Menu
حضارة

لانعاش الذاكرة .. العلاقات الصهيونية – النازية

أحمد مصطفى جابر

مشاهد من الترانسفير الجماعي الذي نفذته الحركة الصهيونية ضد الفلسطينيين

لطالما استغلت الحركة الصهيونية جرائم النظام النازي كاستثمار ناجح، ونفذت بهذه الطريقة وبسبب عداء العالم للنازية أبشع عملية ابتزاز عبر التاريخ مستمرة حتى اليوم إلا أن الوقائع تثبت أن الحركة الصهيونية تستخدم قيم الأخلاق وضحايا النازية فقط لمصلحتها، فحولت  «الهولوكوست» إلى صناعة ناجحة ورابحة لجني الأموال والدعم السياسي[1]

 يثبت ذلك حقائق أثبتها البحث التاريخي الموثق بلا أدنى شك.

لا شك أن أساس العلاقة كان المصلحة المشتركة التي سوغتها الجذور المشتركة للايدلوجية الفاشية التي يعتنقها الطرفان، وبالتأكيد كان قادة الحركة الصهيونية شديدي الإعجاب بالتجربة الألمانية، وقد نقل عن ناحوم غولدمان قوله «ثمة هوية أساسية لدى الألمان واليهود هي مواجهة المصير المشترك كمهمة إلهية»[2].

وهكذا ارتبطت أهداف الطرفين، رغبة النازية بالتخلص من اليهود، ورغبة الصهيونية بترحيل اليهود إلى فلسطين، فعملت الحركة الصهيونية بمثابرة على تهجير اليهود الألمان وحاربت بشدة اندماجهم وقد حصل هذا النشاط على تأييد هتلر شخصياً الذي عبر عن ذلك بقوله «لقد كانوا هم الصهاينة الذين أعلنوا تنظيف ألمانيا من يهودها»[3].

في كتاب بعنوان un juif libre صادر عام 1976 قام ميشال  راشلين بمقارنة مقتطفات من كتاب كفاحي لهتلر مع بعض مقاطع التوراة، وخلص الكاتب إلى مطابقتهما، وقام بيير غاريبالدي عام 1988 ليثبت هذه المطابقة، «شئنا أم أبينا، النصوص هنا واضحة تماما، إن قانون موسى هو قانون عرقي، بل انه –علينا ألا نتردد بالقول- القانون الكلاسيكي الأكبر من هذا النوع، النص الأقدم والأكثر عنفا، الذي يبشر بعرقية ايدلوجية، تبدأ من المقاربات الأولى وحتى أقصى حدودها، صحيح أن البشر لم ينظروا للتوراة ليقتلوا، ولكن ما من نص جعل المذابح فرضا دينيا بسبب عدم نقاء عرق آخر، فاليهودية هي حقا العنصرية ذات الحق الإلهي»[4].

في السياق ذاته ألا يكون غريبا أن يلاحظ حاييم كوهين الذي كان قاضيا في المحكمة العليا الإسرائيلية أن سخرية القدر قد أرادت أن تكون الطروحات العرقية البيولوجية التي يتبناها النازيون، وراء قوانين نورنبرغ هي نفسها التي يبنى عليها تحديد صفة اليهودية في دولة إسرائيل ولكن الغرابة ستزول عندما نعلم أن المنظر العرقي جوليوس سترايشر عندا سئل في محكمة نورنبرغ عما إذا كان قد شارك في وضع القوانين التي وضعت في مؤتمر الحزب النازي عام 1935 أجاب «نعم، بمعنى أنني كنت أكتب منذ سنوات مطالبا بمنع اختلاط العرق اليهودي بالدم النازي، وقلت أن علينا أن نأخذ العرق اليهودي أو الشعب اليهودي نموذجاً فالقوانين اليهودية هي التي اتخذت نموذجاً لقوانين نورنبرغ، انه أصل اليهودية التي استطاعت بفضل قوانينها أن تستمر طوال قرون في حين انقرضت جميع الأعراق والحضارات الأخرى»[5].

لقد نظرت النازية إلى اليهود المندمجين كأعداء لها، ونظرت في المقابل إلى اليهود الصهاينة كحلفاء ممكنين، أم يكن الألمان التقدميون والشيوعيون المؤيدون للاندماج أعداء للحركة الصهيونية والنازية على حد سواء؟ ألم يكن النازيون المستعدون لإجبار اليهود على الرحيل بل وتصفية المندمجين هم أصدقاء الحركة الصهيونية؟

وقد كتب روبرت ويلتش رئيس تحرير المجلة اليهودية (جودش راندشو) في افتتاحية 4 نيسان 1933 «لقد قدمت النازية فرصة تاريخية لتكيد الهوية اليهودية واستعادة الاحترام الذي فقده اليهود بالاندماج، إنهم مدينون لهتلر والنازية»[6] أليس هذا هو الوجه المقابل لما قاله هتلر آنفاً؟.

كانت المصالح متبادلة إذن، فبصدد المذبحة التي نفذتها النازية ليس فقط ضد اليهود، نجد الحركة الصهيونية متورطة ببشاعة في هذه الجريمة، ومن الثابت أن صلات عميقة انعقدت بين قادة الحركة الصهيونية والنظام النازي، ففي عام 1933 عقد الزعيم  الصهيوني الاشتراكي أرلوزوف مع الهتلريين اتفاقية بصدد صفقة تحويل الألمان اليهود النازحين إلى فلسطين بشكل بضائع، مما قوض المقاطعة الاقتصادية الدولية لألمانيا الهتلرية وأمن لها جمع مبلغ 5.5 مليون جنيه[7]، وهذا لم يكن مجرد اتفاق هامشي بل كان في صلب السياسة العامة للحركة الصهيونية، فحينما أعلن يهود أمريكا مقاطعتهم للبضائع الألمانية  رفضت الحركة الصهيونية القرار بشدة، واتخذ المؤتمر الصهيوني الثامن عشر في براغ 21 آب 1933 قرارا برفض المقاطعة لأن هذا القرار ليس صهيونيا، وليس له أية علاقة مع الحركة الصهيونية وبعد ذلك في المؤتمر الصهيوني التاسع عشر، الذي عقد في الفترة ما بين 20 آب -3 أيلول 1935 وقف الصهاينة ضد أي إجراء يتخذه اليهود ضد الرايخ الثالث[8] وقبل نهاية الحرب الثانية عقدت اتفاقية أخرى في بودابست عام 1944 بين زعيم الصهاينة المجريين الدكتور رودولف كاستنر، وكان حينها رئيس جمعية المساعدة الصهيونية المعروفة باسم (عصبة إنقاذ يهود بودابست) مع أيخمان الشهير تنص على السماح لممثلي النخبة الصهيونية وعددهم 1648 شخصا بالنوح عن المجر إلى فلسطين مقابل العون في إرسال زهاء 500 ألف يهودي (غير صالح) إلى المعتقلات، في أوتشفيتز، عبر إقناعهم بأنها مجرد رحلة تنطوي على تغيير مكان الإقامة. وكان أيخمان في ذلك الوقت رئيس القسم اليهودي في فرق العاصفة starm staffel  (s.s) التي كان أحد مؤسسيها، وكانت علاقته مع الحركة الصهيونية تعود إلى عام 1937 عندما دعي في مايو من ذلك العام لزيارة فلسطين من قبل منظمة الهاجاناة[9] ، والمعروف أن كاستنر أصبح فيما بعد عضوا في ماباي، وقد عتمت حكومة إسرائيل أثناء محاكمة أيخمان عام 1961 على نشر أو إذاعة وقائع التعاون، وقد قامت فضيحة كبرى قبل تلك المحاكمة حين طالب القاضي بمحاكمة كاستنر لأنه تدخل في محاكمات نورنبرغ بشهادة كاذبة لإنقاذ أحد محاوريه النازيين وأخفى أن تدخله كان باسم الوكالة اليهودية والمجلس اليهودي العالمي، وقد كتب موشي كاربت في 4-7-1955 في هآرتس مطالبا بتجريم كاستنر لكن يديعوت أحرونوت أوضحت «إذا حوكم كاستنر فان الحكومة كلها ستتعرض للانهيار نتيجة لما ستكشف عنه المحاكمة» وانتهى الأمر باغتيال كاستنر على سلم قصر العدل ثم صدر حكم ببراءته[10].

إن ذلك كله مرتبط بأن الوكالة اليهودية لم تكن مهتمة بالوضع الصعب لليهود الألمان وإنما تركز اهتمامها على إمكانياتهم وقدرتهم على المساهمة في المشروع الصهيوني، ويشير توم سيغف في (المليون السابع) أن المنظمة أرسلت عام 1935 إلى برلين قائمة بأسماء من لا يجب السماح لهم بالهجرة، كما كشف إن مسؤولة العمل الاجتماعي في الوكالة هنريتا سترولد طلبت عدة مرات إعادة حالات من المرضى والمحتاجين إلى ألمانيا النازية كي لا يصبحوا عالة على اليشوفيم وعامي 1933-1935 رفضت المنظمة الصهيونية ثلثي طلبات الهجرة من يهود ألمانيا مفضلة إعطاء الأولوية للشباب العازبين وبدلا من إنقاذ اليهود  المعرضين الإبادة استقدمت ستة آلف شاب مدرب من الولايات المتحدة وبريطانيا ودول أخرى ليس فيها أي خطر[11].

لا شك أن ما يعرف باسم رحلة (منغلستين) تعكس ضوءا أكبر على عمق العلاقات، ففي ربيع 1933 قام أربعة أشخاص، نازيان مرسلان من قبل الأجهزة النازية وصهيونيان من آل تتشلر مرسلان من قبل الاتحاد الصهيوني في ألمانيا، برحلة إلى فلسطين، استمرت 6 أشهر، وهدفت لإجراء تحقيق كامل حول إمكانية توطين اليهود الألمان في فلسطين، والبارون ليوبولد منغلستين أحد القائمين بالرحلة لم يكن شخصا هامشيا بل كان عضوا في حزب العمال الوطني الاشتراكي الألماني nsdap وضابطا كبيرا في الأجهزة السرية، وللسخرية الشكلية انه كان قد التحق بصفوف المخابرات كصهيوني متحمس ونابغة في الشؤون اليهودية، وقد كتب سلسلة من 12 مقالا موقعة تحت عنوان (نازي يتجول في فلسطين) في الصحيفة البرلينية der angriff التي يشرف عليها د. غوبلز وخلص إلى استنتاج «أن الوطن القومي لليهود في فلسطين سيكون علامة على وسيلة لشفاء جرح قديم يعود إلى عدة عصور هو المسألة اليهودية» وبعد ذلك عين في قسم الشؤون اليهودية في وزارة الأمن ليقوم بدعم الجهود الصهيونية المتعلقة بالهجرة، وهكذا صارت أجهزة الاستخبارات الجزء الأكثر صهيونية في الحزب النازي، الجدير بالذكر أن منغلستين هو الذي عين أيخمان في قسم الشؤون اليهودية في وزارة الأمن. واثر الرحلة الشهيرة أعلنت صحيفة الأجهزة السرية das schwarze korps رسميا دعمها للصهيونية وجاء هذا التطور للعلاقة في ظل تفاقم الحصار الاقتصادي، مما ولد فكرة مقايضة كسر الحصار بتفعيل وتنظيم الهجرة إلى فلسطين، ما نتج عنه اتفاق (الهافارا) أو (الترانسفير) حين عرض سام كوهين مدير شركة المستوطنات (حانوتا) في فلسطين، على قنصل ألمانيا هنريتش وولف فائدة مزدوجة للطرفين بقيام الشركة بكسر الحصار مقابل تنظيم ألمانيا هجرة اليهود إلى فلسطين، وليس إلى أي مكان آخر، والآلية أن يقوم اليهود بإيداع أموالهم لدى ألمانيا لتشتري بها (حانوتا) بضائع ومعدات زراعية، وقد تم التوقيع الرسمي يوم 7 آب عام 1933 في وزارة الاقتصاد الألمانية من قبل ممثلي الوكالة اليهودية وممثل الصهيونية العالمية أرثور روبين ومسؤول كبير في الرايخ الثالث، وهكذا أنشئت شركتين (بالترو) في برلين و(هافارا كومباني) في تل أبيب وأنشأ خط بحري مباشر بين هامبرغ وحيفا بإشراف حاخامية هامبرغ، وبحلول عام 1939 تم تهجير ستين ألف يهودي أي ما يعادل 10% من الطائفة حيث 73% كانوا يفضلون أوربا الشرقية لغاية 1938 [12].

ويمكن فهم أهمية الاتفاق للجهتين إذا عرفنا أن على كل مهاجر أن يودع مبلغ ألف ليرة إسترلينية على الأقل في حساب خاص في برلين ما يساوي دخل أسرة برجوازية لمدة ثلاث سنوات ويسمح له بإرسال بضاعة قيمتها 20 ألف فرنك، وقد صادق المؤتمر الصهيوني التاسع عشر في لوزان 1935 على الاتفاقية متخذاً قرارا بنقل ملكية الهافارا إلى الوكالة اليهودية، وتم نقل نظام الهافارا إلى رقابة اللجنة التنفيذية الصهيونية في المؤتمر، وبناء على الاتفاق سمح الجهاز النازي للمنظمة إقامة مركز مراكز تدريب لإيصال الخطاب الصهيوني إلى الأسر والمنازل وقد قامت عدة دول بتقليد نظام الهافارا مثل بولونيا عام 1937 وتشيكوسلوفاكيا وهنغاريا وايطاليا عام 1939[13].

وفي 26 أيلول أصدرت دار شواراز كوربس جريدة الأجهزة السرية إن «الاعتراف بالمجموعة اليهودية كجماعة عرقية تقوم على الدم لا على الدين تقود الحكومة الألمانية إلى ضمان الوحدة العرقية لهذه الجماعة، وتجد الحكومة نفسها على اتفاق تام مع الحركة الكبيرة لهذه الجماعة التي تسمى الصهيونية والتي تعترف بتضامن جميع يهود العالم ورفضها لأي مفهوم اندماج، وعلى هذا الأساس تتخذ ألمانيا المبادرة إلى تدابير ستلعب بكل تأكيد دوراً ذا دلالة في حل المسألة اليهودية في العالم».

ونجد ردود فعل الصهاينة الألمان أكثر حماساً فقد نشرت جريدتهم (جودش راندشو) في 17 أيلول افتتاحية حماسية «إن ألمانيا تستجيب لمطالب المؤتمر الصهيوني العالمي إذ تعلن أن اليهود المقيمين في ألمانيا حاليا هم أقلية قومية» وقد أيدت مجلة اليهود الأرثوذكس الموقف ذاته وعبرت عن تأييدها المطلق لمنع الزيجات المختلطة في 19 أيلول 1935، وبعد شهرين كتب هيريتش رئيس الأجهزة السرية بفرعيها sos  وغستابو في صحيفة داز شواراز كوربس الخاصة بالأجهزة يقول «يدعو الصهاينة إلى مفهوم عرقي تماما ويساعدون عبر الهجرة على بناء دولتهم اليهودية الخاصة، إن تمنياتنا الخاصة والرسمية معهم»، كذلك عبر ألفرد روزنبرغ المنظر العرقي عن دعمه الكامل للصهيونية في حوار مع صحيفة l'echo de paris عدد 30 أيار 1935.

هانرل ريدنثال رئيس اتحاد الصهاينة الألمان كتب«كان الغستابو يعمل كل ما في وسعه لتشجيع الهجرة وخاصة باتجاه فلسطين وغالبا ما كنا نتلقى مساعدة عندما كنا نحتاجها لدى الحكومات الأخرى بهدف تشجيع الهجرة».

 

[1] نورمان فنكلشتين. صناعة الهولوكوست: تأملات في استغلال المعاناة اليهودية. ترجمة سماح إدريس. وأيمن ح حداد. ط1(بيروت: دار الآداب2001) يعتبر هذا الكتاب بمجمله وثيقة هامة تخدم الكشف عما يراد الاشارة إليه في السياق.

[2] حياة الحويك عطية. العلاقة الصهيونية النازية 1933-1941. باحث للدراسات. www.bahethcentre.com

[3] نظام عباسي. العلاقات الصهيونية النازية وأثرها على فلسطين وحركة التحرر العربي 1933-1945( الكويت : كاظمة للنشر والترجمة والتوزيع. 1984) ص 44

[4] الحويك. سبق ذكره

[5] نفس المرجع

[6] نفس المرجع

[7] دادياني. الصهيونية على حقيقتها. ترجمة الياس شاهين (موسكو: دار التقدم، 1989) ص178

[8] Yahya. faris. Zionist relation with nazi-germany.(Beirut 1978)p23

[9] عباسي. مرجع سابق. ص44

[10] الحويك. سبق ذكره

[11] نفس المرجع.

[12] نفسه.

[13] لمزيد من المعلومات حول نظام الهافارا راجع: yahya، عباسي، الحويك. مراجع سابقة.