانسان في افعاله مقترنة اقتراناً عضوياً بالدعوة إلى مناهضة الحكم الاموي لسببين متلازمين: لسفكهم دماء المسلمين واخذهم اموالهم أولاً.

ولزعمهم –ثانياً- ان ظلمهم هذا انما هو قدر عليهم من الله ، بل نرى من الأصح أن نقول : ان دعوة القدرية إلى حرية الارادة الانسانية والفعل الانساني تتضمن، بحد ذاتها وبجوهرها.

دعوة المظلومين ان يستخدموا حرية ارادتهم وفعلهم هذه في العمل للخلاص من ظلم "هؤلاء الملوك"، أي ان دعوة القدرية تتضمن – بالضرورة- انفتاح باب الامل بأن الخلاص ممكن، لانه لا "جبرية" ولا قدر. [18]

كل ذلك يؤدي بنا إلى حتمية الاستنتاج بان مذهب القدرية انما تبلور مذهبياً ونظرياً على هذه الصورة التي ظهر بها عبر مدرسة الحسن البصري في بيئة البصرة بالذات، ثم في بيئة دمشق بالذات، ثم في بيئة "المدينة" بالذات من الحجاز، ليكون تعبيراً بشكل ديني عن "أيديولوجية" تقف في الطرف الاخر المناقض "لايديولوجية" الحكم الاموي: الجبرية. [19]

نخلص من عرض هذه الاراء في القدريين إلى استنتاج أخير، هو اننا لا نزعم ان مذهب القدرية ظهر بتفكير يخرج عن اطار التفكير الديني، ولكننا نقول بأن هذا المذهب احدث اثراً ايجابياً كبيراً في تطوير الفكر المعارض لحكم بني امية، من حيث كونه اوحد للمعارضين، ولا سيما الفئات الاجتماعية التي تعاني مظالم هذا الحكم، "ايديولوجية" مقابلة "لايديولوجية" الطبقة الحاكمة الاموية.

وقد أرسى هذا المذهب قاعدته النظرية على فكرة حرية ارادة الانسان ومسؤوليته عن افعاله. وقد أصبحت هذه القاعدة النظرية احد الأسس التي قام عليها صرح الفكر العقلاني المعتزلي.

المصادر القرآنية لمسألة القدر:

قلنا أن تفكير القدريين المؤسسين، نظرياً، لهذا المذهب لم يخرج عن اطار التفكير الديني.

فكان لا بد لهؤلاء المؤسسين، اذن، ان يدعموا تفكيرهم ونظريتهم في حرية الارادة بدعامة دينية اسلامية، وكان القرآن – وهو المصدر الأول للمفاهيم الاسلامية- مرجعهم قبل كل شيء.

ولقد وجدوا في القرآن بالفعل دعامة قوية للقول بحرية الارادة ومسؤولية الفعل الانساني، اذ فهموا باجتهاد خاص- من بعض الايات القرآنية، ولا سيما المكية منها، ما جعلوا منه هذه الدعامة.

ففي المناقشة المروي عن غيلان الدمشقي انه اجراها مع الخليفة الاموي عمر بن عبد العزيز بشأن المذهب القدري، نرى غيلان يناقش الخليفة هذا في مدلول الاية: "انا هديناه السبيل: اما شاكراً واما كفوراً" (سورة الانسان، الاية 3)

فان غيلان يرى في هذه الاية نصاً صريحاً على ان الذي يجيء من الله يقتصر على ايضاح طريق الهداية، ثم يبقى على الانسان ان يختار: اما الشكر -أي الايمان هنا- واما الكفر.

فقد فهم غيلان اذن من الآية كونها تقول باختيار الانسان في افعاله، ومسؤوليته عن هذه الافعال.

ولكن غيلان لا يكتفي بالاستشهاد بالنص القرآني، بل نراه في مناقشة اخرى له مع عمر بن عبد العزيز نفسه، يعلل القول بالاختيار تعليلاً نظرياً مستمداً من مفهوم العدل، وهو مفهوم ذهب غيلان في تطبيقه على العدل الآلهي مذهباً واقعياً، وليس ميتافيزيقياً، لانه انطلق به من معناه البشري. [20]

غير ان القدريين وجدوا في القرآن ، مع ذلك، نصوصاً اخرى تحمل ظاهرا معاكساً لما هو مفهوم من النصوص المذكورة. فهناك آيات قرآنية توحي، في ظاهر نصها أو مضمونها، بمبدأ الجبرية المطلقة.

"ان هذه تذكرة، فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلاً، ما تشاؤون إلا أن يشاء الله". وظاهر من الفقرة الاخيرة في هذه الآية انها تنفي مشيئة الانسان غير المقيدة بمشيئة الله. وذلك ما يدل في ظاهر النص على مبدأ الجبرية المطلقة. [21]

لقد اصطدم القدريون بآيات قرآنية كثيرة وهذه الآيات ذاتها كانت دليل الجبريين على مذهبهم، ومن امثلتها: "الله خالق كل شيء" ، "ختم الله على قلوبهم"، "ومن يرد ان يضله يجعل صدره ضيقا حرجاً" ، "والله خلقكم وما تعملون".

ان كلاً من هذه الآيات لها دلالتها الظاهرية الخاصة. فانه يستفاد من آية "الله خالق كل شيء" انها تشتمل بعمومها فعل الانسان، فهو "شيء" ، اذن هو مخلوق لله كسائر "الاشياء"، وليس مخلوقاً للانسان.

ويستفاد من آية "ختم الله على قلوبهم" نفي حرية الارادة الانسانية، لان ارادة الله قد ختمت طابعها وقدرتها على قلوب البشر.

ويستفاد من آية "ومن يرد ان يضله يجعل صدره ضيقاً حرجاً" ان ضلال الانسان انما يحدث باراداة من الله. واما آية "والله خلقكم وما تعملون" فانها نص صريح على ان الله خلق الناس وخلص اعمالهم كذلك، فكل ما يعمل الانسان اذن انما هو من عمل الله. هكذا نرى هذه الآيات كغيرها من امثالها تحمل هذا الظاهر الجبري.

فماذا فعل القدريون في مواجهة هذا النوع من النصوص القرآنية ؟

هنا تجيء محاولة التوفيق بين النصوص القرآنية. فقد كان على القدريين ان يؤولوا هذه الآيات الظاهرة بالجبرية تأويلاً يخرجها عن ظاهرها بحيث تبدو غير متناقضة مع الآيات الأخرى التي استدلوا بها على حرية الارادة.

ولعل أول ما ظهر من هذه المحاولة بصورة منهجية تقريباً ما نراه في الرسالة المنسوبة إلى الحسن البصري انه كتبها إلى عبد الملك بن مروان .

هذه الرسالة، مكتوبة من وجهة نظر القدريين على كل حال. فهي اذن تكشف عن طريقتهم في التوفيق بين الآيات القرآنية المتعارض في مسألة القدر والجبر.

ذلك ان هذه الرسالة قد تعرضت للرد على الجبرية اذ استدلوا على مذهبهم بآية: "فيضل الله من يشاء ويهدي من يشاء". فالفعلان في الآية منسوبات إلى الله. [22]

تقول الرسالة ان هؤلاء الذين يقولون بأن الله هو الذي يضل من يشاء ويهدي من يشاء، لو نظروا إلى ما قبل الآية وإلى ما بعدها، لظهر لهم ان الله لا يضل الا الذين هم ضالون بالفعل قبل ان يضلهم الله، بدليل الآية الاخرى القائلة: "ويضل الله الظالمين". فان هذه الآية الاخيرة ناطقة بأن فعل "يضل" المنسوب إلى الله قد حدث "للظالمين"، أي لمن كانوا ظالمين قبل ذلك، أي لمن كانوا قد ظلموا انفسهم باختيارهم، حين اختاروا لانفسهم الفسق او الكفر.

وهذا يعني ان الله حين رأى ضلالتهم حكم عليهم بما هم فيه.

وتؤيد الرسالة تفسيرها هذا بالآية: "فلما زاغوا ازاغ الله قلوبهم". وتقصد الرسالة هنا ان فعل "ازاغ الله قلوبهم" كان نتيجة لفعل "زاغوا" فهذا الفعل الاخير المنسوب إلى الفاسقين هو سابق، زمنياً، على الفعل المنسوب إلى الله (ازاغ الله قلوبهم)، بدليل كلمة "لما" (فلما زاغوا ازاغ الله إلخ). و "لما" تدل على الزمن الماضي. اذن كان فعل "زاغوا" سبباً لفعل "ازاغ الله".

نستنتج من هذا البيان ان المنهج الذي اعتمده القدرين في محاولة التوفيق بين نصوص القرآن في مسألة القدر والجبر، يقوم على مبدأين اثنين:

أولهما، ان الله لا يضل غير الضالين من تلقاء انفسهم وباختيارهم.

وثانيهما، ان كون الله "يضل" هؤلاء الضالين ليس معناه ان الله يحدث عندهم الضلال، لان الضلال حادث عندهم فعلا بارادتهم،فكيف يحدث الله ما هو حادث بالفعل؟ ان ذلك محال، لانه من نوع "تحصيل الحاصل" ، بل ان معنى "يضل الله" و "ازاغ الله"، ان الله يحكم على هؤلاء الضالين والزائغين بالضلال والزيغ، أي يقرر ما هو واقع لكي يقرر سبب العقاب الذي يستحقونه على ما فعلوه بارادتهم. [23]

واذا كان منهج التوفيق بين نصوص القرآن المتعارضة في مسألة القدر والجبر، لم يصل الينا من الشواهد التطبيقية له عند مؤسسي مذهب القدرية الأوائل سوى تلك الرسالة المنسوبة إلى الحسن البصري، فأن المتعزلة الذين انطلقوا من هذا المذهب كملوه واقاموا له قواعده واصله النظرية على أسس من التفكير الفلسفي، قد أوضحوا ملامح المنهج هذا في سياق تطبيقه بطريقة التأويل العقلي للنصوص الاسلامية، من القرآن والسنة معاً. [24]

كانت البصرة البيئة الأولى التي خرجت منها حركة القدرية في مدرسة الحسن البصري أولاً، ثم في ظهور معبد الجهني على مسرح هذه الحركة ليؤدي دوره النشيط في التبشير بها، لا في البصرة وحدها، بل في الحجاز كذلك، ثم يبلغ تأثيره البيئة الشامية على يد غيلان الدمشقي. فلماذا كان ذلك؟.

يرجع الأمر هنا إلى ظاهرتين تميزت بهما البصرة طوال عهد الحكم الاموي بالخصوص:

الظاهرة الأولى، كونها المدينة التي احتشدت فيها مختلف القوى والاحزاب السياسية والتيارات الفكرية المعارضة للحكم الاموي، من الشيعة والخوارج والموالي المنحدرين من أصول مختلفة.. يضاف إلى ذلك كون البصرة مركزاً رئيسياً لتجمع فئات واسعة من الحرفيين وشغيلة الأرض والعبيد وصغار التجار الفقراء الوافدين من عدة امصار طلباً للعمل أو هرباً من اضطهاد مالكي الأرض. [25]

أما الظاهرة الثانية، فهي: كون البصرة -بسبب من الظاهرة الأولى- اظهر ما كان يظهر فيها ظلم الامويين، اذ كان هذا الظلم مسلطاً، من جهة، على الاحزاب السياسية والتيارات الفكرية التي تعادي حكمهم لهذا السبب او ذاك، ومسلطا -من جهة ثانية- على تلك الفئات المستضعفة من حرفيين وعاملين في الأرض وعبيد وتجار صغار وفقراء معدمين. في حين كانت تنمو فئات الاقطاعيين وكبار التجار والاغنياء على حساب تلك الفئات المستضعفة. [26]

القيمة التاريخية لمسألة القدر:

ان نظرة شاملة في مجرى تاريخ تطور الفكر العربي – الاسلامي، منذ عصر صدر الاسلام إلى عصر ما يسمى بـ"النهضة العربية" الحديثة في القرن التاسع عشر، يمكن أن نرى في ضوئها ان مسألة القدر هذه كانت تظهر في ذلك المجرى الطويل كلما واجهت الحياة العربية ظروف شبيهة بالظروف التي استدعت ظهورها أول مرة في عصر عربي مبكر.

لكن المسألة لم تكن تظهر دائماً بالشكل نفسه الذي ظهرت به حينذاك. وانما هي -في الواقع- قد اتخذت اشكالاً مختلفة تبعاً لاختلاف ظروف كل عصر على حدة، وتبعاً لاختلاف مستوى التطور الفكري في هذا العصر أو ذاك.

فهي عند المعتزلة، مثلاً، ظهرت في شكل أعلى منه عند القدريين الأوائل من حيث التركيب البرهاني المنطقي

ثم هي ظهرت في الفلسفة العربية – الاسلامية، بعد ذلك، مقترنة بقانون السببية الكوني الذي نراه- مثلاً- عند ابن رشد اشبه بمقولة الضرورة في الديالكتيك المادي الماركسي. لكن الحتميات التي يفرضها قانون السببية تتخذ عند ابن رشد شكلاً ميتافيزيقياً يكمن في داخله مضمون مادي.

ثم نرى المسألة نفسها تظهر عند المصلحين الاسلاميين، امثال الشيخ محمد عبده في أوائل عصر "النهضة" العربية الحديثة، في شكل جديد يحمل مضموناً اجتماعياً يكاد يكون مباشراً.. وفي الفلسفة الأوروبية كانت هذه المسألة تبحث ايضاً (هوبس، سبينوزا، دولباخ شيلنغ هيغل) وفي كل المذاهب الفلسفية اللاحقة حتى الماركسية.

ففي الماركسية تعد مسألة الحرية والضرورة احدى القضايا الفلسفية الرئيسية. على أن الضرورة دون المصادفة تؤدي – في المنظار الماركسي- إلى الحتمية المطلقة (الجبرية) التي تناقض امكانية الحرية. [27]

والمهم في المسألة الآن ان نؤكد القول بأنه كانت هناك دائماً ، طوال عصور التاريخ العربي – الاسلامي ، حاجة إلى ظهور مفكرين مؤهلين للتعبير عن واحد أو كل من طرفي الصراع بين طبقات وفئات مستثمرة (بكسر الميم) وبين طبقات وفئات مستثمرة (بفتح الميم).

وقد اتفق تاريخياً ان الطبقات والفئات الأولى في المجتمع العربي -الاسلامي كانت دائماً تستغل النصوص الدينية الاسلامية ذات الصبغة الظاهرة بالجبرية لتتخذ منها سلاحاً نظرياً وايديولوجياً وسياسياً تدافع به عن وجودها ، وتبني فكرة تخليد سيطرتها، وتجعل منه في الوقت نفسه اداة لزرع روح الاستسلام إلى الاقدار في نفوس الطبقات والفئات الاخرى المستثمرة (بالفتح)، وتخذير ثوريتها، وخنق مطامحها وكفاحيتها الطبقية.

منشأ اسم القدرية:

يبقى ان نقول كلمة اخيرة عن "القدريين" المؤسسين الأوائل، تتعلق بتسميتهم "قدريين" وتسمية مذهبهم الفكري بـ"القدرية".

الواقع ان هذه التسمية غير دقيقة، بل غير صحيحة، لان المفهوم منها انهم يقولون بسلطة القدر عن ارادة الانسان، في حين انهم هم يقولون بالعكس، فكيف اذن لصق بهم -بالمعتزلة بعدهم- اسم "القدرية"؟

الارجح ان خصومهم، وخصوم المعتزلة بعد ذلك، هم الذين الصقوا بهم هذا الاسم، قصد تشويه سمعتهم، مطبقين عليهم قول النبي: "القدرية مجوس هذه الامة".

وقد تنصل المعتزلة من هذا الاسم "وقالوا: لفظ القدرية يطلق على من يقول بالقدر خيره وشره من الله تعالى". هذا المفهوم يخالف، بل يناقض رأي "القدريين" الأولين ورأي اخلافهم المعتزلة، كما عرفنا من قبل.

ولذا كان اسم "اهل التوحيد" او "اهل العدل" اكثر انطباقاً على المعتزلة من أي اسم آخر أطلق عليهم حتى اسم "المعتزلة". [28]

3- الجبرية، أو الجهمية :

منطق عقلي:

للمذهب الجبري، أو "النظرية" الجبرية، مكانة ملحوظة في تاريخ نشأة التفكير العقلي والتمهيد للفكر المعتزلي، كونها النقيض السلبي لنظرية حرية ارادة الانسان، وكون الطبقات والفئات الاجتماعية المسيطرة، استغلتها "ايديولوجيا" لمصلحة سيطرتها، أي لغرض ديمومة هذه السيطرة.

سميت الجبرية بـ"الجهمية" أيضاً، منسوبة إلى جهم بن صفوان . [29]

يحدد الشهرستاني مذهب جهم في مفهوم الجبر ومفهوم القدرة الحادثة، على النحو التالي: ".. ان الانسان لا يقدر على شيء، ولا يوصف بالاستطاعة، وانما هو مجبور في افعاله، لا قدرة له ولا ارادة ولا اختيار، وانما يخلق الله تعالى الافعال فيه (أي في الانسان) على حسب ما يخلق في سائر الجمادات، وتنسب اليه (أي إلى الانسان) الافعال مجازاً (لا حقيقة) كما تنسب إلى الجمادات، كما يقال: اثمرت الشجرة، وجرى الماء، وتحرك الحجر، وطلعت الشمس وغربت، وتغيمت السماء وامطرت، واهتزت الأرض وانبتت.. إلى غير ذلك.

والثواب والعقاب جبر، كما ان الافعال كلها جبر. قال (أي جهم) : واذا ثبت الجبر، فالتكليف (أي تكليف الدين للانسان بفعل شيء أو تركه) ايضاً كان جبراً.

يبدو جهم، في هذا الكلام على أشد ما يكون سلبية ورجعية في موقفه من قضية حرية اختيار الانسان. [30]

ان هذا التقرير -القاعدة يجعل شأن الاردة والاختيار شأناً آلياً بمعنى ان كل ارادة جزئية تحدث من الانسان هي مخلوقة لله، أي ان "المريد حينئذ هو الله، لا الانسان.

وهكذا شأن الاختيار. فلا نزال اذن بعد هذا الكلام عند رأينا السابق في جبرية جهم، أي انها جبرية سلبية مطلقة. وهي اشبه بجبرية الاشاعرة التي يسمونها "كسباً" ، ونحن نرى مع احمد أمين ان هذا "الكسب" لا يقدم في الموضوع ولا يؤخر، فهو يرجع -بالنتيجة – إلى الجبر.

ولكن هناك موقفاً آخر لجهم يضع فيه حكم العقل وضعاً جديداً في التفكير الاسلامي بالقياس إلى زمنه، مستخدماً طريقة الاستدلال الفلسفي في أكثر من مسألة واحدة سبق بها المفكرين العقليين الذين جاءوا بعده كالمعتزلة وعلماء الكلام.

بانياً لهم الاساس الذي شيدوا عليه عمارتهم الفكرية اللاحقة.

وسنعرض- فيما يلي- هذه المسائل التي سبق اليها جهم بمنجهه العقلي:

1- مسألة صفات الله:

في هذه المسألة نرى جهما يقدم رأي العقل على ظاهر النصوص القرآنية ، فلا يأخذ بهذا الظاهر كما كان يفعل المحافظون المتمسكون بحرفية هذه النصوص.

فقد انكر جهم ان يكون لله صفات غير ذاته، كصفات السمع، والبصر، والارادة، الكلام الخ. لانه يرى ان اثبات هذه الصفات لله يعني تشبيهه بالانسان ، ولا يجوز تشبيه الخالق بالمخلوق كما يقول.

فان صفات السمع والبصر والحياة والتكلم صفات بشرية، بل بعضها من صفات الحيوان كذلك. [31]

فماذا يفعل اذن بالنصوص القرآنية التي تنسب هذه الصفات كلها إلى الله!.

يلجأ هنا إلى التفسير العقلي. وهو يمهد لتفسيره العقلي هذا بتمهيد نظري يضع به اللبنة الأولى في بناء المذهب الفلسفي الميتافيزيكي بهذا الموضوع، وقد سبق به المعتزلة وعلماء الكلام ، واضعاً المسألة في نطاق التفكير العقلي الصرف.

غير أن المعتزلة وعلماء الكلام قد طوروا نظرية جهم هذه في ضوء منهجهم العقلي الخاص.

أما أصل النظرية عند جهم فهو قوله ان الله "ذات" وحسب، واذا كان كذلك فهو -أي الله- لا يوصف بوصف يجوز اطلاقه على غيره، كأوصاف : شيء، وموجود، وحي ، وعالم، ومريد. ولكن يجوز وصفه بانه قدر، وموجد، وفاعل، وخالق، ومحيي، ومميت. لان هذه الأوصاف مختصة به وحده.

ويقول جهم أيضاً: "ان الله لا شيء، وما من شيء، ولا في شيء، وان الله" لا يقع عليه صفة، ولا معرفة شيء، ولا توهم شيء، ولا يعرفون الله فيما زعموا الا بالتخمين، فوقعوا عليهم اسم اللالوهية، ولا يصفونه بصفة تقع عليها الالوهية" (الجملة الاخيرة تعني: طبقوا عليه اسم الالوهية ولكن لا يصفونه بصفة تنطبق عليه الألوهية).

نفهم من هذا الكلام المنقول عن جهم انه ينفي عن الله كل صفة تعني تشبيهه بالمخلوقات ، فكأنه يقول ذلك رداً على الفرقة المعروفة باسم "المشبهة" التي تصف الله بأوصاف حسية، ويطلقون عليها أيضاً اسم "المجسمة" لان الأوصاف الحسية التي تنسبها إلى الله تصوره "شيئاً" له جسم مادي.

واذ نفى جهم عن الله صفة "الكلام"، توصل إلى القول بأن القرآن مخلوق، أي حادث، وليس قديماً ازلياً.. فان الله لا يمكن أن يتكلم ، لان الكلام صفة بشرية.

فالقرآن، اذن ليس كلاماً الهياً. واما الايات القرآنية الدالة على وصف الله بالتكلم، امثال الآية:" وكلم الله موسى تكليماً" فيخضعها جهم للتأويل قائلاً ان معنى "كلم" هنا: الكلام في احد مخلوقاته، كالنبي.

وعلى ذلك يكون جهم قد سبق المعتزلة في القول بخلق القرآن ايضاً، وهو القول الذي احدث مشكلة تاريخية معروفة نشات عنها مأساة فكرية رهيبة ارتبطت تاريخياً باسم المعتزلة وزادت نار العداء اشتعالاً بين المعتزلة والاشاعرة. [32]

2. مسألة رؤية الله:

قال جمهور المسلمين، ولا سيما الاشاعرة، بأمكان رؤية الله في العالم الاخروي، واستدلوا على ذلك بما سموه دليلاً "عقلياً" ، وهو ان كل موجود تمكن رؤيته، وكل ما لا تمكن رؤيته لا يثبت وجوده ، فهو كالمعدوم. وما دام قد ثبت وجود الله فقد ثبت امكان رؤيته.

اما موقف جهم بن صفوان من مسألة رؤية الله، فهو موقف مخالف لما سبق. انه ينفي امكان رؤية الله اطلاقاً، سواء في العالم الدنيوي ام العالم الاخروي، ومرجع هذا الرأي عنده هو ما كان قد قرره سابقاً، في نفي الصفات عن الله ، من ان الله "ليس شيئاً"، فليست تنطبق عليه اذن قاعدة "كل ما هو موجود تمكن رؤيته" لان الموجود "شيء".

ينطبق "جهم" في رأيه هنا، كما ينطلق في رأيه بمسألة الصفات، من نظرة تجريدية إلى حقيقة "الله". وهي اقرب إلى النظر المفهومي الفلسفي، وان يكن الاتجاه العام عنده اتجاها ً ميتافيزيقياً خالصاً.

 

3- مسألة علم الله:

في نصوص القرآن آيات ينطق ظاهرها بالجبر، وهي الآيات التي تقول بان كل شيء مما يجري في الكون وفي حياة الناس انما يجري بقدر من الله قديم ازلي بقدم الله وازليته. وهذا يعني -ضمنا- ان الله يعلم كل ما قدر ان يكون، أي ان علمه قديم ازلي كذلك.

بل لقد جاء في هذه النصوص ما هو صريح في ذلك، كما نرى في مثل الآية: "وما تسقط من ورقة الا يعلمها، ولا حبة في ظلمات الأرض، ولا رطب ولا يابس الا في كتاب مبين".

امثال هذه الآية القرآنية لم يقتصر الخلاف فيها على مسألة حرية الاختيار والجبر، بل نشأ خلاف فيها على مسألة "علم الله" أيضاً.

حتى الجبرية وقفوا في هذه المسألة موقف المعتزلة، بالرغم من الفارق بين الجبرية والمعتزلة في مسألة الاختيار والجبر. [33]

لذلك نرى "جهما" وهو زعيم الجبرية كما عرفنا، يثير مسألة "علم الله" قبل المعتزلة على النحو التالي:

يقول جهم ان علم الله ليس قديماً ازلياً، رغم دلالة ظاهر الآيات المتقدمة على أزليته، بل هو -أي العلم- حادث.

وجهم هنا كذلك يرجع إلى الأصل السابق الذي قرره في مسألة الصفات. فالعلم صفة، وما دام هو قد نفى الصفات عن الله، فماذا يقول اذن في علم الله؟، هل ينفي العلم عن الله؟، انه لا يستطيع ان يلتزم بهذه النتيجة، لانه اذا نفى عن الله العلم، فقد أثبت له الجهل. وتلك نتيجة لا يرتضي جهم القول بها، فكيف يعالج المشكلة اذن؟

هنا نراه، مرة أخرى يستخدم منهجه العقلي الفلسفي. فقد نقل عنه ابن حزم قوله في وضع المشكلة: "لو كان علم الله تعالى لم يزل (أي موجوداً منذ الازل)، لكان لا يخلو عن ان يكون هو الله أو غيره.

فان كان علم الله غير الله وهو لم يزل (أي وهو ازلي)، فهذا تشريك لله تعالى (أي جعل العلم شريكاً لله، لانه يصبح هناك ازليان: الله، وعلمه)، وايجاب الازلية لغيره تعالى، وهذا كفر.

وان كان هو الله (أي: وان كان علم الله هو الله نفسه) فالله علم (أي يصبح معنى الله: العلم)، وهذا الحاد (يقصد ان القول بأن الله علم ينتج عنه القول بأن الموجود هو العلم وليس الله).

بهذا الكلام يضع جهم المشكلة وضعاً فلسفياً، ولكن كيف يحلها؟. انه يختار الحل الذي ينفي ازلية علم الله، ولا ينفي العلم نفسه عن الله، أي انه يختار القول بان علم الله حادث.

فكيف حدث، أو يحدث، أي كيف يحصل العلم لله بعد ان لم يكن حاصلاً؟، هل يحصل له العلم بالشيء قبل وجود هذا الشيء ام مع وجوده؟، وحين يحدث له العلم اين يحدث، في أي محل يوجد الله علمه الحادث؟.

وهذه المسألة التي نحن بصددها تعرض لشرحها وفق مذهب جهم فريق من كبار مؤرخي الفكر العربي – الاسلامي في مختلف العصور، امثال الشهرستاني، والاشعري، والبغدادي، والصفدي، وابن تيمية وغيرهم.

اما الشهرستاني فيجيب عن الاسئلة المتقدمة بقوله ان "جهم" يثبت لله علوماً حادة لا في محل، ثم ينقل عن جهم انه قال: "لا يجوز ان يعلم (الله) الشيء قبل خلقه، لانه لم علم ثم خلق، أفبقي علمه على ما كان ام لم يبق؟، فان بقي فهو جهل، فان العلم بان سيوجد (الشيء) غير العلم بأن قد وجد، وان لم يبق فقد تغير، والمتغير مخلوق ليس بقديم".[34]

نستفيد من نص الشهرستاني هذا ان علم الله بالشيء -في رأي جهم- لا يجوز ان يحدث قبل جود الشيء.

ولكن الاشعري ينقل عن جهم، في هذا الجانب من المسألة، رأيين مختلفين، يقول في أولهما انه "قد يجوز عنده (جهم) ان يكون الله عالماً بالاشياء كلها قبل وجودها، بعلم يحدثه قبلها". ويقول في ثانيهما: "وحكى عنه حاك خلاف هذا ، فزعم ان الله يعلم الشيء في حال حدوثه. ومحال ان يكون الشيء معلوماً وهو معدوم (أي قبل حدوثه)، لان الشيء عنده -أي عند جهم- هو الجسم الموجود وما ليس بموجود فليس بشيء فيعلم او يجهل".

لكن، هناك اشكالية تناقض في فكر جهم تبرز من العلاقة التناقضية بين فكره الجبري واستبساله في نفي صفة العلم عن الله. [35]

ذلك أن نفي العلم الآلهي يستلزم نفي الجبر على الافعال اللاحقة عند الانسان، لانها تصبح افعالا غير معلومة لله، أي غير محكومة اذن بالارادة الآلهية، فينتفي الجبر، ويثبت الاختيار.

4- مسألة الايمان:

كان المفهوم الشائع للايمان عند جمهور المسلمين يتركب من عنصرين: الاعتقاد بالله ورسله أولاً، ونطق اللسان بهذا الاعتقاد ثانياً، ثم جاء الخوارج فزادوا عنصراً ثالثاً في هذا المفهوم، هو العمل وفق الاعتقاد، بحيث لا ايمان ان لم يقترن الاعتقاد والنطق بالعمل.

غير اننا نرى مفهوم الايمان عند جهم يتخذ صيغة جديدة، فاذا به يقتصر على عنصر واحد جديد. هو المعرفة، أي معرفة الله ورسله وكل ما جاء من عند الله .

فالايمان في رأي جهم اذن هو "معرفة" وحسب "اون ما سوى المعرفة من الاقرار باللسان، والخضوع بالقلب، والمحبة لله ولرسوله، والتعظيم لهما، والخوف منهما، والعمل بالجوارح، فليس بايمان". هكذا يقول ابو الحسن الاشعري عن مذهب جهم في الايمان.

ويصوغ الشهرستاني مذهب جهم هذا بالصيغة التالية : "من اتى المعرفة ثم جحد بلسانه لم يكفر بجحده ، لان العلم والمعرفة لا يزولان بالجحد ، فهو مؤمن".

وفي المقابل الايمان الكفر، فما هو الكفر عن جهم؟. هنا نجد عند الاشعري نصأ لجهم يقول: "ان الكفر خصلة واحدة، وبالقلب يكون، وهو الجهل بالله". [36]

فنحن هنا امام صيغة جديدة بالفعل لمفهوم الايمان، لا تقتصر على عقد الصلة بين الايمان والمعرفة، بل تجعلهما شيئاً واحداً.

واذا تذكرنا ان "جهما" يقول بالمعرفة العقلية، ويعتمدها الدليل الأول إلى الله قبل الوحي، حصل لدينا اقتناع باننا نواجه الان طريقة جديدة في التفكير تضع الفكر العربي – الاسلامي في هذه المرحلة من تاريخ تطوره امام بداءة المنعطف الذي يؤدي به إلى منهج المتكلمين العقلي الفلسفي الممهد لظهور المرحلة الفلسفية.

ويكفي دليلاً على اننا هنا امام هذا المنعطف بالفعل ما لقيه المذهب الجهمي من معارضة عاصفة لدى المحافظين .

ويبدو لنا ان منهجه العقلي كان هو الأكثر اثارة للسلف، وللسلطات الاموية كذلك.

فان دعوته الجبرية، وان كانت ملائمة لايديولوجية الحكم الاموي، لم تكن منفصلة عن الطريقة العقلية التي عالج بها مختلف القضايا الدينية السابقة بنوع من التفرد التحرر الفكري.

ومن هنا يبدو ان نزعته العقلية الجريئة لم ترض رجال الحكم الاموي، بل اغضبتهم عليه من حيث ان الوضع الطبقي لهذا الحكم كان يقضي على رجاله ان يقفوا الموقف الصارم المعادي لكل نوع من الحركات الفكرية يضع العقل في موضعه المستقل، ولو نسبياً، عن الرأي "الرسمي" المحافظ للدولة، كما فعل جهم.

وقد يكون ذلك من العوامل التي حملت جهما ان يستجيب لدعوة الحارث بن سريج في خراسان حين دعاه هذا – أي سريج- إلى مشاركته في حرب بني امية أواخر عهد حكمهم، فشاركه بالفعل، وكانت بذلك نهاية حياته هو وابن سريج معا عام 128ه.

ولعل هذا ما عناه احمد امين بقوله الذي اوردناه سابقا: "... وجهم وان كان جبرياً الا انه قد ثار مع الخارجين على بني أمية، وقال بأقوال احفظت عليه الناس، فاستغلت السياسة كراهية عامة الناس له وقتله". [37]

هناك قضية اساسية كانت تنصب فيها مختلف مجاري التحول هذا تقريباً، هي قضية الموقف من القضاء والقدر وعلاقته بأفعال الانسان وبمسؤوليته عن هذه الافعال.

وقد اتخذت هذه القضية صيغة تاريخية ذات دلالة ملحوظة، اذ سميت بقضية الجبر والاختيار.

فان الصراع فيها كان يدور على هذا السؤال: هل الانسان مجبر على افعاله ام مختار فيها؟.. او هل للانسان حرية الارادة والاختيار في ما يفعل من خير او شر، ام هو خاضع في كل ذلك لارادة الله المطلقة، أي ان القضاء والقدر: خيره وشره، من الله؟.

لقد وصف الباحثون المتأخرون هذه القضية بأنها التي حركت الفكر العربي كله في ذلك العصر. وهو وصف ينطبق على الواقع التاريخي انطباقاً كلياً، لانها منذ ظهرت على الصعيد الفكري في العهود الأولى من حياة الدولة الاموية في المشرق، أصبحت هي القطب المركزي لكل انقسام فكري، أو مذهبي ديني، او اجتماعي وسياسي. [38]

وكانت مشكلة القدر في طليعة الأمور التي تفجر الجدل حولها بقوة، ذلك لان الحكم الاموي استغل الروح الجبرية الظاهرة في بعض نصوص القرآن استغلالاً مثيراً، ليدعم بها قوته وسلطانه على الفئات الاجتماعية المستضعفة التي ظهر التفاوت الطبقي كبيراً جداً بينها وبين الطبقة الحاكمة واعوانها من الاقطاعيين وكبار التجار وذوي الامتيازات الضخمة من قادة جيوش الفتح المرابطين في هذا ال قطر وذاك.

فقد كان الحكام الامويون، في هذه الظروف، محتاجين ان يرسخوا في نفوس الناس واذهانهم فكرة الجبر، ليضفوا على حكمهم صفة القضاء والقدر من الله، أي صفة التأبيد المفروض على المسلمين بقضاء الله وقدره.

من هنا لم يكن مصادفة ان الحركة "القدرية" المناهضة لفكرة الجبر ظهرت في بيئة البصرة ذاتها حيث تعيش جماعات غفيرة من شغيلة الأرض وصغار الحرفيين، وحيث يستغل هذه الجماعات الغفيرة اسوأ استغلال جماعات من كبار الاقطاعيين وكبار التجار ورؤساء القبائل النازحين من الجزيرة مع جيوش الفتح الأولى.

مضافاً إلى ان الحركة الثقافية الناشطة في البصرة يومئذ كان زمامها بأيدي مفكرين ينحدرون من  فئة الموالي، وهي الفئة التي كان يعدها الامويون في المرتبة الدنيا من المجتمع العربي، بل يعدونها في مرتبة العبيد. والحسن البصري الذي ظهرت الحركة القدرية بشكلها الفكري في حلقته الدراسية بمساجد البصرة، هو نفسه كان معدوداً من الموالي.

اما سبب تسمية أصحاب فكرة الاختيار بـ"القدريين" بالرغم من أن هذا الاسم يعني عكس الفكرة، فهو سبب يرجع إلى قصد من خصوم الفكرة ان يشوهوا مضمون الحركة التي قامت عليها، وان يطبقوا على أصحابها الحديث المنسوب إلى النبي القائل: "القدرية مجوس هذه الأمة". [39]

 

 

 

 

 


[1] حسين مروة – النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية – الجزء الأول– دار الفارابي – بيروت – الطبعة الأولى 1978 .

[2] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الأول – ص534

[3] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الأول – ص538

[4] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الأول – ص541

[5] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الأول – ص542

[6] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الأول – ص543

[7] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الأول – ص544

[8] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الأول – ص547

[9] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الأول – ص548

[10] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الأول – ص555

[11] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الأول – ص556

[12] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الأول – ص560

[13] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الأول – ص561

[14] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الأول – ص562

[15] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الأول – ص565-566

[16] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الأول – ص570

[17] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الأول – ص573

[18] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الأول – ص574

[19] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الأول – ص579

[20] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الأول – ص584

[21] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الأول – ص585

[22] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الأول – ص586

[23] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الأول – ص587

[24] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الأول – ص588

[25] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الأول – ص591

[26] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الأول – ص592

[27] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الأول – ص593

[28] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الأول – ص594

[29] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الأول – ص597

[30] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الأول – ص598

[31] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الأول – ص599

[32] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الأول – ص600

[33] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الأول – ص605

[34] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الأول – ص606

[35] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الأول – ص608

[36] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الأول – ص609

[37] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الأول – ص610

[38] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الأول – ص619

[39] حسين مروة – المصدر السابق - الجزء الأول – ص622-623