ما زال يواجه الحقيقة على الرغم من محاولاته الفاشلة للهروب، بات على أبواب الإدراك أن الهروب كان يعمل معه على العكس تماماً، مما كان يفكر لقد كان هروب إلى الأمام، يشبه ذلك أن تهرب صباحاً من الشرق عن الشمس لتجدها عند ساعات العصر غرباً.
تركض لحظات الوعي الزائف في رأسه كأن الأخير مضمار لسباق الخيول، هو يعلم من قبل أن الوعي حتى لو كان زائف هو جنون أو ربما كما قال دوستوفسكي: "أن كل وعي مرض"، رفع يديه على رأسه وانتزع شعره فضية اللون وقال: أنا مريض نفسياً كما قال دوستوفسكي.
بحث في علبة السجائر عن سيجاره جديدة ولكن كانت العلبة فارغة، كان هناك إشارة قال لنفسه، إشارة مثل: ماذا؟ يعني عليك الاقلاع عن التدخين، أنت تواسي نفسك لن تستطيع ذلك، لأن القضية أن الإشارة خاطئة دعك من هذه الثرثارات الغبية التي لا تتنبئي من خلالها شيئاً.
قفز كالمجنون بعدما رمى القلم وصرخ بصمت أشتهي رائحة التبغ، وقف صامتاً عندما جاء السؤال إلى رأسه كأنه الموت: هل تترك القلم الذي يأتي لك بالسعادة من أجل سيجارة تجلب لك الألم؟ وجد نفسه يجاوب ولكن أنا أحب السيجارة، ويبدو أنك تحب الألم هكذا علق على الموضوع "أن الألم ينهش قدمي وأسفل بطني يأتي من الأسفل يخنقني، يبدو أنه كالنار عندما تلتهم عيدان الحطب، يقف على صدري يضغط بكل قوة وفجأة ينفجر برأسي كقنبلة، لم يتمكن الجندي في ساحة المعركة من ألقاها على الأعداء لتنفجر في صدره".
وقف مقابل الساعة كسر الزجاج الذي يحميها وبدأ يلعب بالعقارب التي كانت تشير إلى ساعات الصباح، ربما كانت الساعة التاسعة إلا عشر دقائق، قام بتغيير العقارب إلى ساعات المساء، جلس مقابل الساعة ينتظر انتهاء وقت العمل، ولكن جاءت ذكره تطارده كما تطارد الضحية المجرم في الكوابيس، كان يجلس مقابل المحقق الذي وضع خلف ظهره الاخير ساعة على الحائط، كان ينظر اليها محاولاً النجاة بالوقت، أدرك المحقق ما يحدث، عند عودته من الغداء وجد المحقق قد قام بإخفاء الساعة شعر، بأن الوقت قد تم سرقته هو الآخر، ومنذ ذلك اليوم يعيش صراع لإعادة الوقت، قفز على الساعة أعاد العقارب إلى مكانها، بدأ عقرب الثواني يتراقص كعاشقه تحت المطر، وقال لنفسه: أنت تحاول الهروب من الوقت، تلك ليست قضيتك، أنت تهرب من القلق، كل ما عليك فعله هو ضبط القلق، وهذا يحتاج إلى ضبط الإرادة.
بدون سابق إنذار بدأ يفكر ويسأل نفسه: ما هو أسوأ ما يمكن أن يحدث لي الموت! الجنون!...؟ ما هو ليكن ما يكون؟ كل ما عليا فعله أن أفهم أسوأ ما يحدث، وبعد ذلك عليا أن أهيئ نفسي لحدوث ذلك وأن أتقبل أسوأ الاحتمالات، ومن ثم قبل أن يبدأ يوم جديد في حياتي أشرع في انقاذ ما يمكن انقاذه، إن خسارة جزءا من الشجرة هو أفضل بكثير من الجلوس والنظر على الجذر يموت يوماً بعد يوم.
جلس على الكرسي يبحث عن شيء ما ربما يساعده على تحفيز الطاقة الراكدة بداخله، ربما يساعده هذا الشيء على اكتشاف الإلهام المبعثر بين الأوراق والكتب والخطوات، وبدأ يقرأ مقال حول تجارب تتحدث عن "الأمل"، وفجأة جاءت فكرة غريبة في رأسه على شكل سؤال "كيف سأقوم ببناء الطوب بدون الطين؟ عاد به هذا السؤال مرة أخرى إلى مربع التحفيز، شعر للوهلة الأولى أن "التحفيز"، هو مربع الجحيم حتى أنه سأل نفسه: كيف أعيش هذا الشعور أنني أشعر بالذنب لأنني شعرت بالذنب؟
فجأة تذكر شيء مهم هي معادلة، ربما تكون جنون، ولكنها قابلة للتطبيق، وقبل الخوض فيها تذكر شيء أخر "الطوب سوف ينهار لذلك عليا صناعة الطين!"، شعر بالراحة لهذه الفكرة وقال لنفسه: استمر عليك التفكير بهذه الطريقة، إذاً كيف يمكن صناعة الطين؟ وجد نفسه يقول: مهما كان الحجر صغير سوف يقوم بتحريك المياه الراكدة حتماً، المهم إذاً هو أن ترمي الحجر سواء كان صغيراً أو كبيراً، وعاد إلى المعادلة العجيبة التي تقول: أبدأ من النهاية، صمت قليلاً أعاد تدوير الفكرة برأسه وقال: لا تبحث عن التحفيز الذي يأتي لك بالإلهام ثم يأتي الفعل بعد ذلك، سيكون كمن يقوم بإشعال النار في "النتش"، سيشتعل سريعاً وينطفئ سريعاً، كل ما عليك فعله هو قلب المعادلة مئة وثمانون درجة، أولاً أفعل أي شيء سيأتي الإلهام حتماً من زاوية ما ويرافقه التحفيز، تنهد، ضحك وقال: يا للسخرية هل كنت أحتاج كل هذا الوقت لاكتشف المعادلة.. نعم، قم.
كان يفكر في تلك الكلمات وبدأ بالبحث عن كلمات أخرى تساعده لمسانده حائط الطوب بعدما نجح في صناعة الطين حتى لا ينهار الحائط عند العواصف، فجاءت فكرة قديمة برأسه استطاع الحصول عليها في طفولته تقول: لن يستطيع أحد مساعدتك إذا لم تقرر أنت مساعدة نفسك، وقال: هناك شيء آخر، نعم هناك شيء آخر: لا تكن مثل "النتش"، تشتعل سريعاً وتنطفئ سريعاً، بل كن بركاناً هائجاً لا تتوقف الحمم عن الخروج من فوهته.

