Menu

عودة على بدء

حاتم استانبولي

يبدو أن تعقد الحلول السياسية في أوكرانيا، نتيجة للسياسة الأمريكية التي تهدف إلى إطالة الحرب فيها وانعكاساتها على الاقتصاد العالمي، وخاصة الأوروبي منها. فسياسة الاخضاع لروسيا من خلال العقوبات الأمريكية والغربية واليابانية المتتالية، وصلت إلى طريق مسدود وأصبحت ارتداداتها على الاقتصاد العالمي والأوروبي خاصة، تتصاعد ويشهد الاتحاد الأوروبي وضعًا متأزمًا استثنائيًا وعدم توافق في إطار البحث عن تشديد العقوبات لإطلاق الحزمة السادسة من العقوبات التي تطال حظر النفط والغاز الروسي. في حين يشهد الاقتصاد الروسي والعملة الروسية، حالة من المقاومة والتعافي من الآثار المباشرة للعقوبات، وعلى ما تُظهر المعطيات، أن الحكومة الروسية أطلقت برنامجًا شاملًا لمواجهة العقوبات وتخفيف نتائجها السلبية المباشرة والبعيدة على الاقتصاد الروسي والعلاقات التجارية الخارجية. وسير المعارك على الأرض يوضح، أن القيادة الروسية تعاملت مع الهدف الأمريكي الأوروبي لاستنزاف روسيا، لتحويله استنزافًا لأوروبا والولايات المتحدة التي تضخ المليارات لخزينة أوكرانيا لإبقاء قيادتها على سرير الإنعاش.

إن وهم هزيمة روسيا التي تحاول وسائل الإعلام البريطانية تسويقه هو زرع أوهام في عقول بعض القادة الأوكرانيين الذين لم يقرؤوا بعمق تصريحات الرئيس بوتين حول أنه لا يمكن أن يكون عالم بدون روسيا، ولم يُدققوا في تصريحات بايدن الذي أكد في أكثر من مناسبة عن أن واشنطن لا تسعى للمواجهة مع روسيا، وهذا ما أكده البنتاغون الأسبوع الماضي في الاتصال المتأخر مع قيادة الأركان الروسية. لقد كان يراد من العقوبات أن تدع الكرملين يسعى لحلول لأزمته، ولكن الصورة انقلبت، فنرى أن أوروبا خاصة، أصبحت تصرخ من أجل ايجاد حلول لأزماتها التي طالت معيشة مواطنيها وشركاتها النفطية التي أصبحت تتمرد على قرارات بروكسل حسب المعلومات التي أطلقتها غاز بروم الروسية، فإن العديد من الشركات النفطية الأوروبية خضعت إلى القرار الروسي بالدفع بالعملة الروسية وفتح حسابين بالروبل واليورو لدفع ثمن النفط والغاز الروسي.

بروكسل مع قادة أوروبا يبحثون عن بدائل للغاز الروسي تساعدهم في ذلك واشنطن، من خلال إعادة النظر في علاقاتها مع دول، مثل: فنزويلا وكوبا وإيران من جهة، ومن جهة أخرى، إعادة النظر في سياساتها تجاه دول الخليج، خاصة ثنائية الرياض ودبي اللتان لم ترضخ لتنفيذ العقوبات ضد روسيا، في حين تلعب الدوحة على الحبلين وتطرح عدم إمكانية تعويض الغاز المسال الروسي بالغاز ال قطر ي بذات الأسعار، ناهيك عن الإشكالات اللوجستية التي لا تتوفر لتلبية حاجيات السوق الأوروبية. والمشكلة التقنية الأبرز أن المصافي الألمانية والهنغارية وغيرها التي تعتمد النفط الروسي، تتطلب تكلفة عالية ووقتا غير قصير لإعادة تأهيلها لتكرير انواع نفط أخرى. أما بشأن الغاز وكلفته المرتفعة نتيجة للنقل، فهذا اُستثمر قطريًا وتركيًا لإعادة إحياء مشروع الناقل البري الذي يعبر الأراضي السورية، لكن هذا النقل لا يمكن تمريره في ضوء استمرار رفض النظام السوري الذي تربطه علاقة تحالفية استراتيجية مع روسيا.

واشنطن من جهتها، تعمل على إعادة تقييم سياستها في سوريا، ومن الممكن أن تشهد الساحة السورية تصعيدًا جديدًا، يعيد إحياء محاولات تغيير النظام أو إعلان تقسيم تعترف به واشنطن، يطال شرق سوريا، ويكون مدخلا التدخل الامريكي العسكري لتغيير النظام على غرار الاعتراف الروسي بدونباس. هذا الخيار يواجه معيقًا تركيًا التي لن تسمح بإعطاء الأكراد انتصارًا سياسيًا بالاعتراف بحقوق سياسية سيادية، إلا إذا توافقت مع الخطة التركية للتغيير الديمغرافي في الشمال السوري، وفي هذا الإطار يبرز الموقف التركي الرافض لعضوية السويد وفنلندا، بسبب موقفهم من القوى الكردية في الشمال السوري. إن أي حل لهذا الخلاف سيكون على حساب السيادة السورية، من خلال إعادة تشكيل الإطار السياسي لشرق سوريا بإدخال تمثيلًا لِلقوى المدعومة تركيًا.

الساحة السورية ستشهد ارتفاعًا في حدة المواجهات على الأرض للضغط على الموقف الروسي في محاولة لتوسيع الخلاق بين موسكو وأنقرة، وإسرائيل لن تكون بعيدة عن هذه الرؤية، بل لها مصلحة في إعادة توتير الساحة السورية التي ما زالت تعتبرها خطرًا داهمًا عليها، خاصة بعد التورط الإسرائيلي في الأزمة الأوكرانية. فالوضع الداخلي الإسرائيلي المتأزم والمواجهات في مخيم جنين التي تعتبر نقلة كيفية في التصدي الفلسطيني للعدوان على المخيم، طرح سؤالًا وجوديًا حول استمرار دولة إسرائيل، هذا التساؤل هذه المرة طرح من قبل "وزير الدفاع ورئيس الحكومة"، أي من داخل المستوى السياسي والعسكري الإسرائيلي.

التخوف الإسرائيلي بغض النظر عن مستوى جديته أو وظيفته، سيدفع إسرائيل إلى مساندة أعمال عدوانية في سوريا وعليها، من أجل إحداث تغييرات إقليمية لوقف دعم المقاومة الفلسطينية، وهذا يترتب عليه مواجهة بين كل من إيران وسوريا والمقاومة، مدعومة روسيًا لإجهاض أي محاولة لإحداث تغييرات دراماتيكية في الواقع الجيوسياسي.

إن المواجهة الدولية تتصاعد ومن الممكن أن تتدحرج للأسوأ إذا ما استمرت سياسة المواجهة الميدانية بالوكالة التي من الممكن أن تتحول في أية لحظة لمواجهة مباشرة، إذا ما ارتكب خطأ في الحسابات. الوجه الآخر للأزمة العالمية تتمثل في انقطاع الإمدادات الغذائية التي ستكون سببًا فب أزمات واضطرابات اجتماعية، في حزام الفقر العالمي، وهذه الأزمة لن تحل في ظل تصاعد المواجهة بين موسكو وواشنطن، حيث تتطلب تعاونًا دوليًا لحلها لإعادة الامدادات الغذائية والأسمدة والأعلاف التي ٤٠% من مصادرها روسية أوكرانية.

التصعيد ولغة المدافع لن تحل هذه الأزمات، فلغة الحوار والمقاربات السياسية وإعادة صياغة حدود المصالح القومية، هي المدخل للحل وإعادة العالم للوقوف على أرجل أربعة هو الذي سيعيد الاستقرار السياسي والغذائي.