Menu

تسليتنا

كتب

براء عياش

في مشهد يتكرّر في حلقات مختلفة من مسلسل "فارغو"، نجد مُلصقاً معلّقاً على حائط القَبو الخاص بمنزل الشخصية الرئيسية، مكتوب على المُلصق: ماذا لو كانوا جميعاً على خطأ، وأنت على صواب؟ 
عندما تقوم الشخصية الرئيسية بالقتل، تركّز الكاميرا على المُلصق، يتمعّن القاتل بالنصّ جيّداً، حقّاً، ماذا لو كنت أنا على صواب؟ ينتفخ صاحب الشخصية أثر التفكير بهذا الأمر. وعندما تحاول الشرطية إثبات أن الشخصية الرئيسية هي المتورطة في حادثة القتل، يقف الجميع ضدها، وفي محاولتها لإثبات تورط هذه الشخصية، تقتحم منزله، وعندما تصل إلى القبو تجد ذات المُلصق، وتتمعّن في الكلمات جيّداً، ماذا لو كنت أنا على صواب، والجميع على خطأ؟

المُلصقات كثيرة في هذه الحياة ومعلّقة في كلّ مكان، يلتقطها الجميع ولسبب لا يعلمه إلا الله، يعتبرها الجميع موجّهةً إليهم، وأحياناً كلّ ما يتطلبه الأمر فقط التشجيع المناسب حتّى تحدث الكارثة. نسأل أنفسنا من هو المسؤول عن ظهور هؤلاء المساكين على مسارح الأداء في البرامج الشهيرة ليصبحوا مادّة خصبة للضحك والسخرية؟ والأمر قد يتّخذ انعطافاً أكثر دراماتيكية، فبدلاً من أن يعتبر الشخص هذا الموقف المُذل سبباً للاختفاء ومعرفة قدره، يقرأ أحد هؤلاء المساكين أحد الملصقات، ليعتقد أن هذه السخرية هي ما يتعرّض له كلّ ناجح في بداية مسيرته، ليصبح هذا الفشل الذريع هو وجه الشبه مع عظماء عانوا في البداية من مصاعب.

عدم وجود شخص صادق يُخبرك بأن ما تكتبه يُعتبر إجراماً بحقّ الشجر الذي أُخذت منه الأوراق بالإضافة إلى الجشع المادّي (دور النشر) وثقافة الاستهلاك والثقة التامّة بالسوق السيء الذي يتقبّل كل شيء يدفع بشبابٍ لا يملكون أدنى موهبة لكتابة روايات ونشرها في الأسواق، الأمر كمّن يفتح المجاري على القرّاء. ومن ثمّ عندما تنتقد هذه الماسورة، تجد أصحاب الروايات وقد اقتنعوا تماماً بالملصقات، لتصبح عندها أنت الشخص الذي يرشق الشجر المثمر بالحجارة. أنا شخصياً أجد من الصعوبة عدم التفريق بين دعم المواهب الشابّة، وبين استغلالهم- حرفياً.

عزيزي عديم الموهبة، أما بعد؛ أنت لست شجرة مثمرة، أنت ضحيّة تشجيع أشخاص ضحكوا عليك. ونحن لا مشكلة عندنا في لعب دور الشخص الحاقد على إبداعات الآخرين، يعني الدنيا صغيرة ومملّة، ولم يبق لنا في هذه الحياة إلا أنتم للتسلية، فلماذا لا تكون تسليتنا وسيلة لسحبكم أيضاً من الوهم الذي تعيشون فيه؟