Menu

التحالفاتُ اليساريّة – الإسلامُ السياسيّ بين التوافقِ السياسيّ وتناقضاتِ الاجتماعيّ

نضال عبد العال

نٌشر في العدد الـ33 من مجلة الهدف الرقمية

عضو اللجنة المركزيّة للجبهة الشعبيّة لتحرير فلسطين/ لبنان

يستلزمُ العنوانُ المقترحُ للمقالة ضرورةَ الدخول في نقاشٍ تمهيديّ عن سرّ اختيار هذا العنوان بالتحديد، وطريقة صياغته (التحالفات اليساريّة – الدينيّة بين التوافق السياسيّ وتناقضات الاجتماعيّ)، حيث أنّ هذا العنوانَ إشكاليّةٌ من نوعٍ ما، إمّا عدم التقاط عمق الموضوع المطروح - شخصيًّا أستبعدُ ذلكَ تمامًا- أو التباسٌ إذا أحسنّا النيّة، أو خبثٌ يرمي إلى تعمّد إبراز التناقض حدَّ استحالةِ التلاقي، وهذا يحسم مضمونَ المقالة قبلَ كتابتها، في محاولةٍ لتضييق هامش التفكير والتدبير.

أوّلُ ما يلفت النظرَ في العنوان المذكور أعلاه، هو عدمُ التجانس بين المصطلحين، في طرفي المعادلة، اليسار من جهةٍ والدين من جهةٍ أخرى؛ فاليسارُ مفهومٌ يحتملُ تعدّد الخلفيّات العقائديّة، فهو يرمي إلى توصيف الممارسة سياسيًّا أكثرَ منه توصيفَ حالةٍ عقائديّةٍ أو أيديولوجيّةٍ مغلقة، وكما هو معروفٌ ومتداولٌ، هناك يسارٌ ماركسيٌّ ويسارٌ قومي، وشاع مؤخّرًا وصفُ بعض الجهات أو التيّارات الإسلاميّة، التي تصطفُّ في مواجهة التيّارات المحافظة، فيطلق عليها اليسار الإسلاميّ.

لقد مرَّ علينا ما عرف بلاهوت التحرير في أمريكا اللاتينيّة، وهو مزيجٌ من موقفٍ أخلاقيٍّ ينبعُ من عمقٍ دينيٍّ يتّفقُ مع الفهم الماركسيّ في ممارسته السياسيّة، تبنّاهُ عددٌ كبيرٌ من رجال دينٍ وعلماءَ مسيحيّين في خمسينات وستينات القرن العشرين، ويعتمدُ هذا النهجُ بشكلٍ أساسٍ خطابًا سياسيًّا تحرريًّا، وينادي بالعدالةِ الاجتماعيّةِ والانحيازِ للفقراء، ويحرّض على التحرّر من الاضطهاد والاستعمار، ورفضًا للظلم والاستغلال.

هذا ما اتّسمت به بالفعل الممارسةُ السياسيّةُ لرجال الدين المسيحيين، مثل: جوستافوغوتياريز من البيرو، وليوناردو بوف من البرازيل، وأخوان لويس سيغمويند من الأرجواي، وجون سوبرينو من إسبانيا. وقد انتشرت بعد ذلك مقولاتُ لاهوت التحرير على نطاقٍ واسعٍ لتعمّ قارّات العالم، وهناك عددٌ أخرُ غيرُ قليلٍ سار على نهج الانحياز للمظلومين، والوقوف في وجه الظالمين في مواضيعَ وعناوينَ عديدة، منها التحرّرُ الوطنيّ الفلسطينيّ، وفي مواجهة العنصريّة، وإنصافًا للسود في الولايّات المتّحدة وجنوب إفريقيا، وغيرها من القضايا المحقّة والإنسانيّة في العالم.

اليسارُ مع من ضدّ من؟

يبرزُ هنا السؤالُ التقليديّ، هل يجب أن يقفَ اليسارُ في مواجهة الدين؟ هذا موقفٌ قطعيٌّ ومطلق، وهو من شأن الأيديولوجيا، التي لا تنظر إلى المعطيات الواقعيّة والظروف السياسيّة في مديّاتها الزمنيّة، غير أنّ اليسار كممارسةٍ سياسيّةٍ تاريخيّةٍ قد يقفُ حكمًا في مواجهة بعض القوى الدينيّة، التي تصطفُّ وفقًا لرؤاها ومصالحها في خندق قوى الاستعمار والظلم، ولكن الواقع والمعطى التاريخيّ يقول: إنّ اليسارَ الفلسطينيَّ لم يختر حلفاءه، بل إنّه في تطوّرات الصراع وفي سياق المواجهة مع الاستعمار والاحتلال وجد نفسه محاطًا بحلفاء جلّهم من قوى الإسلام السياسيّ، على المستوى الفلسطينيّ حركتي الجهاد وحماس، والعربيّ حزب الله في لبنان، وأنصار الله في اليمن، والحشد الشعبيّ العراقيّ، وفي البعد الإقليميّ الجمهوريّة الإسلاميّة في إيران.

وفقًا لهذا الفهم، كان من المناسب ربّما أن يكون العنوان المقترح للمقالة: (التحالفات اليساريّة والإسلام السياسيّ بين التوافق السياسيّ والتناقض الاجتماعيّ)، فنحن لسنا بصددِ التعامل مع بعدها الدينيّ، بل مع أدائها السياسيّ، ونحن بغنى عن التباس المواجهة مع الدين، بل إذا أرادت هذه القوى وصف نفسها بالدينيّة وجب الرفض التام، بل وأكثر من ذلك، حيث يكون اليسارُ مطالبًا بالإصرار على اعتبارها قوى سياسيّة، فوصفُ الدينيّة إيحاءٌ بقداسةٍ من نوعٍ ما يتناقض مع الممارسة السياسيّة؛ فمفهومُ الإسلام السياسيّ يؤشّر للممارسة السياسيّة للأحزاب والحركات التي تستند للمرجعيّة الفكريّة الإسلاميّة، ومن ثَمَّ التعامل معها يحتمل التحالف والصراع، القَبول والرفض، وبذلك يقف الجميعُ على أرضٍ واحدةٍ بغض النظر عن خلفيّاتها الفكريّة.

في بناء التحالفات، وقول نصف الكلام!

من الخطورةِ بمكانٍ قولُ نصف الكلام وابتلاعُ نصفه الآخر، هذا يؤشّر إلى سوءِ نيّةِ فاعله، أو ينمّ عن وعيٍ سطحيٍّ إذا أحسنّا النيّة، فمسألةُ التحالفات تتعلّق بقضيّة التحرّر الوطنيّ والقوميّ، أي المواجهة الشاملة مع المشروع الصهيوني، وهكذا تتّضح مسألة التحالفات باعتبار أنّها ليست قضيّةً هامشيّةً أو جزئيّةً يمكن مقاربتها دون استعراضِ لوحة الصراع بشكلٍ شاملٍ وعميق. سمعنا الكثير من الغمز واللمز عن التحالف بين اليسار وحزب الله، أو بين اليسار والجمهوريّة الإسلاميّة في إيران، أو بين اليسار وحركتي الجهاد وحماس. الغريب في الأمر أن من ينتقدون هذه التجارِب التحالفيّة، يرفضونها دون أن يكون لديهم أية مقتراحاتٍ لتحالفاتٍ بديلةٍ عن هذه القوى الإسلاميّة، فإذا كان التحالف مع الجمهوريّة الإسلاميّة في إيران مرفوضًا أو تخفيفًا غيرَ مرغوبٍ لدى البعض، عليهم أن يقترحوا قوى أخرى ليتحالف اليسارُ معها، في مواجهةِ معسكرٍ فيه هذا الكمُّ من الأعداء، الذي يزدادُ يومًا بعد يومٍ للأسف، ليضمَّ ذوي القربي، وربّما أيضًا بعضًا من ذوي الأرحام إلا إن كان هناك عاقلٌ يعتقد أنّه يمكن لأيةِ قوى مهما بلغت من قوّةٍ واقتدارٍ أن تستمرَّ في خوض الصراع دون الحاجة إلى إقامة تحالفاتٍ على مختلِف الأصعدة والمستويّات، في مثل هذا الصراع التحرّري الوطنيّ والقوميّ الذي نخوضه في مواجهة معسكر أعداء الشعب الفلسطينيّ والعربيّ، حيث يبدأ من الكيان الصهيوني ولا ينتهي عند الولايات المتّحدة الأمريكيّة، بل يمتدّ ليعبرَ طول العالم وعرضه، وصولًا إلى حيث تحيطُ بنا الرجعيّة العربيّة من كلّ جانب، بل وقد يصلُ إلى ما بين ظهرانينا.

إذًا، فالتجربةُ الملموسةُ تقول: إنّ هذهِ التحالفات لها شروطُها وظروفُها التي فرضتها تطوّرات معطيّات الصراع وتعقيداته في سياقه التاريخيّ، طبيعة العدوّ وتشابك مصالحه على الصعيد المحليّ والعربيّ والدوليّ، باعتباره منظومةً متكاملةً مترابطةً عضويًّا من الأعداء. صحيحٌ أنّ الصراعَ يأخذ بعدًا طبقيًّا، ولكنّه يتشعّبُ ويتعمّقُ صراعًا تحرريًّا وجوديًّا، هذا في ظلّ تراجع اليسار العالميّ، كمنظومةٍ مترابطةٍ ومتكاملةٍ تخوض المواجهة الشاملة مع المعسكر الآخر.

صعودُ التيّارات السياسيّة الإسلاميّة أوجد واقعًا جديدًا، ليس على الصعيد الفلسطينيّ والعربيّ فحسب، ولكن أيضًا على الصعيد العالمي، ومن ثَمَّ من الحصافة الإقرارُ بحقيقةِ دورِها وإسهامها في المواجهة، ومن الإنصاف الإقرارُ بأنّها شكّلت إضافةً متميّزةً في النضال، وأنّ لها تأثيرَها الكبيرَ في الواقع الاجتماعيّ وجذورها العميقة في الوعي الجمعيّ، وعليه فإنّ هذا المعطى الجديد قد يشكّل فرصةً تاريخيّةً حقيقيّةً لبناء قواسمَ مشتركةٍ قد تكون في الوقت الراهن لا تتعدّى العناوينَ السياسيّة، وتقاطع في تحقيق أهدافٍ تحرريّةٍ على المستوى الوطنيّ، والتخلّص من التبعيّة على الصعيد القوميّ، والانتصار لحقّ الشعوب في التصدّي للاستغلال والإفقار والهيمنة على الصعيد العالميّ، غير أنّ هذه الممارسة السياسيّة سوف تشقّ مجاريَ في مساراتٍ تاريخيّة، وتؤسّس لبناء فهمٍ مشتركٍ في قضايا ذات أبعادٍ مجتمعيّة.

البَدْءُ من القواسم المشتركة تجاهَ الفضاء المشترك

بالخبرةِ النضاليّة يمكّننا أن نتحدثَ عن معيارين رئيسيّين للتلاقي بين مختلِف القوى سواءً كانت يساريّةً أو قوميّةً أو الإسلام السياسيّ. المعيار الأوّل، هو الانخراط في مواجهة المشروع الصهيونيّ الأمريكيّ في المنطقة. المعيار الثاني، هو تقبّل الآخر واحترام خلفيّته الفكريّة. وعليه، فإنّ أيَّ قوى يتوفّر فيها هذان الشرطان من الضروريّ أن يسعى اليسار إلى بلورةِ قواسمَ مشتركةٍ معها لرصّ الصفوف، وبناء جبهةِ المواجهة ضدّ العدوّ الصهيونيّ.

من الجدير ذكرُهُ في هذا السياق، أنّ سرَّ الإخفاق في بناءِ مشروعٍ عربيٍّ متكاملٍ بأبعاده الإسلاميّة والقوميّة واليساريّة، هو تأخّرُ ظهور تيّاراتٍ سياسيّةٍ إسلاميّةٍ تتصدّى لقضايا الصراع التحرّري الوطنيّ والقوميّ، أي افتقادها للخبرة في بناء تَجرِبةٍ تاريخيّةٍ من التلاقي والتمازج والتثاقف بين المكوّنات الفكريّة الأخرى، ومن ثَمَّ إنزواؤها وعزلتها في المساجد للدعوة والدروس الدينيّة أسهم في تكثيف المضمون الأيديولوجيّ في خطابها السياسيّ وتوجّهها الجماهيريّ، ما أوجد الحواجزَ والموانعَ الكثيرةَ والكبيرةَ أمامَ عمليّةِ تقبّل الآخر وسوء الفهم، ورفض التلاقي وحتى الاختلاف فيما هو متّفقٌ عليه. إنّ حضورَ هذه القوى إلى ميدان الصراع والمواجهة والعمل السياسيّ سيؤدّي إلى الاحتكاك السياسيّ بوجهيه؛ السلبيّ والإيجابيّ، وهذا من شأنه أن يشذّب الخطاب الأيديولوجيّ واللغة القطعيّة التكفيريّة من الجانبين، من خلال الممارسة السياسيّة والنضاليّة يومًا بعدَ يوم، ستجد هذه الأطراف نفسها أمامَ إلحاحيّةِ البحث عن القواسم المشتركة، وستسهم التحدّياتُ في ساحات النضال ذات الطابع الوطنيّ والقوميّ في خلق المساحات المشتركة والأهداف المشتركة، وقد تبدأ من دوائرَ صغيرةٍ بادئ الأمر، وتحكمها عناوينُ محدّدة، ولكنّها مع الزمن والممارسة النضاليّة ستتّسع وتتشّعب لتخلقَ فضاءً مشتركًا يمكن أن يشمل كلَّ الأبعاد الأخرى.

المسؤوليّةُ الوطنيّةُ وبالمعنى التاريخيّ التي تقعُ على كاهل اليسار، هي بلورةُ مشروعٍ وطنيٍّ وقوميٍّ شاملٍ ومتنوّعٍ ووحدويّ، يجمع كلَّ ألوانِ الطيف من مشاربَ فكريّةٍ وإثنيّةٍ وعرقيّةٍ ذات توجّهٍ إنسانيٍّ على المستوى العالميّ، وحتى يستطيع اليسار القيام بهذهِ المهمّة النبيلة عليه أن يتصدّى لتحدٍّ مركّب، أوّلًا العمل الجديّ لتحقيق تراكم قوّةٍ وقدرةٍ ذاتيّة، فيكون حاضرًا وقويًّا ومتماسكًا، ولديه رؤيةٌ واضحةٌ عمّا يريد، وكيف يتحقّق ممّا يريد، أمّا الثاني، فهو البحثُ عن قواسمَ مشتركةٍ مع القوى الأخرى، ولا سيّما منها الإسلام السياسيّ، وهي موجودةٌ حتمًا ويجب تذليلُ العقبات أمامَ التلاقي حولها. إنّ الشرطين المذكوريْن (مواجهة المشروع الصهيونيّ الأمريكيّ وتقبّل الآخر) لا يشكلانِ قاسمًا مشتركًا لعلاقةٍ مرحليّةٍ وحسب، بل ومن شأنهما أن يخلقا فرصًا لتبادل الأفكار والحوار الدائم والفهم المتبادل والمشترك لعناوينَ جديدةٍ مستقبلًا.