في ٢٨/٣/١٩٧٨، رحل عن الدنيا القائد الاستثنائي، صاحب شعار (وراء العدو في كل مكان، شعار جسده واقعا وممارسه عمليه، من خلال ملاحقه العدو وضرب مصالحه وحلفائه في كل مكان من العالم. غادرنا الدكتور وديع حداد المولود في مدينة صفد عروس الجليل الأعلى عام ١٩٢٧، حيث ترعرع وكبر.
الدكتور وديع حداد، أحد مؤسسي حركه القوميين العرب والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين هو بحق أيقونة وظاهرة ثورية ملهمة وفريدة متفردة، تستحق الدرس والفحص، لما تميزت به من استثنائية وهيبة وسرية وإلهام، وما شح المعلومات عنه وعن حياته، إلا تأكيدا صريحا على تفرده وتفانيه وسريته وتضحويته العالية.
عايش وديع حداد النكبة بكل آلامها ومعاناتها عام ١٩٤٨، وهاجر مع عائلته لبيروت، حيث التحق بمقاعد الدراسة في كليه الطب في الجامعة الأمريكية، وكان مسكونا بفلسطين. غادر إلى الأردن، حيث التقى الدكتور جورج حبش الذي كان قد درس وإياه الطب في ذات الجامعة، وافتتحا عيادة لعلاج اللاجئين مجانا. اعتقل في سجن الجفر في الأردن ثلاث سنوات، وبعد تحرره، غادر إلى سوريا وبيروت، وبعد هزيمه الجيوش العربية عام ١٩٦٧، أسس ورفاقه الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، بفكر ثوري وأشكال وأدوات نضاليه خارجه عن المألوف والتقليدي.
شكل وديع حداد مع صديقه ورفيق عمره جورج حبش طرفي معادلة ومزيجا كيميائيا مكتمل العناصر، لا يمكن الفصل بينهما، وتجربتهما تعتبر من أهم ما أنتجه تاريخ النضال الفلسطيني.
من خلال توليه إدارة العمل العسكري الخارجي، والتي تجلت في عديد عمليات خطف الطائرات والعمليات الخارجية التي تميزت بها تلك المرحلة استجابة لطبيعتها وظروفها وتحقيقا لأغراض وأهداف تعريف العالم بمظلومية شعبنا الفلسطيني، وهنا أعتقد أنه من غير المنصف، ربط تجربه وديع حداد بخطف الطائرات فقط، فهذا جانب من التجربة، وحتما هناك جوانب أخرى مضيئة وملهمة والتي هي جزء مشرق من مسيرة شعبنا الكفاحية ضد هذا المشروع الصهيوني المجرم.
أثبت وديع حداد قدراته العالية وتميز بالدقة في التنفيذ والسرية والتمويه والتخفي والإبداع في التخطيط العملياتي، حيث أخضع نفسه لقواعد صارمة وحازمة، من أجل النجاح وتحقيق الأهداف، وكان بعيدا عن الاطلالات وبريق العدسات والإعلام.
نعم.. أوجع العدو الصهيوني وكان هاجسا يؤرقهم، فاتخذ الموساد قرارا باغتياله بيولوجيا، بواسطة شيكولاتة مسمومة، بحسب إحدى الروايات، استشهد على إثرها في ألمانيا الشرقية، ودفن في بغداد.
غادرنا الشهيد وديع حداد، ولم يستطع أحد التسلل إلى قلعة أسراره وأسرار العمل الخارجي، وهنا تتجلى استثنائية وديع حداد، في الغموض، حيث أن كل الروايات ناقصة وعاجزة ومقصرة.. رحل وديع حداد الغائب الحاضر، حاملا أسراره معه، لم يترك سوى عشقه لفلسطين وتفانيه في الاشتباك مع العدو الصهيوني في كل مكان.. فلروحه المجد والسلام.

