Menu

الوضع الفلسطيني في مواجهة التحديات

محمّد جبر الريفي

باتت الحاجة ماسة الآن أكثر من أي وقت مضى لإغلاق صفحة سوداء في تاريخ نضال الشعب الفلسطيني، وذلك بالعمل على امتلاك الإرادة السياسية الفاعلة لإنهاء الانقسام السياسي البغيض الذي طال أمده ولم تفلح الاتفاقيات والمباحثات والحوارات التي تمت بوضع حد له. أما الحاجة الماسة التي تفرض ذلك هي في تشكل في الواقع السياسي الحاضر تحديات خطيرة قادمة من غير المقبول سياسيًا على مستوى الفصائل والأحزاب والمنظمات الشعبية والنخب السياسية والفكرية الفلسطينية الاستهانة بها، وأول هذه التحديات من حيث الأهمية، كونه يشكل بالفعل تحديًا مصيريًا يتعلق بمستقبل مصير المشروع الوطني الفلسطيني هو وجود حكومة إسرائيلية يمينية متطرفة، بل أكثر تطرفًا من حكومة الليكود السابقة التي قادها نتنياهو لأكثر من عهدة رئاسية.

حكومة برئاسة نفتالي بينت وبشراكة ائتلافية مع جانتس وزير الدفاع حكومة مستوطنين عنصريين، تبيح استباحة المسجد الأقصى وذبح القرابين ورفع الأعلام الإسرائيلية، وتنتهج سياسة عدوانية بالتحضير لأسلوب الاغتيالات وشن حرب على قطاع غزة لتغطية عجز أجهزتها الأمنية عن وقف مسلسل العمليات البطولية التي توقع خسائر بشرية قتلي وجرحي وتربك حالة الاستقرار والأمن في المجتمع الصهيوني.

 حكومة وفي أولى مهماتها الشروع بالتوسع على حساب مشروع الدولة الفلسطينية المستقلة، وذلك بالقيام بضم ما يقارب ثلث مساحة الضفة الغربية المحتلة، وقد أعطت قرارا قبل الزيارة المتوقعة للرئيس الأمريكي بايدن بزيارة كل من دولة الكيان ورام الله بإقامة أربع آلاف وحدة استيطانية، حيث القيام بهذه الهجمة التوسعية الكبيرة، تعمل على تقويض ما تسمى بعملية السلام في الشرق الأوسط التي قامت على أساس اتفاقية أوسلو.

 لقد اعترفت منظمة التحرير الفلسطينية بدولة إسرائيل مقابل أن تفضي السلطة الفلسطينية بعد مرحلة انتقالية إلى قيام دولة فلسطينية مستقلة بعاصمتها القدس الشرقية على حدود الرابع من حزيران عام 67، وذلك تطبيقا لما سمي بالبرنامج المرحلي الذي أقره المجلس الوطني الفلسطيني، ورغم انقضاء المدة بدون تحقيق هذا المطلب السياسي، بسبب سياسة المماطلة والتعنت التي تمارسها الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة وهو ما يجب أن يقابل من الطرف الفلسطيني باتخاذ قرارات حاسمة، تعيد العلاقة بين منظمة التحرير الفلسطينية والكيان الصهيوني إلى مرحلة ما قبل الاعتراف المتبادل، أي بعودة حالة الصراع مرة أخري بين المشروع الوطني والمشروع الصهيوني على قاعدة التناقض الرئيسي.

أما ثاني التحديات التي تواجه الوضع الفلسطيني هو في إجراءات التطبيع المعلنة والسرية مع الكيان الصهيوني ووصولها إلى مرحلة خطيرة، قد تؤثر سلبيًا على موقف قطاعات كبيرة من الجماهير العربية من القضية الفلسطينية، ذلك أنه في حال استمرار هذه الإجراءات التي تترافق مع توظيف الفن والإعلام في التطبيع وعدم اتخاذ مواقف صارمة لوقفها من قبل النظام السياسي العربي الرسمي، فإن المسلمات التاريخية والسياسية والإنسانية التي قامت علي أساسها عدالة القضية الفلسطينية، قد تتراجع بما لهذه الوسائل من تأثير على تشكيل الرأي العام العالمي وعلى العقلية السياسية العربية بالخصوص، وهي في غالبيتها تعاني من تأثير العامل المزاجي.

لقد جاء مسلسل أم هارون قبل مدة ليست بعيدة والذي أنتجته شركة الإنتاج الفني الإماراتية جرناس وقام بأدوار التمثيل فيه فنانون من السعودية و الكويت ، منحازا للرواية اليهودية ليشكل تزويرًا للتاريخ وتشويها للنضال الوطني، كما أن استمرار تتابع أصوات بعض الإعلاميين الخليجيين المتحمسين للاعتراف بالكيان الصهيوني من خلال الادعاء بشرعية وجوده، اعتمادًا على نصوص دينية هو عمل تحريضي يأتي في إطار الانفضاض عن القضية الفلسطينية وعدم تحمل أعبائها السياسية التي طالت دون حل قريبا.

صحيح أن المرحلة الراهنة التي يمر بها الوضع الفلسطيني الآن هي ما تزال مرحلة تحرير وطني وأن المهمة المركزية هي ما زالت التخلص من الاحتلال، ولكن الجديد فيها الآن التداخل العميق بين المهام الوطنية والاجتماعية وغيرهما من القضايا المستجدة، الأمر الذي يملي ضرورة مواجهة ما يطرأ من تحديات لها تأثيرها الخطير على مستقبل القضية الوطنية.