طالعتنا الأخبار والصحافة، في الأيام القليلة الماضية، عن محاولات الولايات المتحدة الأمريكية، الإطاحة بنظام رئيس الوزراء الباكستاني عمران خان، حيث عملت بكل امكانياتها في سبيل ذلك، مستخدمة أحزاب المعارضة الباكستانية، وأبرزها (حزب الشعب ورابطة عوامي)، وبعد أن نجحت في استقطاب عدد من الأعضاء من حركة انصاف التي يقودها عمران خان، والذين انحازوا إلى صفوف المعارضة، بحيث أصبحت تتحكم في الأغلبية البرلمانية. وقامت أثر ذلك برسم خطتها لسحب الثقة من الحكومة وإسقاطها في جلسة البرلمان.
ومن المعروف أن الولايات المتحدة، ذات تاريخ حافل بالإطاحة بالحكومات والرؤساء والزعماء، الذين لا يسيرون في ركبها ولا يؤيدون سياساتها، وهذا ما حصل في تشيلي في بداية سبعينيات القرن الماضي، عندما أطاحت، بحكومة الرئيس سلفادور الليندي المنتخبة ديمقراطيا، وهذا ما حصل أيضاً عبر الانقلاب العسكري الفاشل الذي نفذته في فنزويلا ضد الراحل هوغو شافيز، ولم يستمر سوى بضعة ساعات وأسقطه الشعب الفنزويلي، وهذا ما حصل في بوليفيا ضد حكومة موراليس، ومرة أخرى في فنزويلا ضد حكومة الرئيس الشرعي مادورو بعد توليه السلطة في أعقاب رحيل تشافيز وإعلانه السير على نفس النهج، وهذا ما حصل في العديد من الدول الأخرى التي عملت على إسقاط أنظمتها بطرق متعددة، بما فيها التدخل العسكري والحصار، كما حصل في أفغانستان والعراق وسوريا واليمن وغيرها، إلى جانب محاولات إسقاط بعض الأنظمة من خلال فرض نظام العقوبات والحصار عليها كما هو الحال مع كوبا وإيران و ليبيا ، ولا ننسى دورها في إسقاط حكومة مصدق الإيرانية التي وقفت في وجه الولايات المتحدة وعملت على تأميم النفط.
أمريكا لا تؤمن بالديمقراطية في دول العالم، إلا بمقدار ما تخدم مصالحها، فهي ضد الديمقراطية وتعمل على إفشالها كما أوضحنا سابقا، عندما تصطدم مع مصلحتها ومع الديكتاتورية والاستبداد عندما يخدم مصلحتها، كما هو الحال في دعمها لهذه الأنظمة في العديد من دول العالم ودعمها الخاص لدولة الكيان واحتلالها الأراضي الفلسطينية وما تقوم به من ممارسات عنصرية وقتل وتدمير.. الخ. فبالنسبة لها ليس المهم أن يكون هذا النظام ديمقراطيا أم ديكتاتوريا، المهم أن يؤمن مصالحها، وهذه هي البوصلة والمقياس الذي تحدد الولايات المتحدة موقفها من خلاله.
استنادا إلى كل ذلك وحقائق التاريخ، عبر السنوات الطويلة الماضية، لا نستغرب مطلقا الموقف الأمريكي الأخير من حكومة عمران خان، والعمل بكل الطرق من أجل الإطاحة بها، خاصة بعد أن فشلت في جلب باكستان إلى بيت الطاعة الأمريكي بعد أن تمردت عليه مع وجود حكومة عمران خان التي رفضت العديد من السياسات والمواقف الأمريكية ووقفت ضدها، حيث عملت على إسقاط الحكومة في البرلمان بعد أن أفقدتها الأغلبية ودعمت المعارضة للسير في سحب الثقة من الحكومة، وأخذت تهدد بتحريك الجيش للقيام بانقلاب والاستيلاء على السلطة، رغم أن عدد من كبار قادة الجيش أكدوا أنهم محايدين ولن يتدخلوا في السياسة.. طبعا لا ضمانات لذلك، كون الجيش تدخل مرات عدة وقام بانقلابات عسكرية سابقا.
والسؤال الآن: لماذا تريد الولايات المتحدة الإطاحة بحكومة عمران خان؟
لقد اعتادت الولايات المتحدة أن تكون باكستان جزءًا من سياستها العالمية وركنا هاما من أركانها، حيث وقفت باكستان إلى جانب الولايات المتحدة دوما منذ قيامها، وبالتالي لا تسطيع الولايات المتحدة أن ترى باكستان تخرج عن هيمنتها وتعارض قراراتها، وهي لن تقبل بخروجها من بيت الطاعة الأمريكي والذهاب إلى الاتجاه الآخر (رغم أن الباكستان أعلنت أنها ليست ضد أمريكا وهي مع علاقات جيدة معها، لكن ليس على حساب مصلحة الباكستان وانطلاقا من مبدأ السيادة والقرار المستقل وعدم التبعية، وكما قال خان لسنا عبيدا ولن نقبل أن نكون عبيدا لأحد)، وهذا لا تقبل به أمريكا، خاصة وأن باكستان شكلت تاريخيا إحدى أهم مناطق النفوذ الأمريكي في العالم، وجميع حكوماتها كانت موالية للغرب وأمريكا تحديدا.
ومع مجيء حكومة عمران خان واستلام السلطة، بدأت سياسة الباكستان تتغير تدريجيا باتجاه الحفاظ على مصلحة الشعب الباكستاني وقراره المستقل، وأصبحت تسير بعيدا عن سياسات الولايات المتحدة وتتعارض معها في الكثير من الحالات.
وفيما يلي نستعرض أهم المواقف التي اتخذتها حكومة عمران خان ضد الموقف الأمريكي:
أولا: رفض إقامة قواعد عسكرية للولايات المتحدة على اراضيها، رغم الطلب المستمر من قبلهم.
ثانيا: التعاون مع الصين في إنجاز المشروع الاقتصادي العملاق (طريق الحرير)، وعدم الخضوع للإرادة الأمريكية وطلبها عدم مشاركة باكستان في هذا المشروع.
ثالثا: رفض الباكستان أن تكون جزءا من عملية التطبيع مع العدو الصهيوني، واستمرار دعمها للشعب الفلسطيني ونضالاته.
رابعا: الوقوف إلى جانب إيران ورفضها الانخراط في سياسة العقوبات الأمريكية ضدها وتوقيع معاهدات اقتصادية وتجارية معها.
خامسا: رفض المشاركة في الحرب ضد اليمن، وعدم إرسال قوات من الجيش لتكون جزءا من قوات التحالف، ومطالبته بالحل السياسي.
سادسا: التأكيد على مبدأ السيادة والاستقلال، ورفض التبعية، إلى جانب مصارحة الشعب الباكستاني في مشاكله وكيفية الخروج منها، ومحاربة الفساد المستشري في البلاد.
سابعا: عدم استغلال ميزات السلطة ومكاسبها واستمراره في حياته كما كانت، لم يسكن القصور واستغنى عن الخدم.
ثامنا: الزيارة التي قام بها إلى موسكو مع بداية المعركة في أوكرانيا (الزيارة كانت مقررة سابقا قبل بداية الحرب)، واتخاذه موقفا يرفض العقوبات على روسيا، وكانت هذه الزيارة الشعرة التي قصمت ظهر البعير، كون الولايات المتحدة لم تعد تحتمل مجمل هذه المواقف المتعارضة مع سياساتها، وقامت بتوجيه الرسائل التي تحمل الإنذار والتهديد بتغيير السلطة، وعملت مع المعارضة ودفعتها للتحرك من أجل سحب الثقة من حكومة خان، وإسقاطها في البرلمان. لقد أمريكا أرادت استخدام هذه الورقة، وهي ليست الوحيدة، وربما تستخدم الجيش، حيث فشل البرلمان وهذا احتمال لا يجوز تجاهله أو استبعاده.
ومن المعروف أن أمريكا والمعارضة الباكستانية، فوجئت بالطريقة المحكمة التي تصدى فيها عمران خان لهذه المؤامرة بالتعاون مع رئيس الجمهورية، مستخدمين المادة الخامسة من الدستور التي لا تجيز ذلك بناء على التدخل الخارجي، واقترح عمران خان حل البرلمان الذي وافق عليه الرئيس وبعدها قدم استقالته وتم بقاؤه في منصبه لمدة ثلاثة أشهر، وهي فترة التحضير للانتخابات البرلمانية الاستثنائية، وبذلك يكون عمران خان، نجح في تسديد ضربة قوية لتحالف المعارضة، وهو يعمل الآن لإسقاطهم بالضربة القاضية في الفترة القادمة، عندما يطلب محاكمتهم بتهمة الخيانة العظمى والاتصال مع دولة أجنبية والتنسيق معها للإطاحة بالحكم، حسب نص المادة السادسة من الدستور.
الولايات المتحدة وأنصارها في قوى المعارضة لن تستسلم وسوف تستمر في المحاولة مرة تلو الأخرى، مما يستوجب الحذر، وقد يكون الجيش هو حصان الرهان بالنسبة لهم، وكثيرا ما تدخل الجيش وقام بالاستيلاء على السلطة، بحجة محاربة الفساد وعدم حدوث الفوضى.
ومن نقاط قوة عمران هنا، أنه ليس فاسدا كما أشرت سابقا، بينما المعارضة غارقة في الفساد، بحسب تجاربها السابقة في الحكم والشعب الباكستاني يدرك ذلك جيدا.
هل ينجح عمران خان في تحييد الجيش واستبعاد سيناريو التدخل العسكري في الشؤون السياسية؟
هذا ما ستجيب عليه الأشهر القريبة القادمة.

