يقول وزير خارجية الولايات المتحدة الأمريكية الأسبق، هنري كيسنجر والملقب بثعلب الشرق الأوسط، إن محاولة فهم أو الدخول إلى البيت الأبيض هي محاولة قاتلة، وأن الحكم فيه مجهول، وهذا المجهول هو ما يشكل الخطر القادم والداهم على هذه البلاد، لاسيما وأنه أشار لماهية الحكم وأسراره، في إشارة واضحة للوبي الصهيوني العامل والفاعل والمتحكم بكل صغيرة وكبيرة.
عمر التمدد اليهودي فوق الأراضي الأمريكية بدأ عام 1636م أي 389 سنة إلى عام 2025، فهذه المدة ليست بالسهلة وصعبة على الباحثين والعاملين في التاريخ لكثرة المعلومات وزخمها، وبالتالي ليس كل ما نتوصل إليه يبقى الحقيقة الساطعة، لأن الحقائق عادة ما تكون بعيدة، وعلى خلاف ما قاله جون آدمز الرئيس الثاني للولايات المتحدة، الحقيقة دائما ً عنيدة، يفسر التاريخ لنا كيف صاغت بعض من السياسات الأمريكية ومحاولتها أن تتعايش مع العالم وفق نقاط بيضاء تظهر على الصفحة السوداء التي لا تقبل إلا بالعتامة والقتامة وبذلك حفظ التاريخ هذه المحاولات تبعا ً للاسم ومحاولاتهم البريئة وخلدتهم الذاكرة الجمعية عند النقاد وطبقة الإنتلجنسيا .
لذلك اعتمدنا الإستقراء أسلوبا ً، والتحليل منهجا ً، والاختبار طريقةً، والقرائن أدوات مناقشة لفهم طبيعة العلاقة التي تكاد تكون غامضة، والتي تسير وفق خيط أو حبل سري يتضح عند كبريات الأزمات التي ربما تهدد وجود إحدى القوتين المتحالفتين، حتى لا نذهب بعيدا ً أو نزيد الأمر غموضا ً فوق غموض، نأخذ عملية، طوفان الأقصى مثالا ً حيا ً، ففي السابع من أكتوبر تشرين الأول 2023 تحركت الولايات المتحدة عسكرياً وسياسيا ً مباشرا ً لحماية الكيان الصهيوني، وكأن الأمر متفقٌ عليه لجهة الدعم، وزيارة الرئيس الأمريكي جو بايدن الفورية إلى فلسطين المحتلة ولقائه مع المجرم بنيامين نتنياهو والوقوف إلى جانبه، رسالة قوية إلى العالم أجمع أن إسرائيل خطا ً أحمر، وبالتالي فإن الولايات المتحدة معنية بالدفاع عن إسرائيل وتسليحها حتى الأسنان، ومنع مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة والمحاكم المختصة بالاقتراب أو المساس بأمن إسرائيل .
في وصف دقيق للعلاقة الأمريكية الإسرائيلية، ما قاله عدد من المسؤولين الأمريكيين، إن تحريك الذيل الإسرائيلي يدفع الكلب الأمريكي للنباح .. عندما أنشئت جامعة هارفارد عام 1636 كانت اللغة العبرية من ضمن المواضيع التي تدّرس والذي لا يستطيع ترجمة الإنجيل إلى العبرية واللاتينية لن يجد لنفسه مكانا ً فيها، والأستاذ الجامعي الذي لا يتقن العبرية لن يجد لنفسه مكانا ً بين أسرة التدريس في جامعة ‘‘ كنغز’’ التي تعرف الآن جامعة كولومبيا، لذلك انصب التركيز على الجامعات والمراكز التعليمية، للسيطرة والتحكم خدمة لليهود، لأنهم يعملون على هدف بعيد، وهو أرض الميعاد، وإقناع الإدارة الأمريكية بأحزابها المختلفة بضرورة تبني المشروع الصهيوني والوقوف معهم لتحقيق الهدف.
ولابد من الإشارة إلى أن مؤسسي أمريكا الحديثة، عندما أخذوا يناقشون فكرة شعار للولايات المتحدة ، وقع اختيارهم على تصميم يمثل الإسرائيليين يعبرون البحر الأحمر، بينما موسى يقف على أحد جانبي البحر الذي انشق وفرعون يتبعه جنوده من الجانب الآخر وقد عايشت هذه الكرة التصميم – ثلاثة رؤساء للبيت الأبيض هم : جون آدمز الأب ، وتوماس جيفرسون وبنيامين هاريسون. لدلالة التدليس والخداع الذي تعرضوا له من أكثر من 3000 منظمة وجمعية تنادي وتشكل الرأي العام الأمريكي لهذا الغرض، أي دولة يهودية في فلسطين، بالإضافة إلى الأسماء العبرية التي أطلقت على بعض المدن والقرى والشوارع، ترافق ذلك مع سياسة الضرائب التي ما تزال ترهق كاهل المواطن الأمريكي الذي لا يعرف عن العرب إلا الصحراء والجمل انعكاساً للعمل والنشاط التي قامت فيه منظمة ‘‘ بناي بريت ’’ ومهمتها الرئيسة، وقف معاداة السامية في الولايات المتحدة الأمريكية .
يوري أفنيري عضو الكنيست الأسبق، أدرك استحالة تحقيق المشروع أو الحلم الصهيوني، لذا كان ينشر منذ الخمسينيات في مجلة ( هاعولام هزة ) هذا العضو المتخصص في توجيه النقد للسياسات الصهيونية. ونجد أيضا ً المثقف الإسرائيلي شلوم رايخ يوجه لومه للقيادة الصهيونية الحالية التي تسير وفق رؤية صهيونية دغمائية إذ يقول، إسرائيل تركض من نصر إلى نصر حتى تصل إلى نهايتها الحتمية، كيف الحال مع زمن الهزائم ويقصد ما حلّ يوم السابع من أكتوبر، والهجوم التكنو- عسكري، والأسطوري للمقاومة الفلسطينية في قطاع غزة .
فرانكشتاين الصهيوني الدموي الذي أُطلق من القمقم ليقتات على دماء الأطفال والنساء وأشلائهم، لذا يقال إن ثقافة الكابوي امتزجت مع الثقافة التوراتية عبر / البيوريتانز- الطهرانيين / فالموسوية قامت في القرن الثاني عشر قبل الميلاد، بينما اليهودية السادس قبل الميلاد، فاليهود الذي يدعمون إسرائيل هم صهاينة سواء ً المتواجدون على الأرض الأمريكية وهم نسبة كبيرة، أو اليهود في فلسطين المحتلة، كلهم وجلهم يدعون إلى العداوة مع العرب وهذا لم يأت من فراغ بل من فتاوي وخزعبلات الحاخامات والتفاسير التلمودية، الحاخام كيتش يفتي علانية بقتل العرب، ويقول، إن قتل العرب لا يشكل مشكلة أخلاقية ؟!! وشلومو بن غورين كبير أحبار اليهود يوضح، إن الصهيونية وأهدافها ستبقى معرضة للخطر ما دام المسجد الأقصى وقبة الصخرة فيه قائمين أمام أعين المسلمين وأفئدتهم، لذا يجب إزالتهما من على سطح الأرض؟!!!
العلاقة الأمريكية الصهيونية القائمة على قاعدة الأخذ فقط من جهة الكيان الصهيوني، الذي كما شرحنا بأن الدعم الأمريكي المطلق والأعمى في غالب الأحيان، فهمنا كيف تشكل؛ أما أن تدرك واشنطن أن الصهاينة قد بالغوا في طبيعة العلاقة لدرجة تهديدهم المباشر للرؤساء، وحتى قتلهم بوضح النهار مسألة بغاية الخطورة، لذا نجد أن الرئيس الأمريكي الحالي دونالد ترامب يحاول وهو الذي أعلن عن محاربته الدولة العميقة في بلاده في إشارة واضحة للوبي الصهيوني وشبكاته العنكبوتية المعقدة ، الخروج عن المألوف وطريقة تعامله مع نتنياهو وعدم التنسيق معه في عدة أمور رآها مصلحة عليا لبلاده، بينما ترك الصدمة والاستغراب عند الصهاينة.
يمكن القول أن الولايات المتحدة رأت بإسرائيل نتنياهو عقبة حقيقية بوجه المصالح الأمريكية الكبرى، وهذا مؤكد لأن الاتصالات بين ترامب ونتنياهو تنقطع وتعود، وغالبا ً ما تخرج عن المألوف والمتعارف عليه، ترمب أعطى بعض الإشارات الضمنية أن الولايات المتحدة بعهده قد تذهب بعيدا ً عن دولة الاحتلال إذا عارضت مصالحها، أي إسرائيل مع استراتيجيها، دون الرجوع أو الاستشارة وهذا أمر غير مسبوق، وبداية انعتاق واضح من القبضة الصهيونية الإيباكية إذا جاز التعبير. هذه الإشارات تعني أن العلاقة الفريدة من نوعها باتت على محك الاقتصاد وعلى سكة اجعل أمريكا عظيمة من جديد، فإسرائيل تعد كابحا ً حقيقيا ً للاندفاع الأمريكي الجديد الذي يبحث عن الاستقرار والهدوء من خلال التفاهمات والبعد عن الحروب، أما في الإعلان عن الحرب الدائرة الحالية مع إيران، نتيجة الضغط الصهيوني الحالم بولادة شرق أوسط جديد وفق رؤيته أو على مقاس الخرافات التلمودية التي لا تقف عند حد من الأطماع وإشعال المنطقة بالفتن والحروب وإبقاء المنطقة كلها بحالة من شد العصب، والحقيقة أن إسرائيل وطبيعة نشأتها تتطلب الاطمئنان عن حالة التسلح وهيمنتها على المنطقة وحرمانها من امتلاك المبادرة بالعلم والمعرفة والتكنولوجيا .. وجدت واشنطن هذه الحرب مصلحة لها بالدرجة الأولى لقطع الطريق على حلفاء الصين العدو الاقتصادي .
إن الوضع الحالي واستماتة الولايات المتحدة الدفاع عن مصالح الكيان الصهيوني هي الطبيعة السيكوباتية التي يجب أن تسير عليها المنهجية الأمريكية، فأي سلام أو حالة من الهدوء يفسر صهيونيا هو حالة تعبئة ورص الصفوف وتجديد الاستراتيجية والفكرية والثقافية أو حتى الدينية في مواجهته وكشفه وفضحه وبالتالي إمكانية سوقه إلى المحاكم التي تنادي بالعدالة والحرية وتقرير المصير للشعوب المقهورة المحرومة من أبسط مقومات الحياة كالشعب العربي الفلسطيني، من غير الحروب العربية وطرق تسليحها ووضع الفيتو على السلام الذي يشكل خطرا أو توازن مع السلام الصهيوني، فإسرائيل مجموعة عصابات تتطور وفق حالة الخوف وعدم الاطمئنان . لذا عليها محاربة إيران و اليمن ولبنان وسوريا وغزة والضفة الغربية، وحتى الدول التي تؤيد القضية الفلسطينية مهددة إياها بالعقوبات وضعها بمعاداة السامية التهمة الجاهزة والمفصلة على مقاس الصهيونية العالمية .
طوفان الأقصى نسف من الذهنية العربية عقدة الهزيمة، وأعطى حالة من التقاط الأنفس والنشوة وعزز قدرة العرب والمسلمين بإمكانية إزالة هذا الكيان، الكتلة السرطانية التي تنخر جسم الدول العربية، وضرورة معالجة الحالة بكل الوسائل والسبل، فالعدو الصهيو- أمريكي عدو مستبد يملك القرار لا يملك الأقدار.

