كاتبٌ سياسيّ/ الأردن
ظهرتْ مؤخّرًا في مسلسلِ اللطمياتِ الليبراليّةِ الصهيونيّةِ "الحنونة" حلقةٌ جديدة، إذْ إنّ استشهادَ الفلسطينيّ المسنّ عمر أسعد – رحمه الله – على يد جيش الاحتلال كان ليمرّ مرورَ الكرامِ على أسماع العالم، إنْ لم يكن الشهيدُ يحملُ جنسيّةً أمريكيّة، وهذا ما سبّب إحراجًا لكيان الاحتلال أمامَ أسياده في واشنطن، وجذب أنظار الإعلام الغربيّ الأعمى عادة.
ظهرتْ في صحيفة هآرتس "الليبراليّة" مقالاتٌ عدّةٌ تندبُ حظَّ جيش الاحتلال المسكين؛ إذ انتسب إليه مجموعةٌ من الحريديم المشاكسين في كتيبة نتساح يهودا، الذين رفضوا التقيّد بــ"ضوابط الجيش الأخلاقيّة" وخرجوا على أوامر القيادة بأفعالهم الشريرة المنافية للقانون الصهيونيّ "العادل".
يبدأُ الكاتبُ الصحفيُّ ياجيل ليفي مقالته في هآرتس (تاريخ 2 شباط 2022) بالآتي:
“حان الوقتُ لحلّ كتيبة نتساح يهودا؛ إنّ مقتل الثمانيني عمر عبد المجيد أسعد على يد جنود كتيبة نتساح يهودا هي عبارةٌ عن حادثةٍ جديدةٍ في سلسلة حوادث؛ استعملت فيها الكتيبةُ العنفَ الزائدَ ضدَّ الفلسطينيين”.
لا أشكّ في أنّ السيد ليفي يخال نفسه – إذ يكتب هذه الكلمات – نصيرًا لحقوق الإنسان ومطالب الفلسطينيين، وفردًا في تلك الطبقة المألوفة التي تتضمن: عميرة هس وجدعون ليفي وغيرهم، من الكائنات الهآرتسيّة التي تجيد تغيير ألوانها كالحرباء، ولكن مقصده هنا في مقالته هذه واضحٌ جدًّا، حيث يبدأ ليفي كلامه بإلقاء اللوم كاملًا على الكتيبة وأفرادها، زارعًا بذلك في ذهن القارئ فكرةَ أنّ قيادة الجيش بريئةٌ من هذا الفعل، وأنّ ثلّةً من المجانين هي من تستعمل "العنف الزائد" (الزائد؟) دون معرفة القيادة أو أمرها.
يقول ليفي بعد فقراتٍ عدّة:
“أحجمت قيادة الجيش عن استعمال الكتيبة خلال الانسحاب من غزة؛ خوفًا من عصيانهم للأوامر”.
لا يا ياجيل، بل إنّ هذه الكتيبة وغيرها من "كتائب المستوطنات" المتطرّفة؛ سلاحٌ لدى القيادة وليست عبئًا عليها، وإلا لما أرسلت القيادة هذه الكتيبة إلى جنين ورام الله وغيرها من المناطق الحساسة، لتنفيذ عمليّات تصفيةٍ واعتقال، وهي تدري تمامًا أنّ جنود نتساح يهودا؛ يرون في الفلسطيني بقايا "العماليق"، عبارة عن هدف رماية لليهودي المظفّر الذي أتى بعد آلاف السنين، لينتقم من عدوّه التوراتي الخيالي الذي يقرأ عنه في مدرسة الموشاف على يد "أدعش" الحاخامات.
أزعجتني طريقةُ كتابة ياجيل ليفي التي يدسّ فيها السمّ في العسل، والعسل في السمّ، والسمّ في السمّ، ويخلط الحابل بالنابل، ويغيّر موقفه بعد كلّ فاصلةٍ على السطر؛ فتارةً يتّهم الجيش بأنّه أداةٌ للعنف والقهر ضدّ الفلسطينيّين، وتارةً يستميتُ في الدفاع عن الجيش، ويلوم نتساح يهودا ولواء كافير والمستوطنين وايتمار بن غفير والكائنات الفضائيّة، وتارةً يدّعي أنّ "الجيش والنسويّة لا يختلطان" (وهذا أغربُ مقالٍ له برأيي، قرأته مرّاتٍ عدّة، ولم أستطع أن أميّز إن كان الكاتب يؤيّد انخراط المرأة اليهوديّة في الجيش أم يعارضه)، وتارةً يصف قيادة الجيش بــ"الحكمة" في تفادي التصعيد، وترّهات أخرى لن أتعب القارئ بتعدادها كلّها.
كتب يانيف كوبوفيتش (زميل ليفي في هآرتس) ثلاثَ مقالاتٍ كاملةٍ عن نتساح يهودا إثر الحادثة، منها مقالتان تتضمنان تلميعًا كاملًا لدور القيادة، وترديدًا حرفيًّا لكلام رئيس هيئة الأركان أفيف كوخافي وتبريراته، والمقالة الثالثة ينوح فيها كوبوفيتش عن اليمين المتطرّف والحريديم وبتسلائيل سموتريش؛ دون التطرّق إطلاقًا لأيّ دورٍ للجيش عامةً في أفعال جنوده، وكأنّ كتيبةَ نتساح يهودا ظاهرةٌ جديدةٌ، وليست امتدادًا للأرغون والليحي والبلماخ الذين أقامت دولةُ الكيان من جرائمهم أساسًا لوجودها.
بينما يحاول كتّابُ الليبراليّة الصهيونية إحرازَ نقاطٍ ضدّ خصومهم السياسيّين على حسابنا وعلى حساب دمائنا وأرواحنا، نستذكر قول الشهيد باسل الأعرج في مقالته «عميرة هس ووهم "اليسار المتضامن"»:
"و[عميرة هس] ليست إلا جنديًّا في المعركة الخلفيّة التي يطلقها المستعمرّ في ميدان الثقافة والقيم، تعترفُ بــ"حقوقك" ولكن بشروط، وأهمّ شرطٍ هو أن تظلّ تدورُ في فلكها، وألا تحاول التمرّد على ما تلقّنه لك…".

