قطع رئيس وزراء الاحتلال نفتالي بينيت في الآونة الأخيرة بسلسلة متلاحقة من التصريحات قول كل خطيب فيما يتعلق سواء بعملية المفاوضات أو عملية الاستيطان أو الإرهاب والحرب على الفلسطينيين، ففيما يتعلق بالمفاوضات والحل السياسي قال بينيت "إن حكومته لا تجري أي مفاوضات سياسية لإقامة دولة-فلسطينية- إرهابية في قلب البلاد-08/11/2021"، واكتفى بينيت بهذا التصريح المقتضب أمام الهيئة العامة للكنيست، في معرض رده على النقاش الذي عقدته الهيئة العامة للكنيست بطلب مُوقَّع من 40 عضو كنيست من كتل المعارضة، ويعقد النقاش الخاص الذي بادرت إليه كتلة "الصهيونية الدينية"، تحت عنوان: "حكومة بينيت - عباس تجدد العملية السياسية لتقسيم البلاد وإقامة دولة إرهابية في قلب أرض إسرائيل"، وذلك لمساءلة الحكومة حول مفاوضات مزعومة مع الجانب الفلسطيني، كما رفض بينيت لاحقا" احتمال حدوث تقدم في عملية سياسية بين إسرائيل والفلسطينيين"، في أعقاب لقاء الرئيس الفلسطيني، محمود عباس ، مع وزير الأمن الإسرائيلي، بيني غانتس. وادعى بينيت "أن قادة في العالم لم يسألوا عن الموضوع الفلسطيني خلال محادثاته معهم، حسبما نقلت عنه الإذاعة العامة الإسرائيلية "كان": 16/01/2022"، كل ذلك ناهيكم عن تصريحاته الصريحة حول مواصلة عملية الاستيطان ومصادرة الأراضي العربية، وإذا ما أضفنا إليه أيضًا تصريحات أبرز أعضاء حكومته مثل لابيد وغانتس والتي تساوقت مع مواقفه تمامًا، فإن البرنامج السياسي-الأيديولوجي الاستراتيجي الإسرائيلي يغدو واضحًا وصريحًا وحاسمًا، بما لا يدع مجالًا للشك أو التردد أو بناء الأمل على غير ذلك.
إلى كل ذلك، وفي البعد العملي التطبيقي لبرنامج بينيت وحكومته، وفي الوقت الذي ينشغل الفلسطينيون في اشتباكاتهم ومعاركهم اليومية مع الاحتلال في القدس والضفة والمناطق المحتلة عام 1948 وعلى امتداد حدود غزة، وفي الوقت الذي ينشغل فيه العرب الرسميون بشؤونهم وحروبهم الداخلية، أو بتهافتهم التطبيعي مع العدو، تنشغل "إسرائيل" في تسريع ونشر وتأبيد الاستعمار الاستيطاني الاحلالي ومنطق الجدران والحصارات والمعازل والقوة ضد الفلسطينيين، فنتنياهو أعلنها قبل رحيله وواصلها -أكثر من مرة- بمنتهى التحدي على رؤوس الاشهاد: "أن القدس يهودية وتعود لهم منذ 3000 عام"، وأن البراق يهودي أيضًا رغم "تقرير لجنة شو"، ولجنة التنظيم والبناء الإسرائيلية تتخذ قرارًا ببناء آلاف الوحدات الاستيطانية في مستعمرة "رمات شلومو" في إطار خطة استيطان المنطقة"E1، والمستعمرون الإرهابيون يصولون ويجولون في أنحاء الضفة، ومجندة صهيونية تمزق صدر الشاب محمد السلايمة بست رصاصات دفعة واحدة في مدينة الخليل، وصواريخ "الجيش الذي لا يقهر" تمزق أجساد -سبعة وستين- طفلًا فلسطينيًا في العدوان الأخير على غزة، وفي الوقت الذي ينشغل فيه الجميع بعيدًا عن القضية المركزية، ينشغلون هم بالمزيد من الخطط والمشروعات التهويدية والأمنية، فالذي يجري في الضفة الغربية مرعب وخطير، فهم يجتاحون الأرض، وبلدوزرهم لا يتوقف عن العمل أبدًا، والمؤشرات الفلسطينية والإسرائيلية تتحدث عن انتفاضات -هبات- جولات حربية فلسطينية أخرى في الأفق، بينما نتابع الاحتجاجات الأوروبية، وقرارات أممية مع فلسطين، ولكنها مع وقف التنفيذ وكلها لا توقف البلدوزر..!
ويأتينا بينيت اليوم الذي يعتبر من قادة اليهود الصهاينة المسيحانيين، الذي لا يُخفي معتقداته المُتطرِّفة جدًا والعنصريّة، أو حتى الفاشيّة ليؤكد على الجوهر، فالرجل، المولود في حيفا عام 1972 هو ابن لعائلةٍ يهوديّةٍ-أمريكيّةٍ، استقدمت نفسها إلى كيان الاحتلال خلال عدوان حزيران (يونيو) من العام 1967، لأنّ الوالد شعر بأنّ الدولة العبريّة تعيش خطرًا وجوديًا حقيقيًا، وللتدليل على مدى حقده وإجرامه يكفي في هذه العُجالة التذكير بتصريحه الشهير: "قتلتُ أنا شخصيًّا عددًا كبيرًا جدًا من العرب خلال حياتي، ولا توجد لديّ أيّ مشكلةٍ مع مُواصلة قتل العرب”، على حدّ تعبيره- رأي اليوم:2021-6-1- ترجمة زهير اندراوس-".
فَمَنْ هو الرجل الذي أنهي حقبة نتنياهو في رئاسة الوزراء التي استمرّت من العام 2009 وحتى العام الجاري 2021 ...؟! وما هي خططه ومشاريعه ومفاهيمه ...؟!
يكثف الكاتب الإسرائيلي شاؤول اريئيلي المشهد الاستعماري الصهيوني في الضفة، في هآرتس، مشيرًا إلى أن من يسمى " نفتالي بينيت-رئيس حزب البيت اليهودي" يعتبر صاحب " الخطة- التي أطلق عليها-"الخلاصية"، ويقول: "إذا استعرنا التشبيه من ميرون بنفنستي، فهو-أي بينيت- الصبار الأبيض الجديد، وقدماه كلتاهما مغروستان في أرض الضفة المحتلة التي ليست له من جهة الملك والقانون، وهو أعمى من جهة أخلاقية عن مئات القرى الفلسطينية الموجودة في المنطقة"ب"، وتعتاش من أراضيها الموجودة في المنطقة "ج"، فهو الصبار الأبيض الجديد الذي يعرف تصورًا واحدًا ووحيدًا ذا بعد واحد وهو: "إن القوة وحدها تشكل الواقع".
ويذكر في هذا السياق ان بينيت كان قد طرح سابقًا ما أطلق عليه "الخطة الخلاصية"، وخلاصة هذه الخطة الخلاصية الصهيونية، التي تتبناها وفق المؤشرات الإسرائيلية أحزاب وحركات سياسية عديدة، أنها تقوم كلها على تصور "شعب الله المختار" الذي يسكن وحده في "أرض الميعاد"، و"أن حق شعب إسرائيل في أرض إسرائيل يغلب كل حقوق الآخر-الفلسطيني"، وأن هذا التوجه يعتمد القوة باعتبارها الشيء الوحيد الذي يشكل الواقع، وأنها إذا مالت لغير صالح اليهود، فإن "إسرائيل" تملك دائمًا "خيار شمشون". وفي هذه المضامين يبدو أن بينيت لا يقل تطرفًا وفاشية ممن سبقوه من القيادات الصهيونية -من بيغن.... إلى نتنياهو-....!
فنحن أيضًا في الخلاصة أمام رئيس حكومة صهيونية بديل لنتنياهو، ولكنه من خريجي مدرسته وأشد إرهابية وعنصرية منه والواضح اليوم أن حكومته أيضًا حكومة استعمار استيطاني وإرهاب رسمي وحكومة تقترف جرائم الحرب ضد الفلسطينيين على نحو يعتبر استمرارًا لنهج حكومة نتنياهو...!
ما يعني أيضًا أن على الفلسطينيين أن يعيدوا النظر بأولوياتهم وأن يعيدوا صياغة خطابهم الإعلامي -السياسي- الميداني على نحو يتناسب مع تطورات الخريطة السياسية الصهيونية الإرهابية...!
كما يتوجب على العرب العروبيين التحرك أيضًا ضد كافة المشاريع الصهيونية الاستيلائية الإلغائية، وعلى الجميع أن يقطعوا بالمقابل قول كل خطيب فيما يتعلق بالكفاح والتحرير وهزيمة المشروع الصهيوني.

