Menu

غازي الصوراني: دور وجهد معرفي ونقدي متواصل نحو المستقبل

حاتم استانبولي

ليس من عادتي أن أكيل المديح على الأفراد، ولكن هنالك استثناءات، والأكثر استثنائية إذا كان الذي يتعلق به المديح ما زال على قيد الحياة أو بالأحرى مصطلح مديح لا ينطبق بحرفيته ومدلولاته في هذه الحالة؛ كونه لا يحظى بأية قوة مادية أو اقتصادية أو سلطوية، هو مديح لدوره الفكري والمعرفي الواعي، بل هو محاصر وممنوع من الخروج من وطنه الكبير إلى وطنه الصغير من غزة إلى أكثر من ١٥ دولة (عربية)، بسبب مواقفه الواعية المعلنة الجريئة.

إن أي تدقيق وقراءة لدوره وجهده المتواصل لتعميم الثقافة العلمية، يعتبر حقا له، من الواجب الإشارة لدوره الايجابي المتواصل والدؤوب في إعادة رفع الغطاء أو الإشارة أو التحليل أو الشرح أو المقارنة أو الاستدلال والنقد لتاريخ تطور الفلسفة بكل مراحلها ولغاتها وتفاعل الثقافات المختلفة معها التي أعطتها لونها في ارتباطها بحيزها المكاني والزماني. لقد رأيت أن من حقه بأن يشار لدوره، في تعميم الفكر والتنوير، في مرحلة تسودها السطحية وعدم الاكتراث واللامبالاة بالأسباب العميقة لحالة التخلف والتعثر، بل من الممكن أن يطلق عليها حالة من الانحطاط المعرفي والثقافي التي تسود بفعل عمل منهجي لإبقاء حالة التخلف المعرفي وسيادة السطحية وعبادة الفرد المتأصلة في المجتمعات الشرقية.

الباحث المعرفي غازي الصوراني أبو جمال هو من أتكلم عنه في هذه السطور؛ إنه يقدم جهد معرفي إذا ما دقق فيه بشكل عام، يدرك المرء أهميته ودوره في تعميم الفكر العلمي النقدي البناء ويلقي ضوءًا مهمًا على مراحل تاريخية كان فيها النشاط المعرفي؛ لو قدر له أن يستمر لكانت أوضاع شعوبنا ومجتمعاتنا تختلف عما نحن فيه، بل هو يقوم بعمل موثق بناء له قيمة هامة إذا ما استثمر في إعادة بناء تاريخ الثقافة التي مرت على المنطقة وتداخلها مع الثقافات الإنسانية وأهميتها في تطويرها، من خلال إبراز التيارات الفكرية والتعارض فيما بينها.

الجهد الذي يقوم به الباحث غازي الصوراني ودوره لإعادة الاعتبار للفلسفة العلمية، كمنهج للتفكير والتحليل؛ يعتبر المدخل للإصلاح المعرفي.. وكل المقولات التي سوقت من قبل السلطات الحاكمة وحاشيتها لمهاجمتها وتحريمها هو استمرار للجهد المنهجي الذي يبقي حالة التخلف المعرفي بكل أبعاده وأشكاله.

الجهد المعرفي الذي يقوم به الباحث الفلسطيني غازي الصوراني المحاصر في قطاع غزة؛ برأيي هو جهد يجب أن يقدر من قبل الجميع، من يناصره، ومن يعارضه، لأنه يفتح بابًا كان موصدًا للحوار المعرفي المنهجي العلمي ويطالب معارضيه أن يقدموا رؤيتهم عن تيارات واتجاهات في التاريخ السياسي والثقافي والديني للمنطقة وعلاقاتها بالثقافات الأخرى ودور اللغة العربية واللغات الأخرى التي غيبت في التطور المعرفي، في مرحلة النهوض التي اتسمت بالتفاعل والحوار بين الاتجاهات والتيارات وفلاسفتهم.

مني شخصيًا كل الاحترام والتقدير لهذا الجهد والعمل الموثق الذي سيقرأ مستقبلًا؛ على أنه ساهم في فتح باب للتنوير والتفاعل والإشارة لزوايا في التاريخ، كان من المحرم أن يلقى الضوء عليها.