Menu
حضارة

تقريربدران جابر.. عطاء لا ينضب وشيخوخة لا تهرم في ساحات النضال

المناضل بدران جابر

نجيب فراج

لم يتزحزح بدران جابر المولود في مدينة الخليل عام 1947 عن موقفه رغم بلوغه سن (72)  من مناهضة الاحتلال الصهيوني وضرورة مقاومته بكل الأساليب المشروعة وعدم تحويله إلى جار كما يحب أن يوصفه ويقول "إنه عدو" وسيبقى كذلك ولا بديل عن اجباره على الرحيل عن أرض وطننا.

هذا ما يقوله العديد من الذين عرفوه عن قرب سواءً في السجن أو في ساحات النضال بالأرض المحتلة، ولذلك بقي هذا الرجل هدفًا لقوات الاحتلال الذي اعتقل من قبلها لأكثر من عشرين مرة ليقضي نحو 15 عامًا داخل أقبية التحقيق وفي السجون والتي كان آخرها فجر الثلاثاء الماضي حين جرى اقتحام منزله الكائن في حي فرش الهوى بمدينة الخليل بعد آسبوع من اعتقال نجله مجد.

اعتقال جابر المدرّس المُتقاعد في مادة التاريخ كان بعد نحو عامين من اعتقاله الأخير والذي أمضى فيه أربعة أشهر قيد الاعتقال الاداري وهو جزء من مسيرة نضال وعطاء بدأت قبل احتلال ما تبقى من أرض فلسطين عام 1967.

ويقول بهذا الخصوص في أفادته لمركز أبو جهاد "أنه  درس  في مدارس الخليل الابتدائية والثانوية وأكمل دراسته في الجامعة الأردنية وحصل على بكالوريوس في الآداب قسم الجغرافيا في العام 1970".

اقرأ ايضا: جيش الاحتلال يعتقل القيادي في الجبهة الشعبية بدران جابر

ويضيف "بدأت حياتي السياسية عند زيارة رئيس الجمهورية التونسية الأسبق الحبيب بورقيبة لفلسطين ولمدينة الخليل بالذات عام 1965 حيث دعا إلى اجراء صلح مع الاحتلال والقبول بنتائج حرب 1948 حيث انطلقت مسيرات في طول المدينة وعرضها رافقتها أعمال القوة من قبل قوات البادية. وقد قادت هذه التحركات حركة القوميين العرب وتنظيم "أبطال العودة" الذي تعرفت على بعض أعضائه خلال هذه المسيرات وبدأت العمل معهم عبر انتماء خجول وتردد من قبل قيادتهم امتدت لفترة زادت عن عام، ثم كان الحدث الفصل في العدوان على قرية السموع في الخليل حيث قامت قوات الاحتلال بتدمير القرية وقد انطلقت مسيرات ومظاهرات في تشرين الثاني وكانون الاول 1966".

يتابع "وقد اعتقلت خلالها وتم التحقيق معي بقسوة حول دوري في المسيرات والتظاهرات الذي أنكرته تمامًا. وكان قد تم الاعلان عن فتح مكتب لمنظمة التحرير الفلسطينية في القدس – بيت حنينا- ترددت على المكتب وقمت بتوزيع نشرات وانضممت لجيش التحرير الفلسطيني/ جناح أبطال العودة رسميًا، ثم كان عدوان حزيران 1967 حيث غادرت مقاعد الدراسة في الجامعة لألتحق بالفدائيين في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين في الأرض المحتلة ولأتفرغ للنضال، اعتقلت بعد ثلاث سنوات ونصف من العمل في الأرض المحتلة بعد أن حضر عدد من الطلبة الجامعيين من الخارج وتم التحقيق معهم والاعتراف بدوري في بناء التنظيم الطلابي للجبهة الشعبية في الجامعة الأردنية، ولأحاكم أمام المحاكم العسكرية الصهيونية بتهمة التدريب العسكري وخدمة التنظيم. تميز التحقيق بالقسوة وخاصة في ظل اعترافات واسعة ودقيقة من قبل الرفاق والزملاء فآثرت أن أصمت، وهكذا كان حيث أن شقيقي فهمي كان قيد الاعتقال ومحكوم مدى الحياة وخشيت أن يقود الاعتراف لهدم البيت ولحكم طويل يقطع عليّ طريق الحياة ويقوض الدور الذي كنت أنذرت نفسي له وهو خدمة والديَّ العجوزين والاستمرار في الدور الذي أقوم به وقد اعتقلت بعدها بعامين بتهمة العضوية في الجبهة وتنظيم وتدريب وتسليح آخرين في اطار مجموعة فاعلة وناشطة ومميزة بجاهزيتها وجرأتها خاصة وأن لها امتدادات مع يهود تقدميين (الفهود السود) وقد كان الاصرار على الصمود عنوانًا لمرحلة الصمود الأسطوري في مواجهة التحقيق وهكذا كان".

واستمر التحقيق في عدّة سجون هي الخليل، المسكوبية، عكا، الدامون، الجلمة، ليمضي ثلاث سنوات وعادت قوات الاحتلال لتعتقله مرة أخرى عام 1980 مرتين ومرة أخرى عام 1985، ومن ثم عام 1987، وأخرى عام 1998 لتتوالى الاعتقالات والملاحقات المتواصل وليكون مجموع ما أمضاه جابر نحو 15 عامًا.

عاشت أسرته تفاصيل ملاحقته مرحلة وراء مرحلة بدءًا وهو عازب حيث كان والداه الفقيران يلاحقانه من سجن إلى سجن ومن ثم خرج ليتزوج وليترك زوجته لوحدها والتي أنجبت منه سبعة أبناء بينهم من جاء على الدنيا ووالده في السجن واليوم جميعهم شبان واعتقل عدد منهم بينهم مجد وغسان عدة مرات.

ويروي أيضًا جابر كيف واجه التحقيق في إحدى المرات بأساليب الخداع والتضليل اذ "في عام 1985 اعتقلت من جديد وكانت زوجتي حامل في شهرها الثامن وبعد شهر ونصف من التحقيق الجدي والطويل وفوجئت بعدها بأيام باستدعائي من قبل المحقق "ارهام" ومعه ورقة مروَّسة بالصليب الأحمر.. لفت انتباهي أن شارة الصليب موجودة على زاوية الورقة اليمنى وليس في الوسط كالعادة ومكتوب فيها طباعة أن زوجتي قد ذهبت للمستشفى للولادة وتوفيت أثناء الولادة وولدت بنتنا وهو يريد أن يسألني إن كنت أريد أن أضعها عند والدتي أو والدتها. إنها لحظة امتحان صعبة.. كانت موجعة بما رافقها من ظروف وخاصة أنها رسالة من الصليب الأحمر الدولي، ليتبين فيما بعد أن زوجتي وجنينها بخير".

في كل مرة يتم اعتقال الأسير بدران جابر وقد بدا يعاني من عدة أمراض من بينها الضغط والسكري وسرطان في البروستاتا عولج منه، كان يحرص على أخذ أدويته إلى السجن لأنه لم يكن ليثق أنه قد يحصل على كافة الأودية التي يريدها، وتسرد الصحفية عميرة هيس في مقال لها عن الاعتقال ما قبل الأخير بقولها "جابر سيحمل كيس الأدوية الخاص به لأنه لا يعرف كم من الوقت سيقضي وهو مقيد فيما يشبه قفص الانتظار في المعتقل قبل إدخاله إلى كرفان المحكمة. في تمديد اعتقاله الأول في 10 آب/ أغسطس عام 2017، بقي من الساعة الثامنة والنصف صباحًا حتى الساعة الخامسة بعد الظهر، وهذا نوع من التعذيب، حتى لإنسان سليم، فما بالك بشخصٍ يعاني من مرض السكري وضغط الدم، وأجريت له عملية قلب مفتوح ويتلقى العلاج لسرطان البروستاتا ولديه جهاز بخار".

ظل جابر يتمتع بمعنويات عالية للغاية ويدرك أن الطريق التي سلكها ضد الاحتلال هي طريق صعبة وكان يتوقع الأسوأ، ومع ذلك فإنه قرَّر المواجهة والتحمّل حتى نفسه الأخير كما يقول، وهذا اتضح حينما قال لابنته بيسان (28 سنة) وهي محامية في الصباح الذي سبق اعتقاله ذات مرة رافقها والدها الفخور عندما كانت تجهز مكتبها الجديد. قبل 13 سنة، بعد أن تعذب يومًا كاملاً في قفص انتظار المحاكمة قال لها، وهي الأصغر بين بناته «أريد منك في المرة المقبلة أن تكوني محاميتي».

في الشهر الأخير كان منزل جابر محط اقتحام لقوات الاحتلال مرارًا فمرة قدموا إلى المنزل وأفاقوه من النوم وقد قال له ضابط المخابرات أنه لا يريد منه شيئًا سوى التأكد من وجوده في البيت، فسأله جابر "أين سأذهب في هذه الساعة المتأخرة من الليل وأنتم ضيوف غير مرغوب بكم اطلاقًا وبعد أسبوعين اعتقلوا نجله ومن ثم اعتقلوه، ويضيف لهذا لا نريد الاحتلال ونعمل على مقاومته حتى رحيله".

هذا وأثار خبر نشرته وكالة "وفا" الرسمية يوم اعتقاله الأخير بعنوان "اعتقال مسن في الخليل" ونقلته عشرات المواقع الاخبارية التي تعودت النسخ واللصق بدون التحقق من الخبر من بينها تلفزيون فلسطين، ردود فعل غاضبة من قبل عشرات النشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي من دون أن يشير الخبر إلى تاريخ الرجل وعطائه الدائم، مُؤكدين أن الاحتلال لم يأت لاعتقال جابر بالصدفه أو وجده في الشارع واعتقله، إنه مناضل عنيد وعقائدي حتى النخاع ولهذا فهو مستهدف، وتسائل عدد من النشطاء لو الاعتقال "لا سمح الله جاء للقائد عباس زكي أو لرئيس المجلس الوطني الذي بلغ أكثر من نصف عقده الثامن هل سيكون بعنوان "عتقال المسن أديب الزعنون؟"، على حد وصف النشطاء.