أحببت شيرين أبو عاقلة من المرات الأولى التي شاهدتها فيها وهي تبث رسائلها من فلسطين؛ أحببت نظرة عينيها الطيبة الأخوية، والنبرة الصادقة التي تشعر كل من يتابعها أنها مشغولة بأن تظهر الحقيقة لا أن تظهر نفسها، مهمومة بالموضوع وليس بذاتها. كنت أتابعها ولم أفكر يوما في ديانتها، كان يكفيني أن الوطن محرابها وأن الحقيقة معتقدها.
تم اغتيال شيرين في 11 مايو قبل أيام من ذكرى نكبة فلسطين الرابعة والسبعين التي تحل في 15 مايو، كأنما لتصب دمها في الحقيقة ويكون موتها حياة لمواصلة الكفاح الفلسطيني الذي بدأ مع صدور قرار الأمم المتحدة الجائر في 29 نوفمبر 1947 بتقسيم فلسطين إلي دولتين (43 % للعرب - و56% لليهود رغم أن نسبة أملاكهم في فلسطين لم تتعد حينذاك 5و5%) مع تدويل القدس ، ثم تأسيس إسرائيل قاعدة عسكرية استعمارية أطلقوا عليها صفة دولة واخترعوا لها شعبا. تم اغتيال شيرين عمدا ومع سبق الاصرار، وبذلك الصدد روت الصحفية شذى حنايشة زميلة شيرين لحظة استشهادها القصة، فقالت: إنه لم يكن ثمة اشتباك بين جيش الاحتلال والفلسطينيين وأن الطاقم الصحفي بأكمله بمن فيهم شيرين وقف عشر دقائق على مرأى من الجيش، لكي يرى أنهم صحفيون، ثم تحرك الطاقم للأمام، وحين أصبح قريبا من الجيش، انهمر الرصاص عليهم؛ نجت شذى بأعجوبة حين احتمت بشجرة قريبة منها، أما شيرين المستهدفة فقد أسعفها الوقت للشهادة. وعقب الجريمة طالبت إسرائيل السلطة الفلسطينية بتسليمها الرصاصة القاتلة لإجراء فحوصات عليها والقيام بتحقيق مشترك لكن السلطة رفضت. ولا أفهم لماذا تطلب إسرائيل هذه الرصاصة تحديدا؟ فإن كانت بحاجة إلى فحص ومراجعة الجريمة، فإن لدينا الكثير والكثير من رصاصها الذي استقر في صدور أخوتنا من الصحفيين والكتاب والشعراء والرسامين، فقد قتلت إسرائيل خمسة وخمسين صحفيا خلال العقدين الأخيرين، منهم من كانوا يعملون في صحف وقنوات عربية أو أجنبية، ودمرت مقار القنوات الفضائية والمكاتب الصحفية في غزة، من دون أن نسمع العالم الحر، وتصيدت بنادقها الطفل محمد الدرة عام 2000، ودهست بجرافة عسكرية المواطنة الأمريكية راشيل كوري عام 2003 وهي تحاول وقف هدم منزل في غزة، وبرأت المحكمة الإسرائيلية قاتلها. لدينا كل هذا الرصاص إن أرادت إسرائيل أن تفحص تاريخها وأن تدرك بأن وجودها كله كان أزير رصاص لا يتوقف. لدينا في الذاكرة منها ما قتل الأديب العظيم غسان كنفاني في يوليو 1972، والرصاص الذي أنهى حياة وائل زعيتر في أكتوبر 1972 وكان من ألمع المثقفين الثوريين، ورصاصة قتلت عز الدين قلق في باريس أغسطس 1978، وعندنا للفحص أيضا الرصاص الذي قتل هاني جوهرية المصور السينمائي الذي أنهى تعليمه في القاهرة واستشهد في 11 أبريل 1976 وهو يصور المعارك وأيضا د. عبد الوهاب الكيالي في بيروت ديسمبر 1981، وتطول قائمة الرصاص بلا نهاية وصولا إلى ناجي العلي وغيره، فبأي رصاصة تطالب إسرائيل وتاريخها كله أزيز رصاص متصل؟

