Menu

الدورُ الدّوليّ في تأجيجِ الصراعِ في ليبيا

د. مصطفى عمر التير

نٌشر في العدد الـ35 من مجلة الهدف الرقمية

أستاذُ علمِ الاجتماع/ ليبيا

عندما انطلقت الانتفاضةُ الشعبيّةُ الليبيّةُ التي أصبحت تعرف فيما بعد بثورة 17فبراير2011، تمنّى مفجّروها أن تكون حركةً سلميّة؛ انعكس ذلك بوضوحٍ خلال هتافاتِ الشباب الذين ساروا في مدينة بنغازي ليلةَ الخامس عشر من ذلك الشهر (لا تخريب ولا تكسير... نبو شباب للتغيير). وبعد أن تعرَّضوا لهجومٍ من قبل عناصرَ من اللجانِ الثوريّة ومن الأمن؛ ارتفعت هتافاتٌ أخرى من نوع: (يا بنغازي ليش الذل.. نبوا في هذه الليلة حل)، ثمّ ارتفع السقف فوصل إلى (الشعب يريد تغيير النظام).

لم يتوقّع القذافي الذي حكم البلادَ أكثرَ من أربعةِ عقود، أن يأتي يومٌ ويخرج شبابٌ في مدينةٍ ليبيّةٍ في تظاهرة، ومن تلقاء أنفسهم، وتصدح حناجرهم بهتافاتٍ تختلف عن تلك التي تعوّد سماعها في مختلِفِ المناسبات التي يلتقي فيها بجمهور. جميع التجمّعات التي تحدث في الفضاء العام التي سادت البلاد في خلال حكم القذافي، كانت عبارةً عن مسيراتٍ مبرمجةٍ مقدّمًا، وكانت هتافاتها كما هو الحال في كلّ نظامٍ دكتاتوريٍّ عبارةً عن تمجيد الزعيم مثل: (يا قائد نحنا حراسك... كل الرؤوس فدى لرأسك، تبي وإلا ما تبيش.. من غير معمر ما فيش)، لذلك كانت ردةُ فعلِ النظام قويّة؛ بهدفِ وأدِ الحراكِ الشعبيّ في مهدِه. لكن حدث العكس، إذ وصلت شرارةُ الحراك الشعبيّ إلى مختلف أرجاء البلاد، وتحوّل منذ أسبوعه الأوّل - بعد أن تزايدت أعدادُ القتلى والجرحى - إلى صدامٍ مسلّح، وبدلًا من التفكير في وسائلَ للتهدئة؛ اتّهم القذافي الشبابَ بأنّهم مغرّرٌ بهم من قبل عددٍ من الخونة التابعين لأجهزة مخابراتٍ أجنبيّة، مهدّدًا الجميعَ بتتبّعهم في كلّ مكان، للقضاء عليهم وتطهير البلاد من شرهم.

يستسلم الشباب، بل ارتفعت حدّةُ تظاهراتهم بعد انضمام الكبار، بمن فيهم بعض رجال الجيش من المتقاعدين أو المسرحين، وفي خلال أسبوعٍ انسحبَ مسؤولو النظام من جميع مدن وبلدات الإقليم الشرقي، وأصبح الإقليم بكامله تحت سيطرة الثوّار. انتظم بعضُ الشباب ومن انضم إليهم من جيل الكبار في مليشياتٍ مسلّحة، تولّت الحراسة وتنظيم بعض شؤون الأمن، وأسند لإحداها حراسة المنفذ الحدودي مع مصر، حيث سمح بالدخول لكلّ قادم، دون تأشيرات دخول من صحافيين، وليبيين يعيشون في الخارج، ومتعاطفين مع الثورة بغض النظر عن جنسيّاتهم؛ ولأنّ إنشاء اليشيات يتمّ بناءً على اتّفاقٍ بين أي عددٍ من الأفراد، ولتوفّر السلاح في البلاد، أمكن لكلّ جماعةٍ انتظمت على شكلِ مليشيا الحصولَ على سيارات، وقطع سلاح، واختيار اسم تكتبه على سياراتها وتبدأ نشاطها. ومنذ الأيام الأولى للثورة بدا واضحًا أن بعض القادمين من الخارج كانوا مرتبطين بدولٍ وبتنظيماتٍ خارجيّة، ولهم برامجُ معدّةٌ مسبقًا، وأهدافٌ ليس من بينها ما أعلن عنه الشباب: بناء الدولة المدنية.

تشجعت بعضُ المليشيات بعد أن حصلت على كميّةٍ مناسبةٍ من الأسلحةِ الخفيفة، وتوجّهت غربًا لبسط سيطرة الثوّار على بقيّةِ التراب الليبي، لكنّها سرعان ما واجهت قوّاتٍ نظاميّة، وتحوّل الحراك الشعبي إلى حربٍ أهليّة، واستنادًا إلى أعداد القتلى والجرحى، كان الثوّار في الجانب الخاسر.

هذا الوضع عددًا من زعماء الدول العربيّة والغربيّة، خصوصًا من الذين لهم تجاربُ غيرُ جيدةٍ مع القذافي، إلى المسارعة إلى التدخّل في الشأن الليبي. كانت البدايةُ على مستوى التنديدات وعبارات الاستنكار. لم يبادر زعماءُ الدول العربيّة الكبرى، مثل: مصر والسعوديّة والجزائر إلى التنديد بما كان يجري في ليبيا، إنّما قامت بهذا الدور دولة قطر التي نشرت خلال الأسبوع الأوّل من الحراك الشعبي، تصريحاتٍ تؤكّد اهتمامها بالأحداث التي تجري في ليبيا، ثمّ صعّدت من لهجتها عندما طالب رئيسُ وزرائها القذافيَّ بالتنّحي؛ ليجنّبَ البلادَ التدميرَ والخراب. سارع عددٌ من الرؤساء الغربيّين إلى تأييدِ هذا الاقتراح، يتقدّمهم الرئيسُ أوباما والمستشارةُ الألمانيّة والرئيس الفرنسي ورئيس وزراء بريطانيا، ولحق بهم فيما بعد رئيس وزراء إيطاليا بالسكوني، الذي كانت تربطه بالقذافي علاقاتٌ خاصة. وبعبارةٍ أخرى حسم الغربُ أمرَهُ منذ الشهر الأوّل للثورة الليبيّة، وقرّر وجوب تنحي القذافي، لم يرق الاقتراح للقذافي، بل زاده تشدّدًا وتعنّتًا وتأكيدًا على حسم الصراع بالقوّة، خصوصًا بعد أن نجحت كتائبُهُ الأمنيّةُ في استعادة السيطرة على جميع المدن في الغرب الليبي باستثناء مدينتين، وباشرت بعضُ قوّاته بالتحرّك نحو مدن الشرق.

لم يكتفِ زعماء الدول بخطابات الاستنكار، إنّما أتبعوها بقراراتٍ لمنظّماتٍ إقليميّةٍ ودوليّة. كانت البداية بقرار مجلس التعاون الخليجي، ثمّ مجلس جامعة الدول العربيّة، وانتهاء بمجلس الأمن الذي أصدر القرار رقم (1970) لعام 2011، الذي طلب فيه وقف العنف فورًا، ولما لم يستجب القذافي أصدر القرار رقم (1973) لعام 2011، الذي وجدت فيه الدول التي كانت وراء إصداره، مبرّرًا للتدخّل العسكري. وهكذا بعد مرور حوالي شهر من بداية الثورة، بدأ التدخّل العسكريّ الذي جمع بين قوّات 19 دولة، بينها دولتان عربيّتان. تولّت الولايات المتّحدة القيادة في خلال الأيام الأولى، ثم سلمتها لحلف شمال الأطلسي. انحصر التدخّل في سلاحي الطيران والبوارج الحربيّة، وترك للشباب مهمة الحرب على الأرض. تكاثر عدد المليشيات، وتنوّعت خلفيّاتهم بين مناطقيّةٍ وعقائديّةٍ وأيديولوجيّة. لم تنتظم جميعها تحت إمرة سلطةٍ مركزيّة، علمًا بأنّ مأسسةَ الثورة بدأت مبكرًا متمثّلةً في المجلس الوطني الانتقالي الليبي، الذي كان من بين أولوياته التنسيق بين المليشيات، وأصرّ بعضُها على المشاركة في الحرب كوحداتٍ مستقلّة.

تعمّدت بعضُ الدول التي تدخّلت في الشأن الليبي عند تقديمها المساعدات سواءً كانت موادًّا غذائيّةً أو معدّاتٍ طبيّةً أو أسلحة؛ تخطي المجلس الوطني الانتقالي الليبي، والاتّصال بقادة بعض المليشيات مباشرة، الإجراء الذي ساعد على تقوية مركز قائد المليشيا ووسّع من رأس ماله الاجتماعي، لذلك اضطرّ الذي لديه رغبةٌ في الحصول على مكانٍ في المشهد السياسي، والاحتفاظ به، إلى التحالف مع مليشياتٍ قويّة، أو مع تحالفِ عددٍ من المليشيات، أو إلى إنشاء مليشيا جديدة.

لم تعر قيادةُ الثورة اهتمامًا لهذا الخلل في طريقة تقديم الدعم والمساعدات. لكن بمجرّد انتهاء الصراع ضدّ كتائب القذافي الأمنيّة، برزت على السطح نتائجه السلبيّة، إذ تسابقت المليشيات لاحتلال مختلف أنواع المباني والمؤسّسات، ابتداءً من مكاتب الوزارات والدوائر الحكوميّة والمؤسّسات العامة، إلى المباني والاستراحات التي هرب أصحابها، إلى المدارس والجامعات ومعسكرات الجيش والكتائب الأمنيّة، وإلى الموانئ والمطارات. نظرت كلُّ واحدةٍ للموقع الذي احتلته كغنيمةِ حرب، فاستباحت ما توفّر في داخله من معداتٍ وأدواتٍ ومواد، ثم تولّت حراسته وحتى إدارته في بعض الحالات.

قيادةُ الثورة في وضع خطةٍ يتم بموجبها، قيامُ المليشيات في المرحلة الأولى، تسليم أسلحتها الثقيلة من دباباتٍ وراجماتِ الصواريخ ومدافع الهاوزر. اعترضت قياداتٌ خارجيّةٌ لها علاقاتٌ قويّةٌ بمليشيات، فلم يتحقّق هذا الترتيب الذي كان ضروريًّا، لتتمكّنَ السلطةُ المدنيّةُ التي ستشكّلُ من تنفيذِ برنامجها السياسي والاجتماعي.

وضع المجلسُ الوطنيّ الانتقاليّ المؤقّت خارطةَ طريقٍ عنوانُها بناءُ الدولة المدنية الديمقراطيّة، تنجز ضمن مراحل، تبدأ بتنصيب حكومةٍ انتقاليّة، كان من أهم مهامها تنظيم انتخابات لاختيار سلطةٍ تشريعيّة (المؤتمر الوطني)، الذي شكّل فور انتخابه حكومةً جديدةً عرفت بالحكومة المؤقّتة. كان من بين مهامها إجراء انتخابات لاختيار سلطةٍ تشريعيّةٍ جديدة (البرلمان). فور إنجاز هذه المهمة لم تقبل بعض الأطراف السياسيّة بالنتيجة، حرّكت المليشيات المتحالفة معها، التي شنّت هجومًا على مطار طرابلس الدوليّ وما حوله، ودخلت في حربٍ دامت 42 يومًا، دمّر فيها المطار وجميع معدّاته والطائرات التي كانت موجودة، واضطرّت الحكومة إلى الهرب نحو القسم الشرقي. وشكّلت السلطة التشريعيّة القديمة التي يفترض أن مهمتها انتهت بانتخاب البرلمان، وبدعمٍ من المليشيات التي انتصرت، حكومة سميت حكومة الإنقاذ الوطني، ثمّ جاءت حكومة الوفاق الوطني بمقتضى اتّفاق الصخيرات وبدعمٍ من الأمم المتحدة، وأخيرًا حكومة الوحدة الوطنيّة التي تشكّلت عن طريق ملتقى الحوار السياسي الليبي الذي عقد في سويسرا برعايةِ الأممِ المتّحدة.

تضمّنت جميع الحكومات حقيبتي الدفاع والداخليّة، ويفترض أن تكون المهمّة الأولى للذين سيشغلون هذه الحقائب بناء جيش وشرطة، ولكن فشل الجميع في إنجاز هذه المهمّة؛ لأنّ المليشيات التي لها الكلمة العليا وقفت ضدّ تحقيقها.

التدخّل الدوليّ تمَّ تحت ذريعةِ حمايةِ المواطنين، لكن سلاح الطيران وصواريخ التوماهوك من البوارج الحربيّة المقابلة للشاطئ الليبي، ألحق دمارًا كبيرًا بالبِنيّة التحتيّة، خصوصًا في مدينتي طرابلس وسرت، وعلى طول الطريق الساحلي الممتدّ من الحدود التونسيّة حتّى مدينة بنغازي. استمرّت عمليّة التدمير، إذ اشتعلت حروب المليشيات فور الانتهاء من مراسم الاحتفال بما سمّاه الثوّار بيوم التحرير. نشبت صداماتٌ في داخل المدن وأخرى بين المدن ثمّ بين الأقاليم. لم تتوقّف الصدامات المسلّحة بين المليشيات، وألحقت بعض حروبها دمارًا كبيرًا في أهمّ المدن، شملت درنه وبنغازي وسرت وطرابلس، وكانت أخطر هذه الحروب التي جرت في عام 2019 وظهرت كأنّها بين إقليمي برقة وطرابلس، وبلغ عدد الدول التي تدخّلت لدعم أحد الطرفين 14 بلدًا، بدت فيها روسيا أهم دول المجموعة التي دعمت أحد طرفي النزاع، و تركيا المجموعة الثانية. وقد كانت حربًا بالوكالة بكلّ ما تعنيه هذه الكلمة، بين دولٍ تتنافس على النفط والغاز ومشروعات إعادة الأعمار، بينما دفع الليبيون ثمنًا باهظًا في الأرواح والأموال وتعثّر بناء الدولة المدنيّة.