بعيداً عن التأييد أو التنديد، يشغلني سؤال حول الأوضاع في أوكرانيا، وهو كيف أغمضت النخب الأوكرانية الحاكمة أعينها عن حقائق التاريخ والجغرافيا وعن الانشغال بالحقائق الأساسية للذات الأوكرانية وعوضاً عن ذلك، تبنت مشروعاً يلغي حقائقاً للذات الأوكرانية يرجع تاريخ تعمقها وتأصلها إلى القرن التاسع الميلادي وحتى الحقبة السوفييتية التي هي - وإن انقضت - لم تنقضِ آثارها في الواقع ولا ما رتبته من مسئوليات على أطرافها الوريثة من شعوب وحكومات عاشت في أراضي الاتحاد السوفييتي وتشاركت في ثرواته ومقدراته..؟ كيف اختلط الأمر على الممثل الكوميدي الذي أصبح رئيساً ما بين مسئوليات إدارة دولة وما بين أداء فاصل كوميدي يقفز فيه على كل حقائق التاريخ والثقافة والجغرافيا السياسية، وموازين القوي ليرتكب حماقتين يقودان بهما بلاده وشعبه إلي حرب مدمرة..؟
الأولى هي طلب عضوية الناتو وهو يعرف تماماً أن الناتو منذ أن قرر التوسع شرقاً، وهو يحدد استراتيجياته على أساس العداء لروسيا الجارة التي تقع أوكرانيا في حضنها وتتداخل حدودها بأراضيها. والثانية وهي القشة التي قسمت ظهر البعير كما يقول المثل العربي، تمثلت في إعلانه عن عزمه إعادة إحياء القدرات النووية اعتماداً علي ما ورثته أوكرنيا من قدرات نووية، خلال الحقبة السوفييتية كونها كانت جزءاً لا يتجزأ من الأراضي السوفييتية..
قرر الممثل الكوميدي الأوكراني ومعه النخب القومية الأوكرانية اليمينية الشعبوية، أن يلعبوا هذا الفاصل الغرائبي، معتمدين على أن ولههم وتعلقهم الشديد وتبعيتهم المطلقة للغرب، ستجعلهم يغامرون لدرجة خوض القتال المباشر مع روسيا، من أجل تحقيق حلمهم المتمثل في انضمام أوكرانيا للنيتو.. هذه المغامرة والفاصل الكوميدي الذي لعب فيه الممثل الكوميدي الأوكراني وأركان نظامه دور الدميّة التي تحركها أصابع أمريكا التي تخوض معارك تراجع هيمنتها على العالم، منذ بداية العقد الثاني من القرن الحالي. كانت هذه المغامرة تلاعباً بمصائر ومقدرات الشعب الأوكراني وبدماء أبنائه من الجنود وسائر ضحايا الحرب من الأوكرانيين.. لا النخب الأوكرانية الحاكمة ولا زيلينسكي، ذلك الممثل الكوميدي الذي أصبح رئيساً في لحظة تاريخية لم يكن يدرك مسئولياتها، بل لم يكن يدرك هو وأنصاره من القوميين الأوكرانيين أبعاد تموضع الأقدام فيها... لا هو ولا من معه أو ورائه كانوا على قدر هذه المسئولية، وتلك اللحظة التاريخية بأبعادها المتعددة وحساباتها ومسئولياتها، فبدت مشاهد الرئيس الأوكراني الأخيرة كمشاهد لكوميديا البؤس السوداء.. وهكذا تدفع الشعوب من مقدراتها ودمائها وحياتها الكلفة الباهظة لحسابات فواتير عبث ولهو وحماقات نخبها وحكامها.

