Menu

الجبهة الشعبية الصراع نحو اليسار

عاطف ابو سيف

شكلت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين قوة دفع تقدمية في نسيج الكيان الثوري الفلسطيني ليس بما قدمته من بطولات وتضحيات ومعارك وعمليات باتت مع الزمن جزءاً من حكاية الكفاح والنصر الفلسطينيين فقط ،ولا بما رفدت به الثورة الفلسطينية من كوادر ورموز ثورية ألهبت الجماهير وقدمت أرواحها قرابين على محراب الحرية، بل إلى جانب كل ذلك وإلى جانب أشياء كثيرة أخرى، بل بما قدمته من أفكار تقدمية وتنويرية ساهمت في تقديم رؤية مختلفة وقادرة على إنارة مناطق مظلمة في الممارسة الثورية اليومية والكفاحية المستمرة، وعملت أيضاً على خلق نوع من الصراع والمنافسة داخل النظام السياسي قيد التشكيل يكون مركزه اليسار، والشد نحو اليسار بما يعنيه من أفكار وقيم وممارسات.

قوة الدفع تلك التي شكلتها الجبهة الشعبية ترسخت مع ترسخ الجبهة كقوة ثانية في منظمة التحرير وفي الدور النضالي اليومي. وبعبارة أخرى، وفق أدوات التحليل، كقوة معارضة كبرى، فإن الجبهة وضعت اتجاهات التنافس والصراع القيمي والمفاهيمي والممارساتي. فبعيداً عن التنافس النبيل على التضحية والعطاء والعمليات العسكرية وإيجاع العدو، فإن ثمة صراعاً خفياً ظل قائماً على الأفكار والتصورات الوطنية والمفاهيم.

وفي صلب هذه التصورات والمفاهيم كانت التصورات عن المجتمع والعلاقات والفرد وصلته بالكل والحريات وغير ذلك. فالثورة التي هدفها تحرير الإنسان كان يجب أن تبحث عن كنه الإنسان الذي تريد أن تحرره. وفي قلب هذا الكنه لابد من تعريف الحرية التي يراد ان نصل إليها. إنها الحرية القائمة على الحقوق المتساوية للأفراد وعدم التمييز، وفصل الدين عن السياسية، وحماية الأفراد من بطش أصحاب السلطات السياسية أو الاقتصادية أو الدينية. تزخر بالطبع أدبيات الجبهة الشعبية بالكثير حول هذه القضايا وغيرها التي أظن أنها تقدم مرجعاً هاماً لصياغة مستقبل فلسطيني بامتياز. مستقبل يهدف إلى فلسطين التي نحلم بها، فلسطين أرض الآباء والأجداد، وقبلة الفلسطيني أينما وجد، وغايته رغم تكالب المحن. وربما بكثير من اليقين يمكن الجزم بأن مثل هذه النقاشات، التي للأسف تراجعت في الساحة الفلسطينية أمام هجمة نقاشات من نوع آخر، وربما تقع على الطرف الآخر للنهر، حمت الثورة الفلسطينية من الكثير من الانزلاقات المبكرة وقدمت الثورة الفلسطينية بوصفها ديمقراطية في غابة البنادق.

ومركز مثل هذا النقاش يكمن ليس في النقاشات نفسها بل في جودتها ونوعها وتوجهاتها. لما كانت الجبهة الشعبية الفصيل الثاني في منظمة التحرير والمنافس الأقوى لفتح طوال عقود هي في الوعي الشعبي وفي التاريخ الذي بات مؤكداً أزهي عصور الثورة الفلسطينية، فإن ما تحمله من أفكار وقيم ومفاهيم كانت هي نقطة الجذب وموضع النقاش والخصام والتنافس. مع التأكيد على اهمية الجودة والنوعية حين يتعلق الامر بالمفاهيم والقيم لكونها الظلال الخلفية للممارسة اليومية، فإن الموضع الذي يشغله صاحب هذه الأفكار هو الأهم لأنه يحدد موقع هذه الأفكار في النقاش العام.

في ذلك الوقت الزاهي، كان التنافس حول الأفكار التقدمية والتنويرية. حتى داخل فتح ظهر في ذلك الوقت اليسار الفتحاوي كقوة يعتد بها نجح في مؤتمرات فتح اللاحقة. حيث نجح اليسار الفتحاوي في فرض بعض رموزه داخل اللجنة المركزية. والأهم من ذلك في طبيعة الشعارات التي كانت تطلقها فتح كما في ممارساتها على الأرض. كان الصراع من يكون يسارياً أكثر. من يكون تقدمياً اكثر. من يكون متنوراً اكثر. ولم يكن هذا الصراع صراعاً نخبوياً بالمطلق بل أجمل ما فيه أنه كان صراعاً بين الممارسين والمناضلين الميدانيين ولم يقتصر على الغرف المغلقة وداخل أروقة القيادة العليا. بالطبع الامر لم يقتصر على فتح بل كانت تلك سمة بارزة في فصائل الثورة الفلسطينية. إذ أن أساس الثورة كانت حرية الإنسان. والإنسان الحر وحده يستطيع أن يقود الطريق إلى الحرية، ووحده يستطيع التعرف عليها.

ويمكن لشاب مثلي عاش طفولته في السبعينيات ومرحلة الفتوة في الثمانينيات في مخيم جباليا أن يستدل على الكثير من مواطن وشواهد هذا الزمن الجميل، حيث كانت فلسطين رغم كل شيء أكبر من الجميع، وكانت المسيرات التي تخرج من المدارس تهتف شعارات كل الفصائل دون تحيز، وكان رموز الثورة سواءً كانوا من فتح أو الجبهة الشعبية هم رموز الكل الفلسطيني. ولم يكن الشعب وقتها يسير بمسيرتين. ورغم وجود فرق كرة القدم التي كانت تتبارى وتتسابق في ساحات المخيم والتي كانت محسوبة على التنظيمين الكبيرين (فتح والجبهة) إلا أن كل هذا التنافس كان يشكل حالة نضالية ومواضع استقطاب وطني لصقل الأجيال الجديدة. هكذا نشا الكثير من جيلي على هذا الوعي والتنافس من خلال الثقافة والرياضة والعمل التطوعي وفرق الدبكة والتراث الوطني. وهو تنافس يعكس صراعاً شديداً على صقل الهوية الوطنية وتطوير الوعي الوطني باتجاه التمسك بالقيم الموروثة والحفاظ على الخصائص الوطنية التي عبرت الزمن. ولم يكن هذا التنوع داخل الصورة الواحدة إلا تأكيداً على الخريطة الجينية للشعب الفلسطيني المتسامح المتنور المتعدد، عميق الإنتماء لفلسطينيته إلى جانب وعيه وحسه القوميين.

ربما لا يحتاج المرء إلى الكثير من الجهد وهو يتبصر الواقع الفلسطيني الحالي حتى يكتشف الفرق الكبير بين الماضي وبين الحاضر، ويستدل يقيناً على أهمية دور الجبهة الشعبية كقوة دفع نحو اليسار وكقوة تنويرية وحضارية تشد النقاش والتنافس الفصائلي نحو القيم الإنسانية السامية ونحو المفاهيم التقدمية والتنويرية. في الزمن الحاضر مثلاً مع صعود نجم حماس بما تشكله من تنظيم إسلامي له مجموعة من القيم والمفاهيم التي تنتمي إلى الإسلام السياسي وتستخدم الإسلام في ترسيخ الأجندة الحزبية، فإن مركز الجذب والصراع الفصائلي بات يتجه أكثر نحو اليمين والتطرف والأسلمة. وربما أيضاً لسنا بحاجة لكثير من الجهد لنستدل على ذلك، فيكفي المرء أن يراقب مسيرة لحركة فتح في قطاع غزة في السنوات العشرة الماضية ليرى طبيعة الشعارات التي ترفع ويهتف بها. الكثير من هذه الشعارات تقع في صلب شعارات الإسلام السياسي وهي ترتكز على مقولات إخوانية للأسف من باب "ارفعوا أيديكم إلى السماء" ومن ثم "ربكم؟!!" وما شابه. ليس هذا فحسب بل إن نظرة على البيانات التي تنشر باسم التنظيم وخطابات مسؤوليه تكشف حالة الانحراف نحو اليمين.

حالة الأسلمة ليست حكراً على فلسطين بالطبع. والحالة الثورية الجميلة التي أشرنا لها سابقاً كانت جزءاً من واقع عربي جميل.. إنه زمن جمال عبد الناصر وياسر عرفات و جورج حبش وهواري بمدين وخليل الوزر ووديع حداد وصلاح خلف وليل خالد ودلال المغربي وجميلة بوحيدر وغيرهم وغيرهن الكثير.  لكن المؤكد أنه رغم كل ذلك فإن ثمة ما يقال عن طبيعة الأفكار التي تحملها التنظيمات وعن دورها في النظم السياسية. فالجبهة الشعبية بما قدمته ليس من بطولات فحسب بل من مقولات، رغم ما قد يكون موقف الفرد منا منها من حيث الاختلاف أو الاتفاق، إلا أنها شكلت نقطة شد وجذب نحو التنوير والتقدمية والحريات الفردية والجماعية، وجعلت مركز التنافس مع فتح التنظيم المنافس نحو الانفتاح لا الانغلاق، نحو المشاركة لا الاقصاء. ورغم كل مساحات الخلاف إلا أن الجبهة يشهد لها أن حافظت على البيت الفلسطيني  الداخلي حتى حين كانت تعلق مشاركتها في بعض نشاطاته إلا أنها لم تختلف على وجوده. وجوهر ذلك هو الفهم الوطني للدور الكفاحي والنضالي المنوط بالجبهة كقوة ثورية حقيقية، وكركيزة ثورية تثور وتحمى الثورة.