للمتابعين للموقف الأوروبي المشترك خلال الأسابيع الماضية من تفاعلات الأزمة الأوكرانية الروسية، يجد أنه مرتبك ومتخبط وفي الكثير من القرارات غير قابل للتطبيق. كيف نفسر هكذا حالة من دول الاتحاد الأوروبي والتي عرفت عبر مسارها المؤسساتي بدراسة مسبقة لقراراتها، خاصة المصيرية؟ هناك مجموعة من العوامل الضاغطة والتي تؤثر على المعنيين باتخاذ القرارات المشتركة، أستطيع تلخيصها بالعوامل التالية:
الأول: عدم وجود سياسة دفاعية عسكرية مشتركة وهذا رغم محاولات عدة جرت وتمت نقاشات بين بعض الدول الأوروبية لبناء نواة لهذه السياسة الأوروبية، تشارك فيها بعض الدول الأوروبية، حيث توجد اعتراضات عند بعض الأعضاء، مما يجعل استحالة بناء سياسة دفاعية مشتركة، لأن هكذا قرارات تتطلب موافقة كافة الأعضاء. جرت نقاشات لبناء قوات للتدخل السريع في أوروبا بين بعض الدول مثل: فرنسا وألمانيا وإيطاليا وبلجيكا وإسبانيا، لكنها لم تصل لخواتمها، بسبب ضغوط أمريكية مورست على هذه الدول، هذا العامل أفقد الدول الأوروبية القدرة على اتخاذ قرارات مستقلة، تبنى وفق مصالحها ولا تكون تابعة للإرادة الأمريكية والتي تتصف بالهيمنة وإلحاق القرارات الأوروبية لاستراتيجية سياسية ودفاعية أمريكية، تؤدي لإضعاف الدور الأوروبي من جهة، والتسبب بخسائر فادحة له من جهة أخرى.
الثاني: مرتبط بمصادر الطاقة واعتماد دول أوروبا بشكل كبير على مشترياتها من روسيا، وخاصة في حاجاتها من الغاز، حيث تعتمد على الأقل إلى 40% من مشترياتها على الغاز الروسي، وهو يمتاز بأنه أرخص وأسرع في الوصول للسوق الأوروبية، هذا الاعتماد في حاجات ضرورية ومصيرية لاستمرار نمو الاقتصاد الأوروبي، يجعل الدول الأوروبية في حالة من الضعف أمام اللاعب الروسي والذي يعي جيدا أن بيده توجيه ضربة جدا موجعة لاقتصاديات دول الاتحاد الأوروبي. هنا نحن أمام عامل ضاغط، يُضعف القرار الأوروبي ويجعله يرتهن لاستمرار العلاقات التجارية مع روسيا ويزداد ضعف الموقف الاوروبي عندما نعرف أن سوق الغاز العالمي وقدرات الدول المنتجة والمصدرة له، تجعل أوروبا غير قادرة على المدى المنظور لإيجاد بدائل فعالة وقادرة على تزويدها بحاجاتها. نعرف أن الولايات المتحدة وعدت الاتحاد الأوروبي بتزويده بالغاز المسال الأمريكي، لكن المشكلة بالنسبة لأمريكا أن قدراتها الإنتاجية لا تسمح لها بتزويد أوروبا بأكثر من 5% إلى 10% من حاجاتها، ناهيك عن عامل الوقت للتزويد والثمن المرتفع للغاز الأمريكي المسال، وعامل مهم تقني وهو عدم توفر بنية تحتية لاستقبال هذا النوع من الغاز في غالبية الموانئ الأوروبية.
الثالث: وجود ضغط هائل من الإدارة الأمريكية والتي تهدف لربط أكثر وأكثر لسياسات اوروبا الدفاعية بالاستراتيجية الدفاعية والعسكرية الأمريكية، وهي استراتيجية تسعى لدفع دول اوروبا للمزيد من العسكرة، أي التزود أكثر بالسلاح المكلف وهو أمريكي المصدر، ثم إلحاق كامل لدول أوروبا بسياسة أمريكا العسكرية والدفاعية على المستوى الكوني. إن ربط أوروبا بسياسات أمريكية وإدخالها في صراعات مكلفة لها تؤدي لإضعافها اقتصاديا وتجاريا، وهكذا وضع يؤدي لتخصيص موارد مالية عالية على حساب اعتماد سياسات اجتماعية لصالح المواطن الأوروبي، مما يسبب بمطالبات اجتماعية قادمة تمس القدرة الشرائية لهذا المواطن.
الرابع: وهو تخوف أوروبي من الدخول لمرحلة من الصدام الاجتماعي في العديد من الدول الأوروبية، وقد بدأنا نلحظ ارتفاع للأسعار، أي تضخم في كافة الدول الأوروبية يزيد عن 7% من أسعار أهم المواد التي يحتاجها المواطن الأوروبي، في الوقت الذي يؤكد فيه خبراء اقتصاديون أوروبيون، بأن اقتصاديات الدول الأوروبية ستشهد تضخما بالأسعار، خاصة إذا عرف الصراع الأوكراني الروسي انعطافات أكثر خطورة. نحن هنا أمام عامل ضاغط داخلي ومهم جدا، ممكن أن يؤدي لتغييرات في مكونات حكومية في العديد من الدول الأوروبية، وخاصة فرنسا والتي ستشهد انتخابات تشريعية في شهر تموز القادم والتي من الممكن أن توصل تحالف قوى اليسار والخضر لتشكيل أغلبية لحكم فرنسا خلال الخمس سنوات القادمة، وفرنسا كما نعرف لاعب مهم في المنظومة الأوروبية ودورها هام في بناء السياسة الأوروبية المشتركة.
الخامس: محدودية الدور الأوروبي في الأزمة الأوكرانية، يعود لعدم وجود إرادة مشتركة عند كافة الدول، حيث هناك تباين واضح بين أعضاء الاتحاد الأوروبي، فيما يخص الدخول بصدام مع روسيا وقضية شراء الغاز الروسي بالروبل، أوضح دليل على هذا التباين، حيث وافقت مجموعة من دول الاتحاد الأوروبي للرضوخ للمطلب الروسي، وحسب بعض المصادر أن عدد هذه الدول لحد الآن عشرة وهذا العدد مرشح للارتفاع.
السادس: وهو مرتبط بتبرير موقف أوروبي صدامي مع روسيا، بسبب دخول قواتها العسكرية للداخل الأوكراني، حيث هناك العديد من الانتقادات داخل الدول الأوروبية من أحزاب ونقابات ومجتمع مدني لسياسة الكيل بمكيالين من قبل الحكومات الأوروبية، وهذه الانتقادات تضعف أصحاب المواقف الصدامية في أوروبا، خاصة على صعيد العلاقات الدولية. كيف يبرر هؤلاء عدم فرض أي عقوبات، مهما كانت خفيفة أو شكلية على إسرائيل، رغم احتلال قواتها ورغم كل ممارستها المخالفة لأبسط قواعد القانون الدولي، حتى منع بضائع المستوطنات، ورغم مطالبة قواعد واسعة شعبية ومؤسساتية أوروبية بمنع هذه المنتجات من الوصول للسوق الأوروبية؟
السابع: عدم كون أوكرانيا عضوا في الاتحاد الأوروبي ولا في حلف الناتو، هذا الوضع يقوي من لا يريد أي صدام مع روسيا حتى على الصعيد الاقتصادي والتجاري، وهو كذلك يجعل من موقف المطالبين بالتشدد أكثر ضعفا لأنهم لن يستطيعوا تبرير مواقفهم باتفاقيات أو بمعاهدات مشتركة تسمح لهم بالتصدي لروسيا.
ما من شك أن موقف دول الاتحاد الاوربي هو موقف هش والتصعيد مع روسيا مكلف جدا، ناهيك أن حرب شاملة لا أحد يمكنه التكهن بثمنها وشكل نهايتها. أوروبا مقبلة على صيف ساخن على الصعيد الاجتماعي، وضعف القدرة الشرائية عند المواطن الأوروبي ستدفع بالملايين للإعراب عن عدم رضاهم واستعدادهم للدفاع عن مصالحهم، نحن هنا أمام عامل موضوعي ضاغط سيؤثر على المسؤولين الأوروبيين، مما يجعلهم أكثر ضعفا، بزج بلادهم في صراع مكلف اقتصاديًا للخزينة الأوروبية ويدفع دول أوروبا للاستدانة المالية المتزايدة والتي سترتد مستقبلا بسياسة ضريبية مرتفعة، تنهك حالة المواطن الأوروبي وتضعف قدراته الشرائية وهو وضع يزيد من حدة المواجهات الاجتماعية في الأشهر القادمة.

