مديرُ مركزِ دراساتِ أرضِ فلسطينَ للتنميةِ والانتماء/ تونس
اختارَ الجيشُ واللجانُ الشعبيّةُ اليمنيّةُ الذكرى الثامنة (26 مارس 2022) لشنِّ الحربِ العدوانيّةِ على اليمن (عاصفة الحزم) بتاريخ 26 مارس 2015، للإعلانِ عن تعليقِ هجماتِهم بالطائراتِ المسيّرة وبالصواريخ على السعوديّة مدّةَ ثلاثة أيّام. وبعدَ ثلاثةِ أيامٍ من هذا الإعلان 29 مارس 2022، قرّرت السعوديّةُ وقفَ عمليّاتِها العسكريّةِ في اليمن طيلةَ شهرِ رمضان، وذلك قبيلَ ساعاتٍ من انطلاقِ مشاوراتِ الرياض التي دعا لها مجلسُ التعاون الخليجي؛ بهدفِ إنجاحِ المشاورات، وخلقِ بيئةٍ إيجابيّةٍ لصناعةِ السلام، وبذلك أرادت السعوديّةُ حفظَ ماءِ وجهِها بطرحِ موقفِها بصيغةِ تلبيةِ طلبِ مجلسِ التعاون الخليجي، وليس استجابةً لما أعلنه الجيشُ واللجانُ الشعبيّةُ اليمنيّة. وفي تفاعل الجهات الدوليّة مع الاتّفاق انضوى تصريحُ المبعوثِ الأمميّ هانز غروندبرغ على عدم الجزم بالاتّجاه الذي يمكن أن ينتهي إليه الاتّفاق، فقال: إنّ "نجاح هذه المبادرة يعتمدُ على التزام الأطراف المتحاربة المستمرّ بتنفيذ اتّفاق الهدنة بما يتضمّن الإجراءات الإنسانيّة المصاحبة". وشدّد على أهميّة "البناء على هذا الاتّفاق لاستعادةِ بعضِ الثقةِ بين الأطرافِ المتحاربة، ولاستئناف عمليّةٍ سياسيّةٍ تهدفُ إلى إنهاء النزاع"، ليأتيَ الخرقُ السعوديّ المتكرّر لوقف إطلاق النار، وعدم الالتزام بالبنود الواردة في اتّفاق الهدنة، ليؤكّدَ أنّ الالتزامَ لم يتوفّر من قبلها، وأنّ الثقةَ من الصعب استعادتُها، وبالنتيجة من غير الممكن استئناف عمليّةٍ سياسيّةٍ تنهي النزاعَ عند النقطة التي وصل إليها.
يحتاجُ الأمرُ إلى الغوص أكثرَ في منطلقات أطراف الصّراع من هذه الهدنة، فبالنسبة لما أعلنه الجيشُ واللجانُ الشعبيّة اليمنيّة بتاريخ 26 مارس، الذي جاء في ذكرى العدوان على اليمن، وبعد توجيه ضرباتٍ موجعةٍ إلى قوى العدوان (الإمارات والسعوديّة)، أي من موقع الإمساك بالمبادرة العسكريّة، ينضوي على الرغبة في إنهاء الحرب ودعوة صريحة لقوى العدوان، بأن تكفَّ وترفع يدها عن اليمن، بتذكيرها أنّ محاولاتِ كسرِ إرادةِ الشعبِ اليمني على مدى ثماني سنواتٍ لم ولن تتحقّق، وأنّ العدوان قد فشل في تحقيق أيٍّ من أهدافه، وفي المقدّمة منها تقسيمُ اليمن إلى ستّةِ أقاليم؛ بهدفِ إخراجِ اليمن بما يمثّله من موقعٍ استراتيجيٍّ وثقلٍ سكانيٍّ من أيّةِ معادلةٍ مستقبليّة، ترسمُ لمنطقةِ الخليج العربيّ، وذلك من خلال توفير شروط التحكّم في تلك الأقاليم الستة، والمضي بها تجاهَ التمزيق النهائيّ لليمن، وهو الأمرُ الذي تنبّه له بشكلٍ مبكرٍ اليمنيون ورفضوه مع استعدادهم لدفع ثمن الرفض، وكانت أحد أسباب شنّ الحرب على اليمن.
أمّا بالنسبةِ للموقف السعوديّ، فمن الملاحظ أنّ هناك مسافةً فاصلةً بين إدراكها ومن خلال الضربات التي تلقتها لحقيقةِ أنّ تحوّلًا قد حدث في مسار الحرب، وأنّها فقدت زمام المبادرة، وباتت أهدافها (الخاصّة) مجرّد وهم، وبين التصرّف بمقتضى هذه الحقيقة. وفي تفكيك عقدّة الموقف السعوديّ، نلاحظ توافقا زمنيًّا، من حيث التوقيت بين خبر تشكيل المجلس الرئاسي على جثّة مسيرة هادي السياسيّة واقتراح إعلان الهدنة، فهل كان إعلان الهدنة يستدعي إقالة هادي ووضعه تحت الإقامة الجبريّة في بيته؟
إذا كان الأمرُ كذلك، يعني أن هادي كان صقرًا رافضًا لوقف إطلاق النار، ويريد الاستمرار في القتال إلى النهاية، لكن الموقع الذي كان يحتلّه يؤكّد أنّه كان مجرد أداةٍ وظيفيّةٍ استخدم مرّةً واحدةً فقط، ثمّ أُلقي به، وهو ما تمّ بعدما عجز عن أداء المهمّة التي كلّف بها. كما أنّ الخرق السعودي للهدنة التي أعلنها، وذلك بمنع فتح مطار صنعاء وشنّ الهجمات المتكرّرة، ينفي فرضيّة أن يكون هادي صقرًا محاربًا، ذلك لا ينفي علاقة ما، تربط بين الإقالة وإعلان التهدئة، وتتلخّص هذه العلاقة في أنّ القرارين يتقاطعان عند نقطة: إعادة ترتيب الأوراق، تمهيدًا للدخول في دورة تصعيدٍ عدوانيٍّ جديد، ومن غيرِ أملٍ في حسمِ الصّراع لصالحها. ولكن ما الذي يدفع السعوديّة إلى المُضيّ في طريق التصعيد والاستمرار في حرب، باتت تدركُ أكثر من غيرها: أنّها تمضي بما يعاكس رغباتها؟ وهل أن موقفها يندرج في سياق العناد أو عمى البصيرة السياسي لدى قادة السعوديّة؟ أم أن هناك أطرافًا أخرى باتت تتحكّم في توقيت إنهاء العدوان على اليمن، غير الطرف الذي أعلن بدء ذلك العدوان؟
إنّ مضي السعودية بهذا الاتجاه التصعيدي، على الرغم من كلّ الضربات التي تلقتها، وبالرغم من أنّ سير الأحداث العسكريّة بما يعاكس إرادتها، يعود بالأساس إلى أنّ قرار الاستمرار في الحرب على اليمن لم يعد قرارًا سعوديًّا بحتًا، بل أصبحت هناك أطرافٌ أخرى لها دورٌ في صياغة القرار. وقبل تحديد هُويّة هذه الأطراف، من المفيد العودة إلى بداية إعلان الحرب على اليمن، حيث سارت الأمور منذ ذلك التاريخ في منطقة الخليج العربي باتّجاهين يكمل كلٌّ منهما الآخر، فمن جهة، شنّت الحرب على اليمن بمشاركة أطرافٍ خليجيّةٍ إلى جانب السعوديّة، خاصّةً (الإمارات وقطر والبحرين) بالأساس و السودان ، وفي خطوةٍ لاحقةٍ تسارعت الخطوات تجاهَ التطبيع مع الكيان الصهيوني، وهو الأمرُ الذي تبدّى بشكلٍ جليٍّ في اتفاقيّات أبراهام التي انخرطت فيها الإمارات والبحرين والسودان، إضافةً إلى استعداداتٍ سعوديّةٍ للمُضيّ في الاتّجاه ذاته، آخرها تصريح محمد بن سلمان الذي لا يعدُّ إسرائيل عدوًّا، والمفارقة أنّ هذا التصريح، جاء بشكلٍ يكادُ يتوافقُ مع وضع هادي، رهن الإقامة الجبريّة وإعلان الهدنة.
إنّ خط الحرب وخط التطبيع يلتقيان في نهاية المطاف عند عقدةٍ أساسيّةٍ وهي المصلحةُ الأمريكيّةُ والإسرائيليّة، لاستمرار العدوان، طالما أنّ الأهدافَ الأساسيّةَ لم تتحقّق؛ لأنّ أيّ توقّفٍ للحرب دون ذلك، يعني قطع الطريق على أهدافٍ استراتيجيّةٍ مدرجةٍ على جدول أعمال الطرفين. فالولايات المتّحدة التي بنت لها الإمارات قواعدَ عسكريّةً في الجنوب بحجّة مكافحة الإرهاب ومواجهة القاعدة، تسعى إلى السيطرة على مضيق هرمز وباب المندب وقناة السويس، بوصفها من بين خطوط الملاحة التجارية والعسكريّة في العالم، بما ييسّر لها قطعَ الطريق على الصين، وإنشاء طريق الحرير الجديد، الممتدّ إلى سواحل البحر الأحمر والبحر المتوسط. وإسرائيل التي حضرت شريكًا رئيسيًّا في الحرب على اليمن منذ عام 2015، وهو ما كشفته صحيفة الواشنطن بوست، وكذلك كشف موقع liberty fighters البريطاني الذي أكّد أنّ: "إسرائيل شاركت بسربٍ جويٍّ من الطائرات لدعم القوّات السعوديّة"، فإنّ الحربَ على اليمن لها مسألتان: يتعلّق أوّلهما، بتصنيفها لأنصار الله كجزءٍ من محور المقاومة، وترى في انتصارها انتصارًا لقوى المحور وسيطرته على باب المندب، بما يعنيه ذلك من تهديدٍ للملاحة الإسرائيليّة، إضافةً إلى حرمانها من الهيمنة على الممرّات المائيّة حولَ الجزيرة العربيّة، التي باتت بالنسبة لها قابَ قوسينِ في ظلّ اتفاقيّات أبراهام. ويتعلّق الثاني، بتصنيفها ل إيران خطرًا استراتيجيًّا إقليميًّا تسوّقه على أنّه يمثّلُ تهديدًا لها ولدول الخليج، وهنا يصبحُ الاستمرارُ في الحربِ على اليمن في جوهرِ الأهدافِ الإسرائيليّة، إضافةً إلى الأمريكيّة.
على ضوءِ ذلك، فإنّ استكمال مسار التطبيع في الخليج بمبرّراته وتوجّهاته نحوَ بناء تحالفٍ ضدّ إيران، والإمساك الإسرائيليّ بمفاصلَ وممرّات مياهٍ استراتيجيّة، لا تكتمل إلا بإزالة العقدة اليمنيّة عند مدخل باب المندب؛ الأمرُ الذي يجعل من قرار إرساء هدنةٍ حقيقيّةٍ أمرًا مستبعدًا، وخارج نطاق القدرة السعوديّة على الاستفراد بأخذ قرارٍ في هذا الموضوع، وسيبقى الموقفُ الإسرائيليُّ والأمريكيّ، عاملًا حاسمًا في هذا الأمر، وهو موقفٌ ما زال بعيدًا، خاصّةً مع بقاء الحكومة اليمنيّة بخياراتها السياسيّة التي أصرّت على التعبير عنها حتّى في أحلك الظروف، خاصّةً في كلّ ما يتعلّق بدعم الشعب الفلسطينيّ، عبرَ الملايين التي تزحف على الميادين في كلّ مناسبةٍ تتعلّق بفلسطين، إضافةً إلى العلاقات الجيّدة القائمة بين أنصار الله وإيران وكلّ أطراف محور المقاومة، ذلك لا ينفي أن تلك القوى ستغض النظر أو تدفع بين فترةٍ وأخرى على صيغٍ معيّنةٍ من التهدئة ووقف إطلاق النار؛ وذلك بهدف امتصاص ردود الفعل على جرائم الحرب المرتكبة بحقّ الشعب اليمنيّ. ومن ناحيةٍ ثانية، فإنّ تجاوب اللجان الشعبيّة والجيش اليمني مع ذلك، يشكّلُ أمرًا ضروريًّا؛ من أجل تخفيف أعباء الحرب على الشعب اليمنيّ حتّى بالحدود الدنيا، ودون إغماض العين للحظة، عمّا تهدفُ وتخطّطُ له قوى العدوان المباشرة والواقفة من خلف ستار، لا سيّما وأنّ رفع راية النصر لم تعد بعيدةَ المنال.

