يبدو أن القضية لم تتوقف عن حدود الموت المبالغ به، ولكنها قامت بتكسير حالة الخوف المطبق على المجتمع بشكل هستيري، وبشكل جنوني أيضاً قام التراب المسروق بالانهيار على أحلام الأطفال ودفنها دون جنازات رسمية كأن هذه الأحلام هي معارض سياسي يقتل ليلاً تحت أضواء الشوارع التي تعمل يوماً وتتعطل شهراً، ثم يختفي للأبد.
عتبات البلاط الحاكم تتلمع كل صباح ومساء بأحلام الشباب الذين يعملون في مناجم المستقبل، يأتون بهم من هناك يضعون أجسادهم على رقع البلاط وينظفون غبار الإقدام التي تلوثت بدماء الأطفال الذين قتلهم سفاحون من نوع أخر، سفاحون يسكرون على الحصار والدمار ودماء الفتيات العذارى.
من مسدساتهم يطلقون الرصاصات على الأضواء، يبدو أنهم يريدون معاقبة الضوء حتى داخل البيوت، هم يدركون حقيقة أن قلوبهم وعقولهم تفتقد للضوء، لذلك يقتلون بسرعة هذه السرعة التي تقتل سرعة الضوء، ولكنهم لا يدركون حقيقة أن الموت سريعاً هو أفضل من الموت البطيء الذي يعيشونه داخل كل جزء من الثانية، هذا الموت الذي يأتيهم على شكل ذبابة تستقر داخل أذنهم ولا سبيل للخلاص منها إلا بقطع رؤوسهم لقتل الذبابة.
يخرج الأب ليلاً، يتسلسل من قهر الجوع، حاملاً على ظهره كيساً من الفقر، وملابسه ممزقه بسبب دموع أطفاله الذين ينهشون لحمه بحثاً على لقمة يطعمون بها عصافير بطونهم، يصل هذا الأب الحاوية يجدها فارغة يجلس بجانبها باكياً يحتضنها ومن ثم يخاطبها أرجوكِ أريد لو عظام أطفالي هناك يموتون من الجوع، فتحزن عليه فترمي له قنية نبيذ معتقة منذ عام 1948.
على ناصية الأمل، على مشارفها بالتحديد ينصبون الفخ، إذا كانت الفريسة ذكية تهرب وتصل أرضها، وإذا وقعت داخل الفخ في الليل ينقلوها إلى المخزن السري وعند ساعات الفجر يقومون بتقطيع لحمها ووضع القليل من البهار عليها لتصبح جاهزة للعشاء.. العشاء الذين يأتي على شرف الصفقة التي يقومون بإبرامها من أجل تقسيم الحاويات الجديدة، وبعد الانتهاء من العشاء يشربون كأس من النبيذ، وكالعادة يسكر الرجل القصير الثخين ويبدأ بالصراخ: كل الحاويات لنا وليغرق الباقي بالقمامة، فيسكر الجميع من هذه الجملة، ومن ثم يبدأ الرقص.
ترتدي فستانها الأزرق، تستقل سيارتها الفاجرة، وتصل مصفف الشعر، وتطلب منه أن يضع لها قليلاً من المكياج وإعادة تصفيف شعرها من جديد، تخرج إلى الشوارع المعبئة بالقهر لتدوس عليه، ومن ثم تشتري مجوهرات جديدة تشبه إلى حد ما عيون أطفال تزينها الدموع، تصل قصرها ليلاً، زوجها قد عاد قبل قليل وقد حصل على حصته من الحاويات، يكون ثملاً بهذا الانجاز وهي ثملة بالنشوة التي جعلتها تعتقد أنها قامت بشراء مجوهرات بل هي قامت بسرقتهم، على السرير يحاولان الاقتراب من بعضهم البعض ولكنهم يتذكران أن الحب لا يعيش على سريرهم بل قد مات منذ أن أصبحت الزوجة تدفع لمصفف الشعر من الجيوب المخزوقة لبنطال جارهم الفقير.
يخترق الرصاص الأجساد، معلن بداية الملحمة، عبر الشبابيك يتناثر الزجاج هنا وهناك مختلطاً مع قطع الموت، يتساقط العقل كأنه حمم بركانيه تقذف الأفكار التي تحرسها البنادق، تصبح الأجساد لوحات فنية تنشد الحرية، صرخات مبعثرة للبحث عن النجاة، ترسم الدماء حكاية الاشتباك، وتشهد ما تبقى من طلقات على أن الحدود يبيعها الجبناء، يسرقون البنادق ويهربون بها باحثون عن الطريق، ولكن بات يعلم الجميع أن خيوط الروح قد رسمت معالم جديدة للطريق، وأن الخيانة أصبحت تمر من جانب الطاولة لا من تحتها ولا فوقها.
يرتمون في الشوارع عشقاً للشقوق التي بداخلها، يقولون لتلك الشوارع خذي من حياتنا عما تبحثين لأن حياتنا مليئة بالحفر، أنهم يحسدون الشوارع ولكنهم يرفضون تعبيدها بأكياس الطحين، ينثرون سنين العمر على جبال التين والزيتون حتى لا يقولوا كنا متخاذلين، يتناولون شراب الزعرور وحده هذا الشراب يسكرهم لنسيان التاريخ وأزقته، وعندما يثملون يصنعون تاريخ جديد عبر مقصلة القبور وحدها هذه المقصلة التي تحتضن الأجساد المخزقة من برد الرصاص.
يتطاير الدخان من نوافذ البيوت، ولكنه لا يشبه الدخان المتطاير من سجائر حاكم البلاط، فسجائر حاكم البلاط تُصنع على افخاذ النساء، ودخان البيوت المعدمة يُصنع على جماجم العوز، وحدة البؤس ممزوجاً بالأمل تقوم الامهات بإرضاعه للأطفال بدلاً من الحليب، وحدة الأمل سيبقى السلاح لاصطياد الحمامة التي ترمز إلى الخيانة.
تنتهي حكاية الدم .. تنتهي حكاية الرضوخ .. ولكن.. ولكن.. لم ينتهي الوطن بعد ...
كفر بالقلم، رُماة بعيداً كأنه يريد معاقبته، وضع يديه على الطاولة ليسند رأسه الممتلئ بالنبيذ الذي يشبه لون الدم، اعاد قراءة ما كتب ولكنه لم يجد خلال البحث عن عنوان مناسب، أعتقد أنه غير ناجح ولذلك حتى الكلمات الأخيرة لم تستطيع صياغتها، أرسل النص لعشيقته وطلب منها صياغة العنوان، وارتمى على كأس النبيذ وهو يقول: أن القلم الذي يصوغ الكلمات يحتاج إلى الدم لتصبح تلك الكلمات وطن.

