إنّ ما يجري في النقب هو صراعٌ على الحيّز الوجوديّ، الذي ركناه هما: الإنسانُ والأرض. وما ينفّذُ في أراضي بئر السبع عبارةٌ عن استمرارٍ للفكر الاستيطانيّ التوسّعي؛ بحجّةِ زراعةِ الشجر الذي هو في الأساس خلعٌ للبشر من قراهم، ويعدُّ الصندوقُ القوميُّ اليهوديُّ صاحبَ الدورِ الأساسيّ والمحوريّ لنظام الأبارتهايد الإسرائيلي، فهو الذراعُ التنفيذيّ لعمليّات التهجير والتطهير العرقي المنظّم ضدَّ الشعب الفلسطينيّ منذ قرنٍ من الزمان.
مثّلت صحراءُ النقب الصحراءَ الوحيدةَ في فِلَسْطين، فهي تتّخذ شكلَ مثلّثٍ، رأسُهُ خليجُ العقبة وحدُّهُ الشمالي الخطُّ الممتدُّ من نهر العوجا قربَ الحدود المصريّة الْفِلَسْطينِيّة، حتى جنوب البحر الميّت، قدّرت مَسَاحَتُها 10.500 كيلومتر مربع، وتمثّل 38.85% من مَسَاحَة فِلَسْطين، صنّفت أراضي بئر السبع وَفْقَ القانونِ العثمانيّ عامَ 1858م بالْأَرَاضي الموات، ورفضَ بدوُ النَّقَب وضعَ وثائقَ خطيّةٍ لممتلكاتهم؛ لأنّهم اعتقدوا أنّهم إنْ فعلوا ذلك فإنّهم سيصبحونَ تحت حكمٍ أَجْنَبِيّ، وسيُفرض عليهم دفعَ الضَّرَائِب، والخدمة في الجيش الْعُثْمانِيّ، وحين أصدر هربرت صموئيل عام 1921م قانونًا دعا فيه أهلَ النَّقَب لتسجيل أراضيهم لم يلتزموا بذلك، ثم إنّ الْحُكُومَة لم تفتح مكتبًا لتسجيل الْأَرَاضي في بئر السبع وما جاورَها، وهي لم تفعل ذلكَ خشيةً من الدخولِ في مواجهةٍ مع القبائل البدويّة، وحرصًا على عدم المواجهة مع تلك القبائل على الحدود الجنوبيّةِ من فِلَسْطين، التي لها امتدادُها مع دولٍ مجاورة.
بدأ اهتمامُ الصُّنْدوق القوميّ - أسّس عام 1901م - بالنقب، ووجد فيها أَهَمِّيَّةً خاصةً لحيازةِ مَساحَاتٍ من أراضيها الواسعة؛ كونها بعيدةً عن سيطرة الْحُكُومَةِ الْعُثْمانِيّةِ بشكلٍ أساسٍ، وظلَّ الوجودُ الاستيطانيُّ محدودًا حتّى عام 1934م، فلم يكن فيه سوى مُسْتَوْطَنَةِ روحاما، حيث حظرت الْمُنَظَّمَةُ الصّهْيونِيّةُ على الصُّنْدوقِ الاستيطانَ في النقب؛ بسببِ عدم صلاحيّتِها للزراعةِ من جهة، ومن جهةٍ أخرى بسبب ارتفاعِ التكلفة لجعلِها صالحةً للاستيطان، ورفضِ المستوطنين الاستيطانَ في النقب.
في سنواتٍ لاحقةٍ عدَّ الصُّنْدوقُ أنَّ عدمَ استيلائِهِ على أجزاءٍ من النَّقَب خطأٌ اسْتِراتيجِيٌّ، ينبغي تلافيه سريعًا، فمنطقةُ النَّقَب قليلةُ السكانِ مقارنةً بمَسَاحَتها، وبالإمكان استغلالُها لتوطين المهاجرين الصَّهايِنَة، ووصل إجمالي استملاكات الصهاينة ثلاثَ قطعٍ من الأرض حتى عام 1936م، لكن دون أن يتمكّنوا من بناء أيِّ مُسْتَوْطَنَةٍ عليها.
أكَّد موشيه شاريت عام 1937م، عقبَ قرار اللجنة الملكيّة بيل لاقتراح تقسيم فلسطين: "علينا أن نصرَّ بكلِّ قوّةٍ على أن يكون النَّقَبُ حتّى الحدود المصريةِ ووادي عربة، مع كاملِ الشاطئ الغربي للبحرِ الميّت ضمن مِنْطَقَةِ الانْتِدَاب"، مع دخول قانونِ عام 1940م حيزَ التنفيذ، الذي عدَّ أنّ ملكيةَ القبائل البدويّة في النَّقَب ملكيّةٌ زراعيّةٌ فَقَطْ، وليست برهانًا على ملكيّتهم للأراضي التي استغلوها وأحيوها سابقًا، ووجَّهَ دافيد بن جوريون أوامرَه للصندوق بزيادة التوغّل في الجنوب؛ للوصول بالاسْتِيطان لمناطقَ لم يصل إليها من قبل، أمّا لويس برانديس، فكتب: "لا يمكننا تقبّل نصيحة عدم حماية الصحراء، وحماية تل أبيب، لو لم نسيّطر على الصحراء فلن نسيطرَ على تل أبيب"، ورفض فكرة أن النَّقَب باقٍ، ولن يهرب.
وتطبيقًا لاسْتِراتيجِيّة بن جوريون الذي لديه قناعةٌ بإقامةِ دولةٍ صهْيُونِيّةٍ بين قارّات العالمِ؛ آسيا وإِفْرِيقيّة وأوروبا، يستطيعُ من خلالها التوسّعَ على حساب الدول المجاورة، أقيمت ثلاثُ مُسْتَوْطَناتٍ متقاربةٍ في ثلاثِ نقاطٍ في بئر السبع؛ هي بيت إيشل، وريفيفيم، جفولوت، فكانت أشبَهَ بمراكزِ مراقبةٍ ونقاطٍ عسكريّةٍ؛ مهمُّتها تأمينُ ملكيّة الصُّنْدوق في النَّقَبِ والجنوب، خشيةً من إمكانيّة حصولِ مواجهةٍ عسكريّةٍ مع مصر، وتمكَّنَ الصُّنْدوقُ من إقامةِ إِحدى عشرةَ مُسْتَوْطَنَةً في ليلةٍ واحدةٍ عشيّةَ عيد الغفران 6 أكتوبر1946م، كما أقام الصُّنْدوقُ أربعَ مُسْتَوْطَناتٍ أخرى في النَّقَب قبل اجتماعاتِ الْجَمْعِيَّة العام للأمم المتّحدة وإصدارِ قرار التقسيم، وحين صدر قرارُ لَجْنَة الأمم المتّحدة وتوصياتها بتقسيم فِلَسْطين في 29 نوفمبر1947م؛ شعرت الْمُنَظَّمَةُ الصهيونيّةُ بالهدوء وتنفّست الصعداء؛ لأنّ النَّقَب ضُمَّ للدولة الصّهْيونِيّة.
بعد قيام دولة الاحتلال تمَّ الأخذُ بالقوانين التي تحكم الصندوق القومي في إدارة الأراضي، التي تمثّل نموذجًا للتمييز العنصريّ عام 1953م، عندما سنَّ الكنيست الإسرائيلي قانونًا أعطى الصندوقَ مكانةً خاصةً؛ بوصفه مؤسّسةً صهيونيّةً تمثّل اليهود فقط، تنفذ قرارات الحكومة؛ ما مكّنه من السيطرة على 13% من أراضٍ وُصفت بأراضي دولة إسرائيل، وأنيط به تعيينُ ستةٍ من بين ثلاثةَ عشرَ عضوًا يمثّلون سلطةَ الأراضي الإسرائيليّة، ومن ثَمَّ سلّمت فيها الأراضي التابعة للصندوق لسلطة الأراضي الاسرائيليّة، وجرى تجميدٌ شكليٌّ لأعمال الصندوق عام 1993م، لكنّها استمرّت بنشاطها عام 2014م مع زيادة التبرعات لحسابه من اللوبي الصهيوني العالمي، تحت ستار أنّه جمعيّةٌ خيريّةٌ بيئيّة، ولكنّه فعليًّا مؤسّسةُ عدوٍّ للبيئة الفلسطينيّة، تحشّد الدعم لإخفاء معالم النظام العنصريّ الإسرائيليّ.
اليوم يعيشُ أهالي النقب على 5% من أراضيهم في حين سيطرت إسرائيل على نحو 95% من أراضي النقب، ويشكّل أهالي النقب 300 ألف نسمة بمعدّل نحو 32% من سكّان النقب، وما يدور في النقب يمثّلُ إعادةً لمشروع برافر العنصريّ لعام 2013م، الذي أسقط بفعل التصدّي الشعبيّ لأهالي النقب.
اتّخذت إسرائيلُ من نشاط الصندوق القوميّ في زراعة الأشجار وتشجير الغابات والمنتزّهات والمرافق وسيلةً لمحو أثار التطهير العرقي الذي طال أكثر من ثلث الشعب الفلسطيني، أي أنّ التحريش يمثّل اعتداءً استيطانيًّا مغلّفًا بطريقةٍ ملتويةٍ وبذرائعَ واهية، ونفّذت تلك المشاريع على القرى الفلسطينيّة المدمّرة والمهجّرة، أي أنّ الصندوق القوميّ أداةً فعليّةً لإنكار حقوق المهجّرين الفلسطينيّين، ومنع تحقيق عودتهم، عبرَ الاستمرار في سلب أراضيهم.
هذا العام اشتدّت الهجمة على أراضي النقب مع المشروع الاستيطاني الذي قدّرت قيمتُهُ 48 مليون دولار؛ لزراعة أشجار (250 مليون شجرة) من أشجار الصنوبر التي تعدّ خطوةً أولى من خطوات مصادرة الأراضي التي تزايد في الآونة الأخيرة لطرد أهالي النقب من قراهم غير المعترف بها بموجب القانون الإسرائيليّ لترسيخ الوجود اليهوديّ في بئر السبع، تحت ذريعة أنّها أراضٍ فارغة، كما سعت الحكومةُ الإسرائيليّةُ على مدار العقود الماضية إلى نقل البدو والتخلّص منهم إلى المدن المعترف بها، ولكن أهالي النقب رفضوا ذلك، وبقوا في قراهم الصغيرة غير المعترف بها دون أدنى الخدمات.
يستهدفُ الصندوق في مخطّطاتِهِ الجديدة لتحريش أكثر من 40 ألف دونم في النقب، كما هو موضّحٌ في الخارطة، ما يعني وصول الصندوق إلى ما بعد خطّ 25 في النقب تجاهَ خطّ 40 في النقب، وتكمن خطورة ذلك في بسط سيطرة الدوريات الخضراء على المناطق الفاصلة للقرى العربيّة غير المعترف بها، ما يعني وضع مراقبةٍ أمنيّةٍ على أهالي النقب، فضلًا عن سلب تلك الأراضي وما جاورها

إنّ ما يجري في النقب اليوم ما هو إلا محاولةٌ لاستكمال المشروع الاستيطاني عبرَ هذه الحكومة اليمينيّة، المستند على التطهير العرقي المنظّم للسيطرة على ما تبقّى من أراضي فلسطين، وتشريد من صمد في وجه الحروب الإسرائيليّة، ولكن أهالي النقب لم يقفوا مكتوفي الأيدي حيال ما يجري، بل قاوموا هذه المؤسّسة واستطاعوا إجبار الصندوق على إيقاف أعمال التجريف وغرس الأشجار في الأراضي، ومع ذلك ما زالت نارُ الصراع على أراضي النقب مشتعلة.

