فجر قرار محمود عباس الذي يعتبر "منظمة التحرير ومؤسساتها أحد دوائر سلة الحكم الذاتي" موجه من الغضب والرفض، والإدانة والمطالبة بإلغائه، ويرى البعض أنه ليس من المنطق والقانوني دمج الكل في الجزء، أو ابتلاع هذا الكل من قبل الجزء، وآخرون يعتقدون أن قرار محمود عباس كارثي وسيعمق ويطيل أمد الانقسام، وكأن إنهاء وجود "المنظمة" هو "نهاية" التاريخ الفلسطيني، متناسين أن هذه الكارثة التي لم يكترثوا لها. بدأت منذ أن استل الراحل عرفات قلمه، ووقع على صك "أوسلو" وقدم على طبق من ذهب الاعتراف بشرعية كيان الصهاينة في فلسطين، على 78% منها، مزورًا هكذا تاريخ الصراع، الذي هو في جوهره صراع على الارض، ليصبح مع كافة المتورطين في اتفاقيات مع "إسرائيل"، شركاء في "إعدام" التاريخ الحي والحقيقي لشعبنا، هذا التاريخ الذي هو لحم وعصب وعقل وتراث وأخلاق ومعتقدات أحد أقدم شعوب الأرض، شعب فلسطين، الذي تعود ملكيته لأرضه ووطنه لآلاف السنين.
اتفاقات "أوسلو" ورسائل الاعتراف المتبادلة بين عرفات ورابين، ومن ثم إلغاء وتعديل أكثر من 25 بند من الميثاق والبرنامج السياسي "للمنظمة" جففها وجعل منها "هيكل عظمي" ووضع، منذ ذلك الحين، عشرات علامات الاستفهام على مستقبلها ومبرر وجودها، منذ تأسيسها بمبادرة من القائد الراحل جمال عبد الناصر عام 1964، أي قبل وقوع عدوان 1967 بثلاث سنوات تقريبًا، لقيادة النضال من أجل تحرير فلسطين وإزالة الكيان الصهيوني وعودة المُهجرين الفلسطينيين للأراضي التي شردوا منها. فمنذ تأسيسها، اتخذت المنظمة قرارات قومية وطنية جذرية، في مقدمتها رفضها لقرار التقسيم كقرار خاطئ وباطل وظالم، وأن القبول به هو خيانة وطنية، ولكن بعد الإطاحة بالشقيري وسيطرت حركة فتح عليها، أخذت بحرفها عن برنامجها الوطني وميثاقها القومي وإخراجها من طريق التحرير، وحشرها في زواريب العمل السياسي والديبلوماسي لإقامة "الدولة" على الأراضي المحتلة في عدوان 67 كحل واقعي وممكن للقضية الفلسطينية، هذه الزواريب لم تكن إلا مسالك التفافيه هدفها الوصول إلى "أوسلو" التي تم فيها ترتيب مسألة التعايش والتكيف الفلسطيني مع الحركة الصهيونية الاستعمارية وكيانها (إسرائيل) وترتب عليه اعتراف "المنظمة" بشرعية "إسرائيل" وبحقها في الوجود والعيش معها بسلام كدوله جاره "للدولة" الفلسطينية المنشودة ولباقي الدول العربية، بالضبط، على الجزء الذي تأسست "المنظمة" من أجل تحريره!! لهذا وانسجاما مع الاتفاقيات والتفاهمات الموقعة من قبل "المنظمة" واستعدادها لتنفيذ التزاماتها السياسية، التي بموجبها تنازلت وتخلت نهائيًا عن تحرير فلسطين، من الاستعمار الصهيوني، متنكرة ونافية لتاريخها الذي صنعته الجماهير وحركتها الوطنية بالتضحيات، ووقف وجمد تاريخها وتم إخراجها من الزمان والمكان، ولم يعد لها تاريخ نضالي وطني تضيفه إلى سجلها منذ ذلك الحين. وفي سبيل الحفاظ على هذه الالتزامات ترى القيادة الأوسلوية المهيمنة عليها، أنها يجب أن لا تضع نفسها ومعها المنظمة بين خيارين إحداهما إعادة المنظمة إلى ما كانت عليه، سياسيًا ونضاليًا وتنظيميًا وماليًا، قبل التوقيع على اتفاقيات أوسلو، لأن "فرض" هذا الخيار من الأغلبية الفلسطينية على "المنظمة" سيحدث انقلابًا سياسيًا ليس فقط فلسطينيًا، بل عربيًا ودوليًا، تنتهي بموجبه التسوية السياسية القائمة على عدة جبهات منها الجبهة العربية، لهذا من الأفضل والاسهل ليس لليمين الأوسلوي فقط، بل لكل أطراف التسوية التخلص من "المنظمة" بهدوء مما سيؤدي إلى "خربطة أوراق" الداعين لإصلاحها وإعادتها إلى ميثاقها القومي وبرنامجها السياسي الذي يدعو إلى تحرير كل فلسطين. هكذا وفي ظل موازين القوى القائمة تبقى الأراضي المحتلة في عدوان 1967 هي المجال الوحيد للعمل والنشاط السياسي والديبلوماسي، ويتم تكريسها كحدود قصوى للاستراتيجية الجديدة والوحيدة لسلطة الحكم الذاتي، والتي أصلًا أسقطت منذ زمن طويل استراتيجية "التحرير" لهذه الاراضي ولا تكل عن إعلانها ليلًا ونهارًا أنها ملتزمة بالحل التفاوضي السلمي الأوسلوي مع "القيادة الإسرائيلية" كطريق وحيد لحل الخلافات بين الطرفين.
العدو الصهيوني لا يريد ولن يسمح لزمرة أوسلو أن تمس بسوء الاتفاقيات الذهبية التي سمحت له، ليس فقط إخراج "المنظمة" من حلبة الصراع السياسي، بل إخراج الأراضي الفلسطينية التي أقيمت عليها دولته الاستعمارية من دائرة الصراع التاريخي، وحصر "النزاع " في الأراضي المحتلة منذ عام67 وعليها، دون أن يعني هذا أن القادة الصهاينة يسلموا بأن هذه الأراضي هي أراضي فلسطينية، وأعتقد، أن القيادة اليمينية الأوسلوية تدرك هذا جيدًا، لهذا لم تحرك ساكنًا عندما انتهت "الفترة الانتقالية" ولم تبدِ استعدادها لأي عمل تصعيدي ولو من باب الاحتجاج والضغط على "الإسرائيليين" وأصبحت المهمة البرنامجية لهذه السلطة "استكمال" بسط إدارتها على كل الأراضي المحتلة، بمثابة "اللعبة" المريحة لها وللاحتلال لأنها إن أطالت عمر أحدهم تطيل عمر الآخر، هذه هي الورقة الوحيدة الممكنة لأهل السلطة، ليس فقط بسبب فشلها في تحقيق بسط إدارتها وسلطتها "الكاملة"، بل وبسبب عجزها عن تثبيت بعض الامتيازات الإدارية التي منحها إياها اتفاق السقوط المذل، مما سمح للعدو تثبيت معادلاته مع سلطة أوسلو التي تقوم على مبدأ: خضوع السلطة الكامل ـ كأداة تنفيذية لإرادته ومصالحه الأمنية ـ مقابل الامتيازات الكاملة، التي تحقق مصالح فردية وطبقية، ستبقى قائمة ما دامت الاتفاقيات الموقعة معه سارية وملزمة لهذه السلطة، التي أجلت تنفيذ قرارات المركزي "العباسي" وغير الشرعي كما فعلت في الماضي.
محمود عباس بقراره الأخير سرًع حدة التناقضات الداخلية بنقله للمعركة إلى ساحة "المنظمة" وأسقط القدس ية عنها، التي اعتقد البعض أنها موجودة، وفي الحقيقة الموضوع أكبر من "دمجها" في السلطة أو ابتلاع الجزء للكل، لأن المشكلة في الواقع هي سياسية وليس قانونية، وإن بدت للوهلة الأولى عكس ذلك، وكل ما يريده الفريق اليميني الأوسلوي هو التخلص من هذه "المنظمة" التي حولتها "أوسلو" إلى جثة هامدة وتشكل عبئًا على السلطة، حتى بوجودها الشكلي هذا، الذي لم يعد ينسجم مع الخيارات المحدودة القائمة لدى الأوسلويين، الآخذة في الميل والرجحان لصالح حل الدولة الصهيونية الواحدة، التي تلغي مشاريع وبرامج التحرير تمامًا من ذهن ومخيلة اليمين الأوسلوي الفلسطيني، والأخطر أن يحاول هذا الفريق الجانح لمزيد من التكيف مع الاحتلال أن ينزع "الشرعية القانونية" عن القوى والفصائل المناضلة والمقاتلة التي ستستمر في النضال من أجل تحرير فلسطين وإنهاء الصهيونية وكيانها من أرضنا، مما سيخلق أزمه وطنيه لا يمكن علاجها بالإسبرين، وما قمع السلطة للمقاومة والعمل المسلح في مناطق الحكم الذاتي إلا أحد المؤشرات الجدية على ذلك. هنالك مؤشرات أخرى تدل على خطورة المرحلة القادمة، تتمثل في ما سيطرحه وسيقدمه الثنائي الإمبريالي الصهيوني المعادي من آليات على أدواتهم في الوطن العربي لتنفيذ استراتيجيتهم التي تهدف إلى بلورة تحالفات جديده مع كيان العدو من أجل المزيد من إحكام السيطرة عليه، والتي تستدعي التصفية الكلية لمركز وبؤرة الصراع، القضية الفلسطينية، بالقمع أولًا، وبجعل النضال السياسي والعسكري من أجلها مكلف جدًا، وتحويلها إلى مسألة إنسانية تحل بالوسائل الاقتصادية وعلى حساب الثروات العربية نفسها، مما سيفرض شكل جديد للعلاقات الفلسطينية ـ الفلسطينية، يعمق الفرز الوطني والثوري ويفرض قيام جبهة المقاومة الوطنية التي ستقود النضال التحرري وتحقق الوحدة الوطنية الشعبية في الميدان وفي كافة ساحات النضال في كل أماكن تواجد شعبنا.

