Menu

رئيس السلطة يواصل التفرّد..

تقريرقضاءٌ متنفّذ.. تعديلات قانونية جديدة تنتهك منظومة المحاكمة والعدالة

مهند فوزي أبو شمالة

خاص بوابة الهدف

يستمرّ رئيس السلطة الفلسطينية بالتفرّد بالقرارات الفلسطينيّة، والتي لم تسلم "القضائية" ولا "القانونية" من هذا التفرّد، حيث خرج بتعديلٍ قانونيّ لإحدى القوانين الأساسية الفلسطينية، لاقت معارضةً كبيرةً من ذوي الاختصاص، والقانونيين، وهو القرار بقانون لسنة 2022 بشأن تعديل قانون الإجراءات الجزائية رقم (03) لسنة 2001، المتعلق بتسريع إجراءات التقاضي.

القوانين والقرارات التي يتمّ اتخاذها بحسب مقتضى الحاجة "الشخصية" لدى صُنّاع القرار في فلسطين لا تتوقف، حتّى على غير صعيد القضاء، فنحن نتحدّث عن نهجٍ يتمّ اتباعه منذ قيام السلطة، مُلحقٍ بعدم وجود رادعٍ شعبيٍ ولا مؤسّساتيٍ، إذ أنّ من يُسيطر على تلك المؤسسات التي من المُفترض أن تُسائِل من يصدر القرارات هو "من يُصدرها" أصلاً.

ولاقى هذا القرار الذي صدر نهاية يناير الماضي، معارضةً وانتقاداً من المُختصين والقانونيين والحقوقيين؛ باعتبار أنّ هذا التعديل، قد يكون على حساب العدالة في الإجراءات القضائية.

الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان، وفي تعقيبها على القرار، أكّدت أنّ تلك التعديلات، تؤسّس لانتهاكات حقوق الإنسان وحرياته الأساسية، لا سيّما حقّه في المحاكمة العادلة، وفي الدّفاع، والحريّة الشّخصية، وفي مبدأ افتراض البراءة، حيث إنه يمنع إخلاء سبيل المتهمين في الكفالة في جرائم معينة، كما أنّه يضعف رقابة القضاة على السلامة الجسدية والنفسية للمتهمين، ويجعل من ممارسة المتّهمين لحقهم في الدّفاع أمراً مرهقاً وشاقاً، إضافة إلى أنه يتضمن نصوصاً لا تتفق ومبدأ سيادة القانون، كونه منح حصانة قانونية لموظفي الدولة وأفراد الأجهزة الأمنية من المحاكمة عندما يقترفون جرائم أثناء تأديتهم وظيفتهم أو بسببها، إلى غير ذلك من النصوص والأحكام التي تنتهك فعلاً حقوق الإنسان، وتتعارض مع القانون الأساسي ومع التزامات دولة فلسطين في اتفاقيات حقوق الإنسان.

الحقوقيّ والمختصّ في النزاعات الجزائية المحامي مندي الأسطة قال في هذا السياق، إنّ الحديث عن موضوع التعديل هو خطأ كبير؛ لأنّه يتجاوز وبشكلٍ كبيرٍ موضوع القانون الأساسي الفلسطيني، ويخترق المادة (43) من القانون الأساسي، كما ويسيء استخدامها واستخدام السلطة في حدود تنفيذها.

وأوضح الأسطة في حديثٍ مع "بوابة الهدف الإخبارية" أنّ المادة (43) تعطي سلطةً مقيّدةً لرئيس السلطة الفلسطينية في حال غياب المجلس التشريعي، مشيراً إلى أنّ هذه السلطة مقيّدةٌ بضوابط، لكن الحالة الفلسطينيّة العامة وتفرّد السلطة التنفيذية والرئاسية في اتّخاذ القرارات في ظلّ تعطّل المجلس التشريعي أدّى لنتيجة هيمنةٍ واقعيةٍ كاملةٍ متكاملةٍ من السلطة التنفيذية على السلطة القضائية والتشريعية.

وأكّد الحقوقي الأسطة في هذا السياق على أنّ كلّ القرارات بقوانين الصادرة عن الرئيس تتعلّق بحدود مصالح خاصّة، وعند الحديث عن التعديل الأخير، فالهدف منه ليس تسريع إجراءات التقاضي، وإنّما تآكل حقوق المتهمين والتضييق عليهم، وهيمنة السلطة التنفيذية على القضاء.

وحول الحديث عن مخاطر القرار على المتهمين، بيّن، أنّه "ومن خلال نصوصٍ قانونيةٍ من المفترض أن يُعطى المتّهم حقّه بالدّفاع عن نفسه كمثل تساوي المتّهم والنيابة العامة على اعتبارها خصمٍ شريفٍ أمام المحكمة، فالاثنان يكونان على نقيضٍ لإثبات دعواهم، النصوص القانونية التي أتت في القرار بقانون الأخير أعطت حقوقاً للنيابة العامة على حساب حقوق المتهم، فمثلاً، أعطت النيابة العامة حقّ تقديم الطلب لنظر الدّعوى بأنّها تكون علانيةً أمام المحكمة، كما وجعل المحكمة مُلزمة بسماع قرار أو طلب النيابة، لكن إذا قدم المتهم هذا الطلب، فجوازاً للمحكمة إجابته أو رفضه، وهنا يوجد تناقض وعدم صحة خصومة وتأثر لحيادية المحكمة بإصدار قرارها بتحديد طبيعة الدّعوى".

وكمثلٍ ثانٍ لتلك الانتهاكات بحقّ المُتّهمين أضاف: "الدعاوى المنظورة أمام المحاكم مثل محكمة الصلح، استئنافها يكون بقيودٍ على المُتّهم فقط، وهذه قيود غير واقعة على النيابة العامة، وتُمنح الاستئناف عليها على حساب المتّهم، وبمثال ثالثٍ، حرمان المُتّهم من درجة قضائية يؤدّي إلى اختلالٍ في التوازن القانوني والقضائي، فبالتالي يحصل تشريع غير صحيح".

وأكّد على أنّ كلّ مواضيع القرار بقانون إضافةً لأخطائه اللّغوية والصياغية الركيكة، وأنّه غير مبنيٍّ على أسس، ومقتطف من أجزاء من قوانين متكاملة لكنّه أخذ أجزاءً معينةً لتلبية رغباته واحتياجاته، فكلّ مؤديات إصدار هذا القرار بقانون باطلة وغير مدروسة ولا تحقق نتيجة في تسريع القضاء.

وعن مزاعم إصدار القرار بقانون لتسريع القضاء، قال الأسطة إنّ تسريع التقاضي لا يأتي من خلال تآكل حقوق المتهم والتلاعب في البيّنة الدفاعية، وإنّما يكون من خلال إيجاد رافد قضائي للقضاة وزيادة عددهم لتقليل كمية الملفات المنظورة أمام كلّ قاضٍ على حدة، وبتنفيذ القرارات القضائية الصادرة من المحاكم، والتي تبقى أصلاً طيّ الكتمان وتُوضع في الجوارير إذا كانت تُمثّل السلطة القضائية، ويوجد عشرات ومئات القضايا التي صدرت فيها أحكامٌ من محكمة العدل العليا وما زالت قيد التحفظ ولم يتم تنفيذها؛ بسبب هيمنة السلطة التنفيذية.

وفي مراجعةٍ لبعض نصوص القانون، أشار الحقوقي والقانوني مندي الأسطة إلى أنّه أعطى غطاءً للضابطة القضائية بعدم إمكانية محاسبته في حال تجاوز وتبجّح باسم القانون إلّا بإذنٍ من النائب العام، ولا يمكن ملاحقة أي صاحب وظيفةٍ في الأجهزة القضائية إلّا بهذا الشرط، وبناءً على ما سبق فلا يمكن أن يُعطي هذا القانون اسماً سوى سلطة الهيمنة أو السلطة الضاربة على حساب حقوق المواطنين.

مشروعية القانون

وبغضّ النظر عن صلاحية القرار أو موضوعيته أو افتراض حسن المآل منه، شدد الأسطة على أنّه لا يجوز للرئيس أصلاً أن يصدر هذا القرار بقانون؛ فالقانون الأساسي يعطي الرئيس سلطة إصدار القانون بضابطين معينين وهما غير متوفرين، حيث يجب أن تكون بحالة طوارئ معلنة وتشكل حالةً لا يمكن تجاوزها إلا بإصدار قرار بقانون لغاية حماية المجتمع، كما أنّ هذا القرار يخالف كل القرارات بقانون السابقة، حيث أنّه لم يذكر أنّه يعرض على المجلس التشريعي حين انعقاده، فهو ألغى حق الفلسطينيين بأنّ يكون لديهم مجلس تشريعي يمثلهم، واعتبر وجود سلطة الرجل الواحد.

وبشأن المطلوب حيال ذلك، أردف في ختام حديثه مع الهدف: "يجب أن يكون هناك نشرات توعوية ويجب أن يكون الناس يعلمون أين مصيرهم، وعلى نقابة المحامين الشروع بإجراءاتٍ تصاعدية من خلال المراسلات وتشكيل ائتلافات مع المجتمع المدني والحقوقيين بهذا الشأن، وإيجاد حالةٍ عامة ومخاطبة أعضاء المجلس التسريعي ولو على حساب صفتهم الحالية، باعتبارهم الواجهة الوحيدة أمام مجلس القضاء والسلطة التنفيذية".

وحول ما سبق، لا يمكننا الحديث عن منظومة قضائية أو قانونية متماسكة؛ لا سيما في ظلّ غياب أو تغييب المجلس التشريعي الفلسطيني، وسيطرة القيادة الفلسطينية وتنفّذها على كلّ أجهزة الدولة، واحتكام جميع أجهزة السلطة بيدها.

ويذكر أنّ رئيس السلطة محمود عبّاس قد أصدر نحو 300 قرار بقانون من ذات القبيل ولاقت معارضة من المختصين، بسبب أنّ جزءًا منها يتعارض مع القانون الأساسي الفلسطيني نفسه.