تشاءُ المصادفةُ الرذيلةُ أن يلتقي المطبّعون العرب في أرض النقب، هؤلاء المطبّعون لا يعرفون من التاريخ إلا قشرته، ولا يمحّصون في الجغرافيا، فالحدودُ عندهم هي مساراتُ طائراتهم الخاصّة، فهم يطلّون على الأرض من أعلى؛ يحاولون أن يتّسموا بثقافةٍ حداثيّة، فيظهرون انبهارًا بالمشهد المنسكب من شبّاك الطائرة، هؤلاء منهم من رهن أرضه ومياهه ونفطه للاستعمار، ومنهم من باع المواقع الاستراتيجيّة التي طالما كانت سببًا للحرب مع الكيان المغتصب.
في النقب يجتمعُ على طاولةٍ سداسيّةٍ كنجمة داود؛ مشروعُ حلفٍ شبيهٍ بحلفِ بغداد المقبور، لكنّه هذهِ المرّة أكثر وضوحًا، ففي الخمسينات كان الكيان الصهيونيّ في خلفيّة الحلف؛ كي لا يحرج الرجعيّون العرب من الدخول إليه، فيما اليوم صار حجر الزاوية في هذا الحلف والوكيل الأكبر للإمبرياليّة التي تتّجه شرقًا، لكنّها قبل أن تتّجه تريد أن تتوّج الكيان الغاصب زعيمًا لحلفٍ يحافظ على المصالح الإمبرياليّة في الوطن العربيّ دونَ أيّ رتوش.
في النقب، حيث يدفن أحد دهاقنة الحركة الصهيونيّة وباني الكيان الرئيسيّ (ديفيد بن غوريون)، يلتقي العربان مع أبناء قريظة، هذه صورةٌ فجائية. لكن الصورة الأخرى التي تكوي الوعي والذاكرة بحرّ شمس الصحراء هي أنّ النقب يستدعي الآن عودة الصانع (هبوب الريح)، ويعلن العرب الأقحاح هناك أنّهم عربٌ لا يبدلون المال ورفاه العيش بالكرامة الوطنيّة والحقّ الوطنيّ، ومن ثَمَّ بات النقب في الأعوام الأخيرة عنوان معركة الدفاع عن الأرض والمسكن في المناطق المغتصبة عام 1948.
كان يوم الأرض عام 1976 جليلي بامتياز، حيث كانت وثيقةُ كيننغ العنصريّة، تحذّر من النموّ الديمغرافيّ لفلسطينييّ الجليل، وكان يخطّط لمستوطنةٍ أخرى على غرار كرمئيل في الجليل الأوسط، لكنّه اليوم هو نقبيّ بامتياز، والنقب هو نصفُ مساحة فلسطين التاريخيّة، يمتدُّ من بئر السبع شمالًا إلى أم الرشراش جنوبًا، ومن البحر الميت شرقًا إلى حدود الساحل الغزاوي غربًا، بمساحة تقدر بـ 12 ألف كيلو متر مربع. كانت مدينته المركزيّة بئر السبع محطّة لخطّ الحديد الحجازي، وعقدة اتّصال بين أقاصي بلاد الشام والحجاز ومصر، لم تكن بئر السبع مضارب بدويّة، بل مدينة عريقة بها خليط من السكان العرب منهم من جاء من الشام ليستقرّ بها ومنهم من جاء من الساحل الفلسطيني، ومنهم سكان سبعاويون أصليون، فقد كانت مركز لواء الجنوب في ظل الانتداب البريطاني.
حول المدينة توطنت قرى كثيرة مثل اللقية وحورة وتل السبع وغيرها، إلى أن جاءت النكبة، فقد تمّ تفريغ المدينة من سكّانها كافةً ومواطنيها العرب وتشريدهم، وتم تهويدها بالكامل وكان مصيرها كمصير صفد وطبريا وبيسان من المدن الفلسطينية التي جرى فيها التطهير العرقي الكامل، فيما تبقى عرب في مدن الساحل مثل عكا وحيفا ويافا واللد والرملة، كما صمدت الناصرة وحافظت على عروبتها.
أمّا واقعُ غياب المدينة المركزيّة في الجنوب، تم استحداث مدينة رهط بديلًا عن بئر السبع، لكنّها إلى الآن لم تستطع أن تحلّ مكانها، فرهط مدينة مصطنعة لا تقاليد بها ولا عراقة، ولا تشكّل حتّى الآن مركزًا حقيقيًّا للإدارة كما الناصرة مثلًا، فكل المعاملات الرسميّة للنقب تتم في بئر السبع.
لم تتوقّف عمليّة مصادرة الأراضي وترحيل السكان من قراهم طيلة فترة الاغتصاب للنقب، وقد شُكّل لذلك هيئة خاصّة أشرف عليها بن غوريون مباشرة، وغرس في النقب مشروعه النووي، وأطلقت الحكومة الصهيونيّة دورياتها "الخضراء" لتخرّب كلّ أرض يزرعها أهل النقب ولمنع أي استقرارٍ للمواطنين في هذه المنطقة، يقوم على التحوّل من حالة الرعي المتنقل عبر المضارب المختلفة إلى الزراعة التي تفضي إلى الاستقرار، ورغم ذلك تمسّك النقبيّون بأرضهم وقاوموا الدوريات الخضراء، إلى أن اشتدّت قبضة الاحتلال عليهم من خلال مشروع برافر، الذي كان هدفه مقايضة الأرض بالمسكن والاستيلاء على أكبر مساحةٍ ممكنةٍ من أرض النقب وحشر العرب في كانتونات هي أقرب للمعازل الجنوب إفريقية، واجه الشباب العربي من الجليل والمثلث والنقب مشروع برافر ودفعوا حكومة الاستيطان إلى إعادته إلى الأدراج من خلال التجميد، وليس الإلغاء، ثم جاءت هبّة النقب التي استشهد فيها المعلّم يعقوب أبو القيعان، على إثر محاولات هدم البيوت في حورة قبل أكثر من عامين، ثم جاءت عملية استشهاد الشاب سالم الهربد من رهط، وبعدها عملية محمد أبو القيعان، قبل أيام لتثبت أن الجمر الذي كان تحت رماد الصحراء بدأ يتوهّج.
عدا ذلك، يصمد الشيخ صياح وأهله وسكان العراقيب عامةً صمود الأبطال، فقد قام الاحتلال بهدم هذه القرية للمرة 199، بمعنى أن الشيخ صياح وعشيرته أعادوا بناء القرية 198 مرة، والحبل على الجرار دون كللٍ أو ملل، كل هذا لأنّ العراقيب قريةٌ لا تعترف بها وزارة الداخليّة الصهيونيّة، أسوةً بعشرات القرى التي ما زالت هذه الوزارة، ولا تعترف بها فكان نصر الاعتراف بقرية عين حوض في كنف الكرمل عاملًا دفع إلى مزيدٍ من تحقيق الانتصارات في هذا المجال، ومنها قرى في النقي مثل تل السبع وغيرها.
واليوم يشتدّ عود النقب وأصبح عنوانًا للوطنيّة الفلسطينيّة في الداخل، بعد أن أهملته الحركة الوطنيّة ردحًا طويلًا من الزمن، اليوم يقف فلسطينيو النقب كما وقف أهل عرابة البطوف وديرحنا وسخنين في الجليل عام 1976، اليوم أصبح عنوان الدفاع عن الأرض هو النقب، وباتت مهمة الناس داخل مناطق 48 إسناد هذه الحركة المتصاعدة، فهي ستسهم في تقليص التطوّع في جيش الاحتلال من جهة، وستعزّز الوطنيّة الفلسطينيّة من جهةٍ أخرى.. ويا نقب كوني إرادة.

