وما غزّة إلّا دمعنا الفائر في العيون، وضحكتنا التي نسترقها خلسةً حين ميسرة. هي ميزان النوستالجيا القصوى؛ تخرج منها ولا تخرج منك. كأنّها شريط سينمائي تفرّ من نهايته، وتظلّ عالقاً في المنتصف. لا "مونتاج" في مشهدها الطويل؛ إنها فقط تسحب شخصيتها من دلوّ الواقع وغبار معاركها مع أعداء كثر؛ لتظل تضعكّ على المحكّ دون توقّف. اختباراتها من نوع السهل الممتنع، من يجتازها ويفهم لِمَ تفيض مياه الصرف الصحيّ من شتوة واحدة، ولِمَ يستلّ البرد القارس السيف من غمده ويأتي على أطفالنا في الكرافانات، ولِمَ تعيش غزّة بأكملها حياة ما قبل الضوء، ولِمَ تظلّ قبورها رطبة قبل الحروب وبعدها، ولِمَ ولِمَ ولِمَ، لن يقسو على غزة مجدداً، سيعلم أن كل ما سبق ما هو إلا فاتورة "المسافة صفر" والصواريخ التي وصلت ما بعد تل أبيب. سيعلم أن غزّة ليست دالّة رياضية، بل هي المنطق. منطق النديّة بأقلّ الموجود. كثيرون يرون أنّ غزّة مازوخية، لكن المازوخية حقاً ألّا تدخل غزّة قلبك. منها انطلقت وإليها أعود.

