المؤتمرُ الوطنيّ العام للحزب، هو محطّةٌ لمراجعة مسيرة النضال وتقويمها، ومهمّتُهُ تصويبُ الأخطاءِ وتنقيحُها عبرَ ممارسةِ النقدِ والنقدِ الذاتي، ورسم خطّة العمل وبرنامجه للفترة المقبلة، ودفع الجوانب الإيجابيّة قدمًا نحو تعزيز النضال وتنظيمه وتأطيره ومراكمته لتحقيق الأهداف المرحليّة.
على أساس ذلك، عقد الحزب الشيوعيّ اللبنانيّ مؤتمره الوطنيّ الثاني عشر في النصف الثاني من شباط 2022، بمشاركة أكثرَ من 300 مندوبٍ، وعددٍ قليلٍ من المندوبات، على مدى أربعة أيّام، موزّعةً للنقاش الفكريّ والسياسيّ والبرنامجيّ والتنظيميّ والتصويت على التعديلات، وإعلان التوصيات، وانتخاب اللجنة المركزيّة، والهيئة الدستوريّة، والرقابة الماليّة.
أكّد المؤتمر تمسّكه بالماركسيّة – ال لينين يّة، مرجعيّةً فكريّةً وسياسيّةً للحزب، وتناول في النقاش المنعطفَ الخطيرَ للمرحلة الراهنة وصعوباتها على شعوب العالم، لا سيّما بعد ازدياد تداعيات الأوضاع الناجمة عن مفاعيل أزمة الرأسماليّة، التي انفجرت عام 2008، ومحاولات الإمبرياليّة الأميركيّة الخروج منها؛ بفرض المزيد من الحروب والصراعات لنهب خيرات الشعوب وثرواتها، وللتعويض عن تراجعها العالمي من أجل تأبيد آحادية قيادتها لنظامها العالمي المتوحّش، بما في ذلك جرّ العالم لحربٍ عالميّةٍ ثالثةٍ وتدمير البشريّة؛ الأمرُ الذي يطرح على الحركة الشيوعيّة مهمّةَ بلورةِ مفهومٍ متجدّدٍ للأمميّة، لتنظيم المواجهة وتجذيرها لكسر هيمنة القطبيّة الأميركيّة، واقتلاع قواعدها العسكريّة، وإزالة احتلالاتها.
إنّ تبلّور التوازنات على الصعيد الدولي؛ تطرح مهمّةً تاريخيّةً أمامنا وأمام الحركة الشيوعيّة واليساريّة والقوى الديمقراطيّة في عالمنا العربي، بوجوب أخذ دورها المطلوب منها، بالاستفادة من هذه التوازنات الجديدة لمصلحة استنهاض مشروعها في التحرّر الوطنيّ ضدّ مشاريع السيطرة الإمبرياليّة والصهيونيّة، ومواجهة مخاطر الأزمة الوجوديّة التي تعصف بعددٍ من دول المنطقة وتهدّد بتفكّكها في: العراق واليمن وليبيا و السودان وسوريا ولبنان. مشروعٌ وطنيٌّ تحرّريٌّ يشكّل البديل عن كلّ أشكال المساومات والمفاوضات والتنازلات واحتمالات التسويات لتقاسم النفوذ والحصص على حساب حقوق شعوبنا العربيّة ومنطقتنا.
ومع استمرار الإمبرياليّة في ممارسة سياساتها العدوانيّة الاستعماريّة الرامية إلى نهب النفط والغاز والموارد الطبيعيّة والبشريّة، تزدادُ أيضًا وأيضًا، الحاجة إلى مشروعٍ ثوريٍّ يخرجُ حركة التحرّر الوطني من أزمتها؛ تتوحّد فيه طاقات القوى اليساريّة والوطنيّة حول مسألتين متلازمتين ومتكاملتين: المقاومة ثمّ المقاومة ضمنَ جبهةٍ وطنيّةٍ عربيّةٍ شاملةٍ ضدّ الاحتلال الصهيونيّ والأميركيّ، ثمّ مهمّة النضال لمواجهة النظم الرأسماليّة التبعيّة السياسيّة والاقتصاديّة والعسكريّة والأمنيّة القمعيّة التي شكّلت تاريخيًّا المرتكز الداخليّ الفعليّ للتدخّلات الخارجيّة.
*****
في هذه الظروف المصيريّة، يعيش لبنانُ أزمةً وجوديّةً غيرَ مسبوقةٍ في تاريخه، بعد سقوط نظام الطائف، واستمرار الانهيار السياسيّ والاقتصاديّ والاجتماعي، وتحلّل مؤسّسات الدولة واضمحلال خدماتها، وعجز تحالف القوى السياسيّة والطائفيّة والرأسمال عن احتواء الأزمة بقواها الداخليّة، ما يجعل الوضع في البلاد مفتوحًا على كلّ الاحتمالات والمخاطر في المرحلة القريبة المقبلة، هذا التحالف الطبقيّ المُسيّطر لم يتورّع عن طرح مشاريع النأي بالنفس والحياد والفدراليّة مع لجوء أطرافه - كلّ على طريقته - إلى ترسيخ قوانينه وأنظمته الخاصّة، وتدبير أمور "دويلته الطائفيّة" في محاولةٍ لفرضها حين يأتي أوان التسويات الدوليّة والإقليميّة، لتبيان حصّة كلّ طرف، وموقعه في التسويات، وإلا فالفوضى جاهزةٌ عبر الخطاب الطائفيّ والاقتتال الأهليّ وحرب الإفقار والنهب والفساد وتدمير ما تبقّى من مؤسّسات الدولة، والتهرّب من المسؤوليّة والمحاسبة ليس عن الانهيار الاقتصاديّ والاجتماعيّ غير المسبوق فحسب، بل أيضًا وبالأخصّ عن جريمة انفجار المرفأ وأحداث الطيونة وغيرها.
ويبقى السؤال هل يمكن المراهنة على بقايا هذا النظام وطبقته الحاكمة؟
قد يكون من سابع المستحيلات المراهنة على الطبقة البرجوازيّة التبعيّة الحاكمة، والمسؤولة عن الأزمة وتفاقمها، ومن ثَمَّ يستحيل التعويل عليها في معالجتها؛ فبالنسبةِ إلى هذا التحالف الطبقيّ المُسيّطر، لا يكون الخروج من الأزمة إلّا بأزمةٍ أكبر وأخطر، وبتشديد القمع والإفقار ومضاعفة الهجرة وتشريع الأبواب على كلّ أنواع المخاطر، بما في ذلك بيع المرافق العامة عبرَ خصخصتها، والتسليم بشروط صندوق النقد الدوليّ، والبنك الدولي وزيادة الضرائب غير المباشرة، والأخطر أنّ الحكومة الحالية تحضّر لليرلة الودائع (بعد سرقتها) بالدولار، وجعل لبنان في أعلى مستويات الفقر والجوع والبطالة والهجرة.
في وقتٍ، تتكثّف المخاطرُ الناتجةُ من مفاعيل الضغوط الأميركيّة والغربيّة جرّاءَ تبعيّة الرأسماليّة المحليّة لها، والتهديدات الصهيونيّة والخليجيّة المطبّعة المستمرّة لفرض تنفيذ القرار 1559 وتنفيذ صفقة القرن وتوطين اللاجئين الفلسطينيّين، وإبقاء النازحين السوريين. ويضاف أيضًا إلى ذلك، تشديد الضغوط من أجل دفع لبنان؛ ليصبح في قائمة الدول المطبّعة مع الكيان الصهيونيّ. وقد تجلّى ذلك في اتّفاق الإطار حولَ ترسيم الحدود عبرَ الإعلان الرسميّ عنه بصفته اتّفاقًا بين دولة لبنان والكيان الصهيونيّ، وكذلك في خطّ الغاز المسمّى عربيًّا وهو خطٌّ سياسيٌّ لضمان "أمن الطاقة" مع العدوّ الصهيونيّ، فضلًا عن التفاوض مع المندوب الأميركيّ – الإسرائيليّ هوكشتين، والتنازل للكيان الصهيونيّ عن حقوق لبنان النفطيّة والغازيّة المتعلّقة بترسيم الحدود عبرَ الامتناع عن تعديل المرسوم 6433 والتراجع إلى الخطّ 23 بدلًا من التمسّك بالخطّ 29 .
إنّها مرحلةُ الخيارات الكبرى التي ترسم للمنطقة ولبنان جزءًا منها وقضيّته وأزمته مرتبطةٌ بما ستؤول إليه أزمة المنطقة، فما يحضّر من اتّفاقاتٍ إقليميّةٍ ودوليّةٍ سينعكس حتمًا على لبنان، وهذا ما نعمل في الحزب لمواجهته عبرَ تعبئة كلّ الطاقات الشعبيّة لتكريس موقع لبنان المقاوم، وبناء البديل الديمقراطيّ العلمانيّ.
لقد دفع حزبُنا أثمانًا باهظةً خلال العقود السابقة، وكان في مقدّمة صفوف المقاومة الوطنيّة ضدَّ المحتلّ الصهيونيّ وعملائه، وما زال في طليعة النضال الديمقراطيّ، وفي انتفاضة 17 تشرين 2019 وبعدها، من أجل بناءِ حركةٍ شعبيّةٍ وسياسيّةٍ ديمقراطيّةٍ لتعديل موازين القوى وإقامة الدولة الوطنيّة الديمقراطيّة المقاومة.
في المهام والتحدّيات:
لقد ناقش المؤتمرُ توجّهات الحزب البرنامجيّة للمرحلة الانتقاليّة ووجهة التحرّك في ميادين، وعلى مستوياتٍ عدّة، التي اتّسمت بتعدّد الأولويات والمهام.
إنّ التغييرَ الديمقراطيَّ في لبنان هو عمليّةُ تغييرٍ في بنية النظام السياسي وطبيعة السلطة وسياساتها وتحريرها من سيطرة وممارسات التحالف الطبقيّ السياسيّ المُسيّطر الذي يسخّر الدولة للمصالح الفئويّة، ويترك البلد ساحةً مستباحةً للقوى الاستعماريّة والرجعيّة العربيّة، وذلك مدخلًا لوضع حدٍّ للتبعيّة والتفكّك الاقتصاديّ، هذهِ المقاربةُ تستندُ إلى رؤيةٍ واضحةٍ للخيار السياسيّ والاقتصاديّ المبنيّ على ضرورة بناء تحالفٍ طبقيّ – سياسيّ يحملُ خيارًا اقتصاديًّا – اجتماعيًّا متحرّرًا من الإلزامات الإكراهيّة للموقع الذي وضعته فيه القوى الطبقيّة المُسيطرة، بنسختها القديمة كما بتلك التي استجدّت بعد اتّفاق الطائف ضمنَ التقسيم الدوليّ الرأسماليّ للعمل بصفتِهِ نظامَ خدمات، وسوقًا للاستهلاك. إنّه خيارٌ يؤسّسُ لتطوّرٍ وطنيٍّ قائمٍ على قرارِهِ الحرّ اقتصاديًّا من جهة، وعلى رؤيةٍ وطنيّةٍ واضحةٍ في مواجهة خطر الكيان الصهيونيّ الذي يشكّل قاعدةً متقدّمةً للإمبرياليّة في وطننا العربيّ من جهةٍ ثانية، وهذهِ الرؤيةُ ينبغي أن تتضمّن الخطوات التالية:
أوّلًا: تمسّك الحزب بالتزامه التاريخيّ بالدفاع عن الوطن ومقاومة العدوان والاحتلال الصهيونيّ، وكلّ الاعتداءات الخارجيّة، ودعم نضال الشعب الفلسطينيّ قضيّته في المقاومة حتّى التحرير، وفي حقّ العودة وتقرير المصير وإقامة الدولة الوطنيّة المستقلّة وعاصمتها القدس ؛ بصفتها القضيّةَ المحوريّة المركزيّة في نضالنا الوطنيّ والقوميّ. وفي تعزيز دور اليسار العربيّ، ودعم قضايا الشعوب العربيّة في مواجهة الاحتلال والتبعيّة والسيطرة والتجزئة؛ تجسيدًا لموقفه الرافض للمشروع الأميركيّ- الصهيونيّ في المنطقة والداعي إلى مواجهته. كما أكّد المؤتمرون على مبدأ ترابط التحرير بالتغيير الديمقراطيّ.
ثانيًا: بناء الدولة الوطنيّة الديمقراطيّة بديلًا للدولة السياسيّة الطائفيّة الفاشلة؛ دولةٌ تقوم على أساس مشروعٍ سياسيٍّ واضحٍ وبرنامجٍ اقتصاديٍّ واجتماعيٍّ يستند إلى مرتكزاتٍ أساسيّة، أهمّها الوصول إلى قانون انتخاباتٍ نيابيّةٍ ديمقراطيٍّ يقوم على أساس النسبيّة والدائرة الوطنيّة الواحدة من خارج القيد الطائفي، ويتجاوز خطر التقسيم والفدرلة والشحن الطائفي والاقتتال وكلّ أشكال التبعيّة أو الحياد، والنضال من أجل استقلاليّة القضاء، وحمل قضايا حقوق العمال والمزارعين والأجراء والموظفين وعموم الكادحين، حقوقًا أساسيّةً لا تنازل عنها، والنضال لاعتماد قانونٍ مدنيٍّ موحّدٍ للأحوال الشخصيّة؛ فضلًا عن استحداث تشريعاتٍ ناظمةٍ لمفهوم الإقامة والجنسيّة والمساواة في النوع الاجتماعيّ والقضيّة النسويّة وغيرها، تحقيقًا لمبدأ المواطنة أساسًا للانتماء الوطني وتجسيدًا له، وإقرار سياساتٍ عامةٍ تهدف إلى إعادة توزيع الثروة، وتقديم المصلحة العامة على مصالح رأس المال؛ عبرَ تأمين حقوق المواطنين في الأجر والصحة والتعليم والعمل والسكن والنقل...الخ، مع حق العمل والسكن للاجئين الفلسطينيين، والوقوف ضدّ خصخصة الأصول العامة وبيعها ونهبها، وضدّ كلّ أنواع النهب والفساد والاستزلام وتهريب الأموال.
الحزب والتحالفات:
إنّ تحالفات الحزب ينبغي أن تشمل طيفًا واسعًا من القوى الاجتماعيّة، بَدْءًا من الطبقة العاملة وحركات عماليّة ونقابيّة ديمقراطيّة مستقلّة، مرورًا بنقابات المهن الحرّة وبالشرائح الدنيا من الفئات المتوسّطة في المدينة والريف؛ فضلًا عن أحزابٍ وحركاتٍ سياسيّةٍ وشخصيّاتٍ وطنيّة.
وبشكلٍ أعمّ وأشمل يجب أن تنفتح تلك التحالفات على كلّ القوى السياسيّة الديمقراطيّة غير الطائفيّة والرافضة للطروحات التقسيميّة أو الفيدراليّة أو الملتحقة بأجنداتٍ خارجيّة، والتقدّم على طريق بناء تلك التحالفات لن يتحقّقَ ما لم تتمَّ مواكبته بعمل الحزب وهيئاته كافةً من أجل تعزيز قدراته وحضوره في مجالات النضال كافةً، والارتقاء بالعمل المطلبيّ إلى العمل السياسيّ ضمنَ صيرورة التغيير السياسيّ المتلازم حكمًا مع التحرّر الوطنيّ؛ فالمواجهةُ الشعبيّةُ ضدّ التحالف البورجوازيّ الماليّ والطائفيّ، هي في الوقت ذاته مواجهةٌ ضدّ بورجوازيّات دول المركز الرأسماليّ، وأذرعها الاقتصاديّة والماليّة المتمثّلة بالبنك الدوليّ، وصندوق النقد الدوليّ وشروطهما.
*****
إنّ نجاحَ المؤتمر مرهونٌ بترجمة توجّهات المؤتمر ومقرّراته وتوصياته، من خلال العمل المنظّم لقيادة الحزب والكوادر والقواعد وحدةَ عملٍ متكاملةً وَفْقَ أطرٍ تنظيميّةٍ سليمة، وحمل المهمّة التاريخيّة الثوريّة من أجل وطنٍ حرٍّ وشعبٍ سعيد.

