Menu

رحيل القائد القومي والوطني الكبير الدكتور أحمد الخطيب

طارق أبو بسام

في مساء يوم السادس من آذار، رحل عن عالمنا قامة وطنية عربية كبيرة ورمز من رموز الحركة الوطنية في الكويت والخليج العربي وأبرز قادتها، عندما ترجل عن صهوة حصانه بعد نضال طويل وكفاح مستمر استمر لأكثر من 75 عامًا قضاها في النضال، دفاعًا عن الحرية والعدالة وحقوق الإنسان والديمقراطية وفي محاربة الاستعمار والوقوف في وجه العدوان والتطبيع، والوقوف إلى جانب القضايا العربية، وخاصة قضية فلسطين التي كان يعتبرها الراحل الكبير القضية المركزية للأمة وقضيته الأولى. وقف إلى جانب الوحدة العربية وكان من أبرز المدافعين عنها، عندما قامت بين مصر وسوريا، وكان يؤمن إيمانًا مطلقًا بأهمية الوحدة العربية، كونها الطريق الذي يقود إلى التحرر والتقدم ومواجهة الأعداء وبناء المجتمع.

تشرفت بمقابلته في الكويت، عندما زرتها في عام 1986، وكان لقاءً هامًا، تحدثنا فيه عن قضية فلسطين والقضايا العربية وأبغته رسالة من الدكتور جورج حبش ، حيث وجدت نفسي يومها أمام قامة كبيرة ومدرسة في النضال ورمزًا للصدق والإخلاص ونموذجًا للتواضع، ورغم أنه كان اللقاء الوحيد تعلمت منه الكثير وبقي في ذاكرتي، لن أنساه، وأدركت حينها أنني أمام قائد من طراز خاص ورجل عظيم في مكانته ومواقفه.

الدكتور أحمد الخطيب واحد من القادة الكبار الذين رحلوا عن عالمنا بصمت ودون ضجيج، رحل وهو متمسك بمواقفه ومبادئه وأهدافه التي لم يحد عنها قيد أنملة، وبقي يقاتل من أجل تحقيقها حتى الرمق الأخير. ورغم حالة الإحباط واليأس التي سادت المنطقة إلا أنه بقي محكوم بالأمل وظل رافعًا الراية التي تخلى عنها الكثيرون.

الدكتور أحمد الخطيب واحد من أبرز رموز الحركة الوطنية في الكويت والخليج العربي ويمكن أن نطلق عليه اسم الأب المؤسس للحركة الوطنية الديمقراطية في الكويت، فبصماته ما زالت واضحة حتى يومنا هذا، ليس في الكويت فحسب، بل على مستوى العالم العربي بأجمعه.

ولد الدكتور أحمد الخطيب في الكويت عام 1927 وفي نهاية الأربعينات توجه إلى بيروت لدراسة الطب في الجامعة الأمريكية، وهناك تعرف على الدكتور جورج حبش، وهو من ساهم معه ووديع حداد وهاني الهندي وصالح شبل والجبوري بتأسيس حركة القوميين العرب في عام 1952 التي لعبت دورًا كبيرًا في العديد من الأقطار العربية، وكان لها ثقلًا كبيرًا في الدفاع عن قضية التحرر ضد النفوذ الاستعماري إلى جانب عملية البناء الاجتماعي والدفاع عن الديمقراطية والعدالة وحقوق الإنسان. بعد تخرجه عاد إلى الكويت ليعمل طبيبًا وهو الطبيب الكويتي الأول، وليمارس نشاطه السياسي بعد استقلال الكويت عام 1961، حيث دعا إلى تشكيل مجلس تأسيسي عام 1962 وتم اختياره نائبًا لرئيس المجلس، حيث ساهم بشكل كبير وأساسي في تأسيس وصياغة الدستور الكويتي. خاض الانتخابات البرلمانية عام  1965 وحصل على المركز الأول، وبعدها شارك في العديد من المجالس المنتخبة لسنوات طويلة امتدت حتى عام 1996.

أسس الدكتور الخطيب مجلة الطليعة الكويتية عام 1962، والتي كانت الصوت المعبر عن الحركة الوطنية الكويتية، كما أسس نادي الاستقلال الثقافي الاجتماعي الذي لعب دورُا كبيرُا في تعبئة وحشد الجماهير الكويتية، من أجل الحريات والمساواة والعدالة والديمقراطية، ومن المعروف أن السلطات أغلقت هذا النادي بعد الانقلاب على الدستور عام 1976. كذلك ساهم بدور رئيس في تأسيس المنبر الديمقراطي والتجمع الديمقراطي.

ابتعد الدكتور الخطيب عن الحياة البرلمانية في عام 1996، بعد أن شارك فيها سنوات طوال، بسبب تزايد الفساد من ناحية، وقناعة منه بأهمية إعطاء الفرصة للجيل الجديد لكي يقوم بدوره ويأخذ مكانه في عملية البناء من جهة أخرى.

لقد لعب الراحل الكبير، دورًا هامًا ومميزًا في نصرة القضايا العربية والوقوف إلى جانبها، وتجلى ذلك في موقفه من العدوان الثلاثي على مصر عام 1956، حيث وقف إلى جانب مصر بكل امكانياته وحرك الشارع الكويتي والخليجي للوقوف معها في وجه العدوان، كما وقف بكل قوة إلى جانب الشعب الجزائري والثورة الجزائرية، وإلى جانب الثورة في اليمن وقدم المساعدات المالية وغيرها، كما وقف الدكتور الخطيب إلى جانب الجبهة الشعبية لتحرير عمان والخليج العربي وكان له دور كبير في تأييدها. أما القضية الفلسطينية، كانت القضية المركزية الأولى والأهم له وبقيت محور نشاطه وعمله طوال حياته وقدم لها الكثير.. الكثير.. وشعبنا الفلسطيني لن ينسى للدكتور الخطيب مواقفه المشرفة.

نعم رحل الدكتور الخطيب، ورحل معه جزء من التاريخ والذاكرة، رحل جسدًا ولكنه بقي فكرًا ومواقفًا وممارسةً، رحل من كان يصنع الأحداث ويعيش في قلبها، حيث كان مدرسة استثنائية في العمل الوطني والدفاع عن القضايا العربية، وفي هذه المناسبة الأليمة والحزينة، نتقدم من عائلته وأصدقائه ورفاقه ومحبيه في الكويت والخليج خاصة، والوطن العربي عامة، بأحر التعازي والمواساة.. ونعاهدهم نحن أبناء فلسطين بأن نبقى أوفياء لمسيرته ورفاق دربه الحكيم ووديع.. حاملين الراية حتى تحرير فلسطين كل فلسطين.