Menu

معضلةُ إسرائيل الفلسطينيّة..!

أكرم عطا الله

نشر في العدد 35 من مجلة الهدف الرقمية

منذُ سنواتٍ ليس لدى إسرائيلَ سوى برنامجٍ واحدٍ وهو الهدوء، وعلى كلّ الجبهات، لتهيئةِ ظروفٍ تتفرّغ فيها لتنفيذ مشاريعها، الهدوء في الضفّة، الهدوء في غزّة و القدس ، ذلك كلُّ ما تريده إسرائيل، بل وعملت عليه برنامجًا يساعدها على كسب الوقت. إنّها تخشى التصعيد، ولكن ماذا لو خرج أحدكم وقال: إن الهدوء أيضًا في غير صالح إسرائيل على المدى الاستراتيجي؟ هل يعني ذلك أنّ تل أبيب تمعن في اكتشاف معضلتها أكثر مع شعبٍ واكتشفت عقم وسائلها ضدّه؟

هذا ما جاء في دراسة ميخائيل ميلشتاين - رئيس قسم الدراسات الفلسطينيّة في معهد ديان في جامعة تل أبيب ومحاضر في معهد أبحاث الأمن القومي - حيث كتب "الأمرُ الأكثرُ خطورةً الذي قد تواجهه إسرائيل لن يكون انهيار السلطة، وإعادة المفاتيح أو انتفاضة ثالثة، بل الهدوء الذي يعني مزيدًا من الاندماج بين كلا المجتمعين ومطالبة الفلسطينيين بالدولة الواحدة، كلّ هذا طبعًا من دون نيّةٍ أو وعيٍّ أو تخطيطٍ لإسرائيل، التي قد تجد نفسها في المستقبل في وضعٍ يهدّد وجودها كدولةٍ ديمقراطيّةٍ يهوديّة".

هذا هو بيتُ القصيد ومأزقُ إسرائيل، حيث إنّ التكتيكيّ أصبح خطرًا على الاستراتيجي، والاستراتيجية كنقيضٍ للتكتيك اليومي في تعاملها مع الفلسطينيين، فالتصعيدُ خطرٌ عليها ويفتح أبواب جهنم، ويحدث أزمةً للمجتمع الإسرائيلي والاستقرار، والهدوء أيضًاً خطرٌ ويزداد خطورته مع تقريرٍ مثل أمنستي، الذي صدر مؤخّرًا، واصفًا بشكلٍ جليٍّ إسرائيلَ بدولة الأبرتهايد، وهو ما يتجسّد ويتجلّى حتى أثناء الهدوء.

التصعيدُ يذكّر إسرائيل برفض الشعب الفلسطيني العيشَ تحت الاحتلال، ويقدّم لها دروسًا تاريخيّةً بحتميّة جلاء الاحتلال، كما كلّ الشعوب التي ناضلت ضدّه، ما يعني الفصل بين الشعبين، ولن يقبل الفلسطينيون بأقلَّ من دولةٍ فلسطينيّةٍ وَفْقَ الإجماع الفلسطيني وعاصمتها القدس، التي تتمسّك إسرائيلُ بتهويدها وتحويلها كلِّها إلى عاصمةٍ لإسرائيل، وقد اتّضحت نواياها فترةَ دونالد ترامب عندما طلبت منه الاعترافَ بها كاملةً عاصمةً لها.

خيارُ الفصل مكلفٌ ولا تريده، وبات الإجماعُ الإسرائيليُّ مؤمنٌ بالسيطرة على القدس والضفّة الغربيّة ونشر المستوطنات، ومن ثَمَّ أصبحت فكرةُ الفصل وَفْقًا للشروط الفلسطينيّة خارجَ الإجماع الإسرائيلي، ولأنّها دولةٌ مسلّحةٌ بالقوّة، ولن يستطيعَ المجتمعُ الدوليّ ومؤسّساتُهُ إلزامَها بالتفاوض على الفصل، يمكن القول: إنّ تلك الفكرة التي جرت محاولتها قبل ثلاثةِ عقودٍ اتّضح بفضل الغطرسة والدهاء الإسرائيلي أنّها لم تعد قائمةً أو أنّ الواقعَ أثبت أنّها ليست ممكنة.

ما هو بديلُ إسرائيل؟ استمرار الاحتلال وإقامة مستوطنات واستمرار التحكّم بشعبٍ آخر، هذا بالتأكيد سيؤدّي في نهاية المطاف لتآكل شرعيّة أي حكمٍ فلسطينيٍّ في الضفّة الغربيّة، وبالنهاية إلى انهياره، لتجد إسرائيل نفسها مباشرةً أمامَ شعبٍ تتحكّم به بشكلٍ مباشر، فما هي الخيارات حينها؟

الخيارُ الأوّلُ التصعيدُ وانتفاضةٌ شعبيّةٌ شاملة، ستستدعي للذاكرة الجمعيّة أصلَ الأزمة والتحرّرَ وحركةَ شعبٍ ومجتمعٍ دوليٍّ وإعلامٍ وسوشيال ميديا وتساؤلاتٍ عالميّة، ستزيد من الخناق على إسرائيلَ لنبذها وإدانتها، وقد شهدنا البروفة أثناءَ عدوان أيار العام الماضي على غزّة، كيف كانت صور العنف الإسرائيليّ تدفع الناس للتظاهر ضدها في كبرى عواصم العالم.

ولنفترض سيناريو آخر تحلم به إسرائيل وهو عدم الاعتراض على الاحتلال ووأد المقاومة وتطويع الشعب الفلسطيني وقبوله بواقع السيطرة، ولكن حينها ستستمر إسرائيل ببناء المستوطنات ووضع الفلسطيني في معازل وممارسة التمييز بين قوميتين، وهو التجسيدُ الفعلي للأبرتهايد، الذي لم تصمد أمامه جنوبُ إفريقيا، نتاج الضغط الدولي ورفض العالم لنظامٍ يقوم ويمارس عنصريّةً ضدَّ شعبٍ آخر. ذلك بالنهاية سيدفع تجاه حلٍّ آخرَ ومختلِف، وهو كما يقول بعضُ خبراء الاستراتيجيّة نهاية حلم الدولة اليهوديّة، الذي أشار له ميلشتاين، فالعالم يتغيّر وأصبحت العنصريّة على المستوى الدولي، وبالنسبة لشعوبٍ وأجيالٍ صاعدةٍ تهمة مقيتة، لن يستطيع أيُّ نظامٍ كونيٍّ الصمودَ أمام قوّة تأثيرها، ولن يستطيع أيُّ نظامٍ سياسيٍّ في العالم التفاوضَ مع نظامٍ سياسيٍّ يمارس أبرتهايد، وسيحقّقُ الضغطَ الشعبيَّ والدوليَّ نتيجةً واحدة، وهي تفكيكُ النظام العنصريّ أو محاصرته ونبذه.

إذن، فكلُّ الخيارات أمامَ إسرائيلَ مغلقةٌ. وهكذا يصطدمُ التاريخُ مع حقائقه حين يتصوّر طرفٌ أنّ بإمكانه خداعُ التاريخ وتأبيد احتلال، فالمعادلة كما يراها باحثو إسرائيل متحقّقة، إمّا أن تدفع ثمنًا عاجلًا بالهروب من شعبٍ أو أن تنتظرَ أن يأكلها من الداخل.. ينهشها ويقضي على الحلم، وتلك الأزمة هي أزمةُ التكوين منذ النشأة، حين أعلن مؤسّسها إقامةَ دولةٍ يهوديّةٍ قوميّةٍ دينيّةٍ في زمنِ انهيار القوميّات بعد الحرب، وانتهاء عصور الكنيسة وحكم الدين، هذا هو مأزقُها الاستراتيجيّ الذي نمت بذرتُهُ يومَ التأسيس!