Menu

صعود اليمين المتطرف وعودة فكرة إعادة بناء الأمبرطوريات

رابح لونيسي    
سبق لنا منذ سنتين أن حذرنا من عودة اليمين المتطرف بقوة بحكم ما سينتجه وباء كورونا من أزمات اقتصادية حادة على الصعيد العالمي بغض النظر عن الأزمات الدورية للرأسمالية بكل انعكاساتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وقد انطلقنا في طرحنا من فكرة مفادها أنه كلما احتدمت أزمة اقتصادية بشكل حاد، سينتشر اليمين المتطرف بشكل كبير، وقد شبهت ما سيقع بتساؤل عنوان إحدى هذه المقالات التي خصصتها لليمين المتطرف سواء في أوروبا أو في منطقتنا ب"هل سيتكرر عالم ثلاثينيات القرن العشرين؟"(الحوار المتمدن عدد6535 يوم12أبريل2020)، وهي إيماءة منا إلى بروز النازية والفاشية كنتيجة للأزمة الاقتصادية العالمية الحادة جدا في 1929، فقد بدأت نبوءتنا تتحقق بصعود قوي لليمين المتطرف في فرنسا في الانتخابات الرئاسية الأخيرة وإمكانية فوزه بالرئاسيات، لكن حتى ولو لم تفز مارين لوبان، فإنه سيأتي اليوم أن يفوز هذا اليمين المتطرف في رئاسيات مقبلة، ويأخذ السلطة في عدة دول غربية وفي منطقتنا ما دام أن الأزمات الاقتصادية والاجتماعية في تفاقم كبير ليس فقط بسبب الأزمات الدورية للرأسمالية، بل أيضا بسبب أنانية الطبقة الرأسمالية السائدة عالميا والمروجة لسياسات متوحشة نابعة من صلب الرأسمالية التي تخدم أقليات التي تزداد غنى على حساب أغلبية الإنسانية التي تزداد فقرا ومعرضة للاستغلال البشع.      
لا يتنامى اليمين المتطرف في فرنسا فقط، بل في العالم كله، وكثيرا ما يستفيد من ضعف اليسار، فمثلا قد استفادت مارين لوبان كثيرا من تفتت اليسار الفرنسي الأكثر إنسانية والذي يمكن أن يزرع السلام والعدل، لكن لا نفهم تقديمه عدة مرشحين شتت أصواته، فهل انتظرنا يوما أن تنتقل الحياة السياسية في فرنسا مثلا من تنافس بين اليمين واليسار إلى تنافس بين وسط ويمين متطرف، فقد حدث ذلك منذ صعود جاك شيراك ضد جون ماري لوبان في 2002 ثم ماكرون مع مارين لوبان التي انشقت عن والدها كون ماري لوبان في الرئاسيات السابقة ووصولهما مرة أخرى إلى الدور الثاني في رئاسيات 2022 بنسب متقاربة جدا بينهما.
يحق لنا أن نتساءل اليوم ألا توجد إستراتيجية فرنسية عند صناع القرار الحقيقيين فيها والموجودين في عمق الدولة، تستهدف إيصال اليمين المتطرف إلى دفة الحكم، بهدف تكليفه بمهمة إعادة بناء الإمبراطورية الفرنسية التي انتهت في عهد دوغول تحت ضربات الثورة التحريرية الجزائرية التي انتصرت عليه في عام 1962؟ فهل من المعقول أن ينفي ماكرون وجود الأمة الجزائرية، ويكرم منذ شهور الأقدام السوداء وغلاة المعمرين الذين هم أسلاف اليمين المتطرف في ذكرى قيامهم في الجزائر بتمرد على دوغول لإسقاطه بين 24 و29 جانفي 1960 معتقدين أنه يقدم تنازلات للثورة الجزائرية؟ فهل ماكرون يلمح بهذا التكريم إلى نوع من الحنين والدعم لأنصار إبقاء الجزائر فرنسية التي يعدونها جوهرة الإمبراطورية الفرنسية؟ فهل ماكرون يدغدغ بذلك عواطف بعض صناع القرار الفعليين في فرنسا المختفين وراء الستار بأنه يمكن الاعتماد عليه لإحياء الإمبراطورية الفرنسية من جديد، في عالم أصبح الحديث عن إعادة بناء الإمبراطوريات، موضع دراسات إستراتيجية منذ نهاية الحرب الباردة في 1989، بداية بالترويج للإمبراطورية الأميركية ووصول المحافظون الجدد إلى دفة الحكم في أمريكا مع جورج بوش الابن، فأدخلوا العالم في حروب دموية لم يتصورها أي كان، مستغلين أحداث 11سبتمبر2001 لبناء تلك الإمبراطورية بشكل دموي؟ تم ذلك في وقت لم يتصور فيه أحد مهاجمة وغزو عسكري لدول مستقلة مثل العراق، ولولا صمود العالم والعراقيين في وجه هؤلاء المحافظين الجدد لواصل هؤلاء احتلال سوريا وإيران ودول أخرى بقوة السلاح، فهل هناك من كان يتصور أن بوتين سيهاجم عسكريا أوكرانيا بهذا الشكل مستبعدا كل المفاوضات والحلول الدبلوماسية، وممكن سيهاجم دولا أحرى مستقبلا سواء في وسط أوروبا وشرقها أو في آسيا الوسطى، ويحركه في ذلك فكرة إعادة بناء الإمبراطورية الروسية التي نظر لها بشكل كبير، ووضع خطة استعادتها مستشاره ألكسندر دوغين؟
لعل البعض لا يعلم أن هذا الفكر الإمبراطوري موجود أيضا لدى تركيا أردوغان، فما عليكم إلا قراءة متأنية لكتاب مستشاره ووزير خارجيته السابق أحمد داوود أوغلو "العمق الإستراتيجي-موقع تركيا ودورها في الساحة الدولية-"، حيث يتحدث صراحة على فكرة استعادة الإمبراطورية العثمانية، ويتحسر على تجاهل الحكام العثمانيين لفكرة الاستعمار التي انتشرت في القرن19 كما فعلت فرنسا وبريطانيا وغيرها من القوى الاستعمارية آنذاك، وقد تناسى أوغلو أن الاستعمار الأوروبي الحديث كان نتاج الثورة الصناعية والرأسمالية التي دخلت في أزمة دورية حادة منذ سنواتها الأولى، فاضطرت إلى حلها باستعمار عدة بلدان، بحثا عن أسواق لفائض إنتاجها ومواد أولية ومناطق للاستثمار كما يقول البريطاني هوبسن في كتابه "في الاستعمار" في 1902، والذي أخذ عنه لينين فكرة كتابه "الاستعمار أعلى مراحل الرأسمالية"، وما يدل على صحة هذا الطرح هو عدم تعرض عدة بلدان إلى الاستعمار، لأنه ليس لها لا موقع إستراتيجي ولا ثروات أو سوق مثل ليبيريا أو شبه الجزيرة العربية قبل اكتشاف النفط فيها أو اليمن الشمالي على عكس جنوب اليمن الذي احتلته بريطانيا، بسبب وجود ميناء عدن الإستراتيجي في أراضيه، لكن لا يدرك أوغلو أن الدولة العثمانية لم تكن يتحكم فيها الطبقة الرأسمالية، لأنها لم تدخل مرحلة الرأسمالية الصناعية، ولم تكن أصلا مركزا رأسماليا مثل بريطانيا أو فرنسا كي ينتج لديها فكرة الاستعمار لحل أزمتها الاقتصادية الحادة، بل كانت ضمن أطراف المركز الرأسمالي وبرجوازيتها تابعة لهذه المراكز، ولم تعرف ثورة صناعية مثل هذه المراكز الرأسمالية الأخرى.
هذا ما يجرنا إلى القول أنه كلما دخلت الرأسمالية في أزمات حادة حلت أزماتها تلك بطرق متعددة، حسب حدة وقوة الأزمة ومدى تهديدها لمصالحها مثل إمكانية قيام ثورة اجتماعية ضد النظام الرأسمالي، لكن يمكنها اليوم أن تحلها بالاستعمار من جديد كما فعلت في القرن19، خاصة أن الرأسمالية العالمية اليوم لها طبقة برجوازية عالمية سماها السويسري جون زيغلر ب"أسياد العالم الجدد"، وهم يطمحون إلى بناء دولة رأسمالية عالمية يتحكمون فيها كما أنشأت البرجوازيات الوطنية في أوروبا، ووحدت دولها القومية بهدف توسيع سوق سلعها قبل ان تلجأ إلى استعمار بلدان أخرى وتشكيل إمبراطوريات استعمارية، لحل أزماتها الدورية الحادة، ويمكن أن يتم ذلك اليوم بزرع الفوضى في الدول الأطراف كي تجد مراكز الرأسمالية ذرائع لتدخلاتها، كما يمكن أن يتم ذلك بضم عادي لبلدان بعد تغييب الإضعاف التام للمؤسسات والمنظمات الدولية وقوانينها كما حدث لعصبة الأمم بعد غزو إيطاليا لإثيوبيا في 1936، خاصة بعد ما فتح بوتين الباب لذلك بدخوله أوكرانيا، وهو ما سيشجع عدة دول قوية للقيام بنفس الأمر، تحت عدة دواعي مثل: نقص الغاز والنفط أو الاستيلاء على مواقع إستراتيجية في إطار صراع عالمي أو حتى في إطار حرب عالمية قادمة، كما يمكنها أيضا تبرير ذلك بحماية نفسها من ضربات نووية بالاستيلاء على عمق إستراتيجي لمواجهة أي حرب نووية التي تحتاج إلى مساحات واسعة، فضيق المساحة في أوروبا يجعلها دائما عرضة لضربة نووية، ولهذا فهي ستحتاج إلى أعماق ومناطق بعيدة تلجأ إليها بقواتها لحمايتها من هذا الخطر النووي، فقد كان البحث عن هذه المناطق واضح وضوح الشمس أثناء الحرب العالمية الثانية، حيث سقطت دول أوروبية بسرعة فائقة بحكم ضيق المساحة، فما بالك في حالة تهديد حرب نووية.
إن وصول اليمين المتطرف إلى السلطة في فرنسا مثلا أو غيرها من دول الضفة الشمالية للبحر الأبيض المتوسط، سيؤدي إلى دعم التيارات الدينية المتطرفة عندنا التي هي اليمين المتطرف عندنا، فتضخمها بشكل أو آخر كي تتخذها كذريعة لغزو بلدان جنوب المتوسط. إننا نلاحظ اليوم تعاطفا غريبا من بعض الإسلامويين في منطقتنا، وليس كلهم مع مارين لوبان المعادية للإسلام وللمسلمين في أوروبا، خاصة في فرنسا، فهذا اليمين المتطرف لن تختلف سياسته تجاه مسلمي أوروبا عن سياسات النازية الهتلرية ضد يهود أوربا في ثلاثينيات وأربعينيات القرن20، فهذا ليس موقف غباء من قيادات هذه التنظيمات الدينية المتطرفة، بل مخطط منها لأن قادة هذه التنظيمات التي هي أيضا يمين متطرف عندنا، تعلم جيدا بأنها ستلقى دعم اليمين المتطرف في أوروبا لها مؤقتا، وأن وصول اليمين المتطرف إلى السلطة في فرنسا مثلا، سيجعله يعمل على إيصال اليمين المتطرف عندنا إلى السلطة، والهدف من ذلك كله توظيف هذا اليمين المتطرف عندنا كذريعة لإشعال حرب حضارية دموية بين شمال وجنوب المتوسط، يسمح لليمين المتطرف إعادة احتلال بلداننا من جديد بأشكال متعددة في ظل ضعفنا الكبير.  
كما علينا أن نسجل أن الحرب الروسية- الأوكرانية، دفعت ألمانيا إلى إعادة تسليح نفسها، فلنتصور وصول اليمين المتطرف إلى السلطة في ألمانيا أيضا، فمعناه دمار عالمي شامل، فلنشر بأن فرنسا الثلاثينيات عرفت حتى هي اليمين المتطرف وأفكارا نازية وفاشية متعاطفة مع هتلر، لكنها لم تكن قوية كما كانت في ألمانيا التي أوصلت النازية الهتلرية إلى السلطة بعد الأزمة الاقتصادية 1929.