إذا اتفقنا أن الحالة الوطنية الفلسطينية ومنذ عقود طويلة سالفة، لم تعد تجمعها قاعدة "إجماع" وطني، رغم أن الإجماع لم يكن متوفرًا حتى عندما كان يقال به، لأن كل فريق من الفرقاء الفلسطينيين كان يفهم الإجماع وفق رؤيته أو أجندته الخاصة، وخاصة الفريق المهيمن فيها (حركة فتح). وإذا اتفقنا أنه منذ توقيع اتفاق أوسلو وترجماته العملية، تشظت قاعدة "الإجماع" بالمطلق، حيث بتنا أمام فريقين وإن لم يتبلور أحدهما بشكل واضح ومستقل حتى اللحظة - رغم إنه الأقرب لنبض الناس المقاوم - في حين أن فريقًا منهما وضع نفسه ومعه القضية الوطنية برمتها، في حِجر العدو الإسرائيلي، وبات بوعي جزءًا من أجندته، ليس بكونه وكيلًا أمنيًا وسياسيًا له فحسب، بل يمكن القول، بأن وجود هذا الفريق "الفلسطيني" بات مرتبطًا ارتباطًا عضويًا بوجود العدو نفسه، وعليه أصبح جزءًا منه، ومدافعًا عن وجوده وعنه، ليس بالإخضاع والإكراه والإملاءات فقط، بل برابط المصلحة المشتركة أيضًا، ولكن ليس من على قاعدة الندية والمساواة، بل بتنفيذ أجندة أو مشروع العدو الإسرائيلي الذي لا يريد للشعب الفلسطيني ومؤسساته خيرًا بالمطلق: إنه العدو.
إن الإصرار على عقد المجلس المركزي رغم حالة الرفض التي أبدتها قوى أساسية في الساحة الفلسطينية، منضوٍ بعضها في منظمة التحرير الفلسطينية، وأخرى غير منضوية، يطرح الكثير من القضايا الجوهرية التي تشكل هاديًا في الإجابة على عنوان المقال، وفي مقدمتها؛ تغييب الآليات الداخلية الصحيحة التي تكفل نشؤ علاقات سليمة بين المكونات العديدة التي تشكل "المجتمع السياسي الفلسطيني"، وهذا الأمر سابقًا على توقيع اتفاق أوسلو، حيث عمد الفريق المهيمن على المنظمة ومنذ أن تولى قيادتها عام 1968، إلى القبض على رقبتها وإفراغها من مضمونها الكفاحي التحرري، بخطوات متدرجة ومحسوبة، حيث جرى منذ البداية الاحتفاظ بمواقع متقدمة لأكثر المفاصل رخاوة في الهيئات القيادية للمنظمة على حساب القوى الأكثر جذرية سياسيًا، ومن ثم جرى ضرب وتغييب المشروع الوطني التحرري لحساب مشروع التسوية، رسميا منذ عام 1974، وجرى تضخيم "مؤسساتها" وتحديدًا مجلسها الوطني (الهيئة التشريعية الأولى)، تارة باسم الاتحادات التي في جزء منها كانت وهمية وتتبع قائدها العام، وتارة أخرى بالمستقلين وأصحاب رأس المال الذين شكلوا إحدى قاطرات التواصل مع القادة الصهاينة منذ سبعينيات وثمانينيات القرن المنصرم، وكذلك جرى تسمين أجهزة المنظمة بآلاف المتفرغين والامتيازات والإغراءات، وتغلغل الفساد الممنهج في صفوفها، ووظفت أموالها – أموال الشعب الفلسطيني - في المنح والعطاءات التي كانت تمنع -كما يحصل اليوم- بناء على الموقف السياسي لبعض أطرافها، وتمنح بناء على موقف سياسي لبعض أطرافها أيضًا، مع استمرار إفراغ القرارات الصادرة عن مؤسساتها من مضمونها، مع عدم الالتزام فيها من جانب، والعمل بنقيضها من جانب آخر، مما كان يعني الشكلية والضدية في التعامل معها، وهذا كان بالتدريج، نخرٌ في صدقيتها ومصداقيتها الوطنية والشعبية، أي شرعيتها، والحل والإحلال لدوائرها بطريقة استباحتها بالتفرد والإقصاء وإحكام السيطرة، وصولًا إلى أن أصبح رأس المنظمة أضيق من عقال قائدها "الزعيم الرمز"، التي خار جسدها المتضخم والرخو في آن، تحت وطأة القائد الأوحد الذي لم يجد بديلًا للتحرير إلا الارتماء في أحضان العدو الإسرائيلي، باسم "السلام" الأمريكي، وإذا أردنا أن نمسك بالحلقة الرئيسية هنا، يجب أن نطرح السؤال التالي: لمصلحة من كان يجري إضعاف مؤسسة الشعب الفلسطيني الأولى، والتي تكفلت بتحقيق مشروعه الوطني التحرري؟
إذا اتفقنا، أن المشروع الوطني التحرري الفلسطيني، في ظل كل التعقيدات التي أحاطت به فلسطينيًا وعربيًا ودوليًا، وطبيعة الصراع الوجودي الذي يخوضه مع العدو الإسرائيلي، كان يتطلب أن تكون مؤسسته على مستوى عالٍ من الكفاءة والاقتدار وصحة البنية وصلابتها ومستوى الأداء المرتبط، بقيادة واعية وصادقة وجماعية، تمتلك رؤية واستراتيجية واضحة على المستويين الداخلي الفلسطيني، والخارجي العربي والدولي وعلى مستوى العدو بشكل رئيسي، وأن ما جرى طوال الوقت كان عكس ذلك، بحيث تحكمت في المنظمة المنهجية أو الذهنية التي تكفلت في جانب كبير، بإجهاضها مؤسساتيًا ومشروعًا وطنيًا تحرريًا لصالح مشروع العدو الإسرائيلي الذي كان تعبيره الأبرز في اللحظة الأضعف، فلسطينيًا وعربيًا ودوليًا، هو اتفاق أوسلو، وهو دون أدنى شك، مشروعًا أمريكيًا – صهيونيًا، كان الهدف منه إعادة موضعة "إسرائيل" أو إعادة إنتاجها في مرحلة تاريخية محددة، تهيأت فيها شروط الاعتراف بها، وتركيز أركان وجودها على الأرض الفلسطينية والتوسع في المنطقة العربية والتسلل إليها، وهذا ما حصل وما يزال يحصل إلى اليوم.. فإنه يُبقي السؤال حاضرًا: من يضبط توقيت انعقاد اجتماع المجلس المركزي؟!
طالما أن انعقاد هذا المجلس يأتي في سياق استمرار تاريخي لذات المنهجية والذهنية التي قادت الحالة الفلسطينية، وأوغلت فيها اضعافًا وانقسامًا وتهميشًا وتشظيًا وابتعادًا وافتراقًا عن الحالة الشعبية الفلسطينية ومشروعها الوطني التحرري الذي أبرزت معركة سيف القدس مؤخرًا، مكنونه المقاوم وشمل الفلسطينيون في مواقع تواجدهم كافة، في مقابل ذلك الالتصاق أكثر فأكثر في مشروع العدو ومعه، ومحاولة تكييف الحالة العامة مع ذلك، من خلال اختيار الأقصر قامة، بمعنى الأقل وأدنى مستوى وكفاءة وانتماءً وطنيًا، وعناوين التواصل مع العدو.. وبالتالي اختيار مَن هم مِن أكثر المفاصل؛ رخاوةً وضعفًا وحتى اشتباهًا أمنيًا، ليكونوا على رأس ما تبقى من "مؤسسة" الشعب الفلسطيني، فمن حقنا أن نطرح ونقول: بأن من يضبط انعقاد المجلس المركزي، مصلحة العدو ومشروعه، وليس المصلحة الفلسطينية البتَّة، وهذه الحقيقة الثابتة في سياقها التاريخي ونتائجها القائمة والمستقبلية؛ تسجل إدانة لكل من سيشارك فيه.

