المتابعُ للمستجدّاتِ السياسيّةِ في عنوانِها العربيِّ في سياقِ القضيّةِ الفلسطينيّة، يدركُ أنّ مفهومَ التطبيع لم يعد صالحًا لتوصيف السياقات التي تجري فيها العلاقةُ بين هذا الكيان المؤقّت، والكيانات المؤقّتة العربيّة المقابلة له؛ كان مصطلحُ التطبيع في الذهن يعني التعامل بأدنى صوره مع الكيان، كأنَّ يشارك العربُ دولًا أو أحزابًا أو أفرادًا في أنشطةٍ أو ملتقياتٍ أو مؤتمراتٍ ولو في مجالاتٍ دوليّة، حتّى ولو أنشطةٌ هامشيّة، يشاركُ فيها هذا الكيان.
رغمَ أوسلو التزم العرب ولو بحدودٍ معيّنة بأنّ "الدولة الفلسطينيّة بأيّ صورةٍ لو مشوّهة أو صوريّة شكليّة" هي التي تسمح بقيام علاقاتٍ طبيعيّةٍ مع الكيان الصهيوني، إلا أنّ ذلك لا يعفي أوسلو من جرم تدمير الحواجز التي عزلت الكيان طوال عقود، وظلّت الموانع النفسيّة والثقافيّة والاجتماعيّة قبل أن تكون سياسيّةً أو اقتصاديّةً فاعلةً، وتفرضُ التقيّد بها لو ظاهريًّا.
يبغي علينا أن نفكّر بأوسلو، ونعيد التفكير به دائمًا، ليس باعتباره مجرّدَ اتّفاقٍ عابرٍ في سياق الصراع العربيّ الصهيونيّ، بل سنكتشف كلَّ يومٍ أوجهًا جديدةً فيه ومخاطرَ إضافيّة، ومعاني عميقة لفعله فينا وفي محيطنا وقضيّتنا، باعتباره نقطةَ تحوّلٍ كبرى لإجهاض المشروع التحرّري العربي، أي إنّه القذيفة الأخيرة في حرب ٦٧، التي كانت تستهدفُ تدميرَ المشروع القوميّ الناصري، القذيفة المتأخّرة التي وُجّهت لإسكات مصدر النيران التي استمرّت من المتراس الفلسطيني، ولم يستطع السادات شدّها أو الإيقاع بها في اتّفاقات كامب ديفيد ١٩٧٩، بعد حرب تشرين ١٩٧٣.
إذن؛ كان أوسلو بهذا المعنى الوارد أعلاه "قذيفة متأخّرة لإجهاض مشروع النهوض القومي العربي" فهو ليس اتّفاقًا فلسطينيًّا إسرائيليًّا وحسب، بل هو تعبيرٌ عن رؤيةٍ طبقيّةٍ تمثّل شرائح وقوى نخب ممتدّة؛ من المستوى الفلسطيني إلى العربيّ والإقليميّ وصولًا للمستوى الدولي، هذا من ناحية، أمّا من ناحيةٍ ثانيةٍ فهو ترجمةٌ لمحورٍ استراتيجيٍّ كاملٍ لديه تصوّرٌ لطبيعة المنطقة، وما حولها في سياق المنظومة العالميّة للسيطرة والتحكّم والقيادة العالميّة.
ما لزوم كلّ ما تقدّم في نقاش موضوع التطبيع؟
عندما يصبح الكيان المؤقّت طبيعيًّا! فالمشكلةُ تستدعي فحصَ طبيعة المحيطين به؛ لأنّه لا يمكن أن تنشأ علاقةٌ طبيعيّةٌ بين الحقيقيّ والمزيّف؛ الكيان كان وما زال مؤقّتًا ومصطنعًا، مقابل المحيط الشعبيّ العربيّ الطبيعيّ من حوله، هذهِ هي حقائقُ التاريخ والجغرافيا، وكلّ علاقةٍ مع المزيّف والمصطنع؛ تضعُ إشارةَ استفهامٍ كبيرة؛ تصيرُ كلّ الأطراف أمام اشتباه المؤقت والمزيّف والمصطنع. لا أحد يستطيع أن يجعل من المصطنع والمزيّف طبيعيًّا، بل هو قطعًا يروّج لوعيٍ مزيّفٍ في مواجهة الوعي الحقيقي، وعي الحقّ والحقيقة التاريخيّة في مواجهة الاستلاب الاستعماريّ لاضطهاد شعوب المنطقة، ونهب خيراتها على حساب حياة أهلها.
بهذا المعنى؛ يمكن قراءة القمّة الثلاثيّة التي جمعت الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي وولي عهد أبو ظبي محمد بن زايد آل نهيان ورئيس حكومة العدوّ نفتالي بينت في شرم الشيخ، التي قيل فيها وعنها الكثير، إلّا أنّ ما رشّح هو أنّ جلّ اللقاء كان يتناول زيارة الرئيس الأسد لدولة الإمارات؛ شارك رئيس حكومة العدوّ شركاءه؛ المصريّ والإماراتيّ قلقه، من استعادة سوريا لموقعها في الجامعة العربّية، حضورها ودورها العربيّ، حيث انبرى الشريكُ الإماراتيّ؛ يشرح ويوضح ويبدّد قلق شريكه الإسرائيليّ برعايةِ شريكه الآخر المصريّ، باعتبار أنّ أمن هذا الكيان المؤقّت هو جزءٌ لا يتجزّأ من أمن شركائه من دولٍ وممالكٍ وإمارات؛ كان هذا اللقاء بعد أسبوعٍ أو أكثرَ قليلًا من مقابلة ولي العهد السعودي محمد بن سلمان مع صحيفة "ذياتلنتك"، وأكّد فيها أنّه لا يرى هذا الكيان المؤقّت عدوًّا، بل حليفًا محتملًا.
ولو راجعنا الزيارات الأخيرة التي قام بها رئيسُ حكومة العدوّ نفتالي بينت، وعدد من المسؤولين السياسيّين والعسكريّين الكبار في الكيان المؤقّت، لدول وإمارات الخليج؛ من قطر إلى الإمارات والبحرين والسعودية سرًّا، ونراجع جملة الأفكار والمشاريع المطروحة، التي كما يقال حسب المصادر الإعلاميّة للكيان، ومن تصريحات المسؤولين من الأطراف المعنيّة، هذه المشاريعُ تهمّ جميع الشركاء؛ ما يشدّ النظر مشاريع الدفاع الجويّ الشامل للتحالف الجديد من ضمنه، ومركزه الكيان المؤقّت، والإنذار المبّكر، وخصوصًا تعميم تجربة القبّة الحديدية، لتصبحَ مشروعًا للمنطقة ومركزها، الذي يتحكّم فيها الكيان المؤقّت. من الواضح أنّ مشروع الإنذار المبّكر ومنظومات الدفاع الجويّ والمشاريع الأمنيّة الأخرى كلّها؛ تعملُ لصالح الكيان الصهيونيّ بالدرجة الأولى، وموجّهٌ ضدَّ الجمهوريّة الإسلاميّة في إيران.
واللافت هنا أنّ الهامش الذي ينشأ بين الدول الخليجيّة والإدارة الأمريكيّة؛ بسبب تراجع الاهتمام الأمريكيّ في المنطقة، ومؤشّرات رضوخها لمطالب إيران في مفاوضات الملفّ النوويّ، وضعف قدراتها عمومًا في التحكّم بمقاليد إدارة العالم؛ ينعكس تقاربًا بين الأنظمة المؤقّتة خليجيًّا والكيان الصهيونيّ المؤقّت. إنّ الكيان الصهيونيّ المؤقّت يندفعُ ليملأ الفراغ الناشئ عن التراجع الأمريكيّ في المنطقة، ليس على الصعيد العربيّ وحسب، بل يمتدّ إلى تركيا ، حيث وصفت الزيارة التي قام بها رئيس الكيان بالمفصليّة، في تطوّر العلاقات الاقتصاديّة والأمنيّة الاستراتيجيّة بين تركيا والكيان الصهيونيّ المؤقّت.
يشار هنا لملاحظةٍ ذات دلالةٍ على هامش العمليّة العسكريّة الروسيّة في أوكرانيا، حيث سجّلت الأطراف الثلاثة العربي ( مصر وقطر والإمارات والسعوديّة)، والكيان الصهيونيّ المؤقّت وتركيا مواقف ضبابيّة هي أقربُ للأمريكيّ الغربيّ، مع محاولة الحفاظ على هامش مناورةٍ أوسع من حدود المواقف الأمريكيّة الغربيّة الحادة والعدائيّة تجاهَ روسيا، في حين كان الموقفُ الإيرانيّ والصينيّ العكس تمامًا، هو أقربُ للروسي؛ مع هامش مناورةٍ يدعو إلى استمرار المفاوضات وحلٍّ سلميٍّ يقوم على احترام مطالب روسيا، هذه الملاحظة مهمّة، إلا أنّها تشيرُ إلى أنّ حلف هذه الكيانات: الدول الخليجيّة وتركيا والكيان الصهيوني، التي طالما كانت تدور في الفلك الأمريكي وتستمدّ منها قوتها وديمومة بقائها؛ تسعى لبلورة مقاربةٍ خاصّة بها؛ تؤدي في هامش مناورة أوسع من الموقف الأمريكي الغربي. إنّ ذلك لا يعني الخروج الكلّيّ من الفلك الأمريكي، لكنّه ذات دلالة على أن هذه الأطراف تتقارب أكثر فأكثر؛ لأنّ شعورها بالخطر على بقائها يتعاظم، خصوصًا أنه لم يعد باستطاعتها الاعتماد على الأمريكي في حفظ وجودها وأمنها، لذلك سيكون عليهم الاعتماد على بعضهم البعض، في إطالة أمد الحال المؤقّت الذي يعيشونه.

