النهوضُ الاجتماعيُّ ضرورةٌ ملحّة؛ من أجلِ النهوضِ الوطنيّ، حيثُ لا يمكنُ الحديثُ عن نهوضٍ وطنيٍّ بعيدًا عن النهوضِ المجتمعيّ الذي يعزّزُ وحدتَهُ على أسسٍ ديمقراطيّة، وتكافلِ قواهُ الاجتماعيّة وترسيخِ علاقاتِها مع محيطِها الاجتماعيّ.
المجتمعُ الفلسطينيُّ له خصوصيّة، من حيثُ توزّعُهُ المكانيّ عبرَ الزمان الذي أكسبَهُ ديناميكيّةً متداخلة، مع مجتمعاتٍ مختلّفةٍ في مستوى تطوّرها الاقتصاديّ والاجتماعيّ والسياسيّ، هذهِ الديناميّةُ لم يتمَّ إدراكُ عمقِ خصائصِها، من أجلِ توظيفِها بشكلٍ خلّاق، لتفعيلِ القوّةِ الكامنةِ فيها وتوظيفِها في المشروعِ الوطنيّ التحرّري. إنّ عدمَ إدراك هذه الميزة الديناميّة من قبل قيادةِ الشعبِ الفلسطينيّ بانتماءاتهم السياسيّة والفكريّة كافةً، أدّى إلى عدم إعطاء أهميّةٍ خاصّةٍ لكلّ مجتمع؛ ارتباطًا بخصوصيّة ظروف المكان والقوانين التي تحكمه، أعاق تقديمَ رؤيةٍ موضوعيّةٍ تساعد في عمليّة النهوض الاجتماعيّ الجمعي من خلال توظيف التجمّعات الفلسطينيّة في عمليّة النهوض الاجتماعيّ والوطنيّ، وهذا ما يفرضُ مهامًا مركّبةً ومختلفةً لحلّ المعوّقات التي تواجه المجتمعات الفلسطينيّة، خاصّةً أنّه في ظلّ غياب الرؤية الموضوعيّة؛ بقيت الحالةُ المجتمعيّةُ خاضعةً للمبادرات الفرديّة المحلّيّة التي كانت تنجحُ أو تخفق في الكثير من الحالات.
إنّ عدم إعطاء أهميّةٍ لِوحدة النهوض الاجتماعي، أدخل التجمّعات الفلسطينيّة في مجموعةٍ من التناقضات والتعارضات المركّبة، خاصّةً ما بعد اتفاقيّات أوسلو التي أهملت هذه المجتمّعات الفلسطينيّة اللاجئة وأخرجتها من دائرة الاهتمام الرسميّ، وبدأت باستخدام مصطلح المغتربين الفلسطينيّين لتسمية تلك المجتمعات، ممّا أسقط صفةَ اللجوء الفلسطينيّ، كمفهومٍ يعبّر عن جريمة النكبة في خطوةٍ تحملُ أبعادًا سياسيّةً وتاريخيّة.
إسقاطُ صفة اللجوء جاء توافقًا مع سياسات أوسلو التي أسقطت الحقَّ الوطنيّ والسياسيّ التاريخيّ للاجئين، وتركتهم في حالةٍ فوضويّةٍ سياسيّةٍ وفكريّة، ممّا جعلهم قوّةً خارج التأثير، مفكّكةً يكتنفها شعورٌ بالإهمال المتعمّد لإخراجها من دائرة التأثير السياسيّ والثقافيّ والوطنيّ ويكرّس الفرقة والتمييز بين فئاتها الاجتماعيّة؛ استنادًا إلى المنشأ المكاني بين مفهوم اللجوء وبين مفهوم المغتربين.
إنّ اللجوء والاغتراب مصطلحانِ يحملانِ أبعادًا سياسيّةً وقانونيّةً متعارضة، وتصلُ إلى حدّ التناقض السياسي، في حين أنّ مصطلح اللجوء الفلسطينيّ يعبّرُ عن خصوصيّة جريمة النكبة التي مورست بشكلٍ منهجيٍّ ضدّ الشعب الفلسطيني، والمخيّم الفلسطينيّ الذي هو عنوانُ اللجوء، وهو في الوقت ذاته يحملُ معيارَ تحقيق العدالة الفلسطينيّة، فالهجومُ الشرسُ الهمجيُّ على مخيّم جنين بالجوهر هو هجومٌ لاقتلاعِ الروح النضاليّة التي تسعى لتحقيق العدالة للمخيّم الفلسطيني.
رمزيّةُ المخيّم الفلسطينيّ تكتسب أهميّةً خاصّةً في هذه المرحلة التي تحاول فيها إسرائيل الإحلاليّة وأعوانها وأدواتها محو وإلغاء وإنهاء كلّ ما يرتبط بجريمة النكبة، وفي مقدّمتها إلغاءٌ للمؤسّسة الدوليّة وكالة الأونروا التي هي الشاهدُ القانونيُّ على جريمة النكبة.
أمّا الاغترابُ فهو يعبّرُ بالجوهر عن خيارٍ فرديٍّ وجمعيٍّ طوعيٍّ لعمليّة الاغتراب، بعيدًا عن ارتباطها بجريمة النكبة. فاستبدالُ اللجوء بالاغتراب انعكس على دور الأدوات والمؤسّسات السياسيّة الفلسطينيّة، وخاصّةً دور الممثّليات والسفارات الفلسطينيّة لتوحيد نشاط الجاليات الفلسطينيّة المنتشرة والمتفرّقة، تحت لافتاتٍ سياسيّة، بعيدًا عن إدراك أهميّة وحدتها للنهوض بالمجتمعات الفلسطينيّة، وتعزيز دورها في الإطار الوطنيّ التحرّري الجمعيّ في بقاع الأرض.
إنّ المجتمعات الفلسطينيّة المنتشرة في كلّ بقاع الأرض تحتاج لرؤيةٍ جمعيّةٍ مشتركة، تعزّزُ دورها لكي تكون قوّةً مؤثّرة، عبرَ الاندماج في النشاط السياسي للمؤسّسات المدنية والسياسية واستخدام الأدوات الديمقراطيّة، إطارًا للنشاط الجماعي لمواجهة النشاط الصهيونيّ الذي يعمل على مدى عشرات السنين، من داخل هذه المؤسّسات، وينشر سياسةً يوميّةً تراكميّةً ضدَّ النضال الوطنيّ الفلسطيني، مستفيدًا من الحالة الفوضويّة والممارسات التي توصف بالتعارض مع الديمقراطيّة لربطها بالمواجهات اليوميّة الفلسطينيّة للاحتلال الإحلالي في فلسطين. على سبيل المثال، فالفوضى التي انتشرت بعد التصرّف المشين الذي قام به المتطرّف العنصريّ السويدي - الدنماركي بحرق القرآن، حيث تمَّ مهاجمة القوى الأمنيّة وحرق سياراتهم ورشقهم بالحجارة، هذه السلوكيّات الفوضويّة، تمَّ توظيفُها عبرَ الضخّ الإعلاميّ في الوعي الجمعي السويدي والأوروبي وربطها بشكلٍ غيرِ مباشرٍ بما يجري من مواجهاتٍ ضدّ الاحتلال في فلسطين من ناحية. ومن ناحيةٍ أخرى، تُربَط بسلوك القوى الدينيّة الإسلاميّة لإظهارها على أنّها تعتمدُ الأسلوب اللاديمقراطي في التعبير عن الرأي في مجتمعات القانون يحمي حرية الرأي للجميع.
بالنتيجة يُعَمَّمُ المفهومُ الصهيونيُّ بشكلٍ غيرِ مباشرٍ بأنّ إسرائيلَ تواجُهُ ذات القوى الفوضويّة وذات الممارسات، وتبرّر عدوانيّة الاحتلال ضدَّ الشعب الفلسطيني.
في حادثةٍ أخرى قام البوليس الألماني بمنع إحياء ذكرى النكبة ورفع الأعلام الفلسطينيّة للسنة الثانية، بدعوى أنّها ممارساتٌ من الممكن أن تسفر عن حالةٍ من التحريض على معاداة السامية، هذانِ المثالان يؤشّران على مدى نفوذ القوى الصهيونيّة في المؤسّسات الألمانيّة والأوروبيّة الإعلاميّة والسياسيّة والأمنيّة وضعف التأثير الفلسطيني، بسبب عدم وحدة دور الجاليّة وضعف دور السفارات والممثّليات الفلسطينيّة، ومدى أهميّة إدراك ضرورة اندماج الجاليات الفلسطينيّة والعربيّة في الحياة السياسيّة المحليّة، لمواجهة التحريض الصهيوني في المؤسّسات الرسميّة السياسيّة والأمنيّة والإعلاميّة.
لا يوجد ثمّةَ ما تختلفُ عليه القوى الفلسطينيّة، حول تطوير وحدة المجتمعات الفلسطينيّة، وتعزيز روح الوحدة المجتمعيّة والتكافل الاجتماعي بينها، لمواجهة الحملة الصهيونيّة التي تهدف إلى إلغاءِ الإرث الثقافي الفلسطيني ومصادرته وتصويره على أنّه تقاليدُ لمجتمعاتٍ محليّةٍ بدويّةٍ في الدولة اليهوديّة، التي تحافظ على تنوّعها.
إنّ العنوان الثقافي بكلّ أبعاده يكتسب أهميّةً قصوى، كونه عنوانًا جامعًا للقوى كافةً في المعركة على إبرازِ الإرث التاريخيّ الفلسطيني الذي تحاول الحركة الصهيونيّة إلغاءه ومصادرته. فالعنوانُ الثقافيُّ لا يقلُّ أهميّةً عن العنوان السياسي، خاصّةً وأنّ المعركةَ على هذهِ الجبهة بكلّ أبعادها تكتسبُ أهميّةً قصوى في مواقع الشتات الفلسطينيّ.
المعركةُ الثقافيّةُ في المجتمعات الحاضنة للشتات الفلسطيني هي موقعٌ لكشف عمليّة التضليل التي تمارسها الصهيونيّة بكل فروعها: الدينية والمدنية في تناغم لتحقيق الحلم الصهيوني في فلسطين التاريخية، وعليه، فإنّ النهوض المجتمعيّ الفلسطينيّ مرتبطٌ بشكلٍ وثيقٍ بالنهوض الثقافي المتعدّد الأوجه القائم على إعادة الاعتبار للتاريخ الثقافي الفلسطيني بأبعاده كافةً منذ ما قبل جريمة النكبة.
إنّ العنوان الثقافي يتطلّبُ أن يولى أهميّةً قصوى في برامج القوى الفلسطينيّة كونه مدخلًا جامعًا للقوى كافةً بانتماءاتهم الفكريّة والسياسيّة كافة، وهذا ما يتطلّبُ من القوى الديمقراطيّة وبشكلٍ خاصٍ الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ، طرحَ مشروعٍ ثقافيٍّ جماعيٍّ متكامل، يأخذُ بعين الاعتبار الحلقات الفلسطينيّة الأربعة وخصوصيّة دور كلٍّ منها. فالعنوانُ الثقافيُّ هو مظلّةٌ جامعةٌ لوحدة المجتمع الفلسطينيّ ومدخلٌ للنهوض الجمعي الذي يحقّق التضامن والتكافل بين فئاته وقواه الاجتماعيّة، لدعم عائلات الأسرى والمعتقلين والمحرّرين، واعتبارها مهمّةً اجتماعيّةً عامّةً دائمةً على جدول أعمال القوى.
إنّ الاهتمامَ بالكلمة واللحن والأدب والرواية الشعبيّة تعبّرُ عن وحدة الوجدان الفلسطيني الذي يحفظُ الذاكرة الشعبيّة بديلًا لمواجهة عملية تزييف الوعي المجتمعي، فالمجتمع الفلسطيني يجب النظر إلى وحدته الوطنيّة، بعيدًا عن روح النزعات العنصريّة التي تأخذ من التعارضات الدينيّة مدخلًا لزرع الخلافات في المجتمع الفلسطيني. وإذا ما أخذنا - على سبيل المثال لا الحصر - مشهدَ تشييع جنازة شهيدة الإعلام المناضلة شيرين أبو عاقلة، هذا المشهدُ الذي عبّر عن الجوهر الوحدويّ المجتمعيّ الوطنيّ الفلسطينيّ، فإنّه مثالٌ يعبّرُ عن مدى عمق الوحدة المجتمعيّة التي يجب أن تحظى بأهميّةٍ من قبل القوى الفلسطينيّة لتطويرها وتعزيزها.
في السياق ذاته، يكتسب العنوان الديمقراطي وأدواته ووسائله أهميّةً في عملية النهوض الاجتماعي، خاصّةً وأنّ إدراك أهميّة إدارة الخلافات السياسيّة والتركيز على المشترك الجامع، يعبّر عن مدى عمق فهم العمليّة الديمقراطيّة بأبعادها من حريّةٍ وعدالةٍ ومشاركة.
إنّ التطوّرَ المجتمعيَّ يتعزّزُ عبرَ تحديدِ بعض العادات والتقاليد ومواجهتها، التي تتعارضُ مع النهوض المجتمعيّ وتكتسبُ مواجهةُ التحريض الدينيّ العنصريّ أهميّةً خاصّةً في هذه المرحلة، التي تريدُ فيها إسرائيل الإحلاليّة، إعطاء طابعِ أنّ الصراع في الجوهر هو صراعٌ دينيٌّ حول أحقيّة المكان، لتضفي فهمًا، أنّ الصراع يقتصر على أحقيّة العبادة في الأماكن الدينيّة وإسقاط البعد الوطنيّ التحرّري للقضيّة الفلسطينيّة، خاصّةً وأنّ إسرائيل تعملُ بشكلٍ منهجيٍّ لتفريغ وإنهاء وإلغاء كل ما يشير إلى جريمة النكبة بكل أبعادها السياسيّة والقانونيّة والإنسانيّة والاجتماعيّة والتاريخيّة.
إنّ عمليّةَ النهوض الاجتماعي تشكّل مدخلًا لتعزيز النهوض الوطنيّ الجمعي للحلقات الفلسطينيّة الأربعة مع إيلاء أهميّةٍ لخصوصيّةِ كلٍّ منها وميزاتها وظروفها، من أجل تعزيز دورها في عملية النهوض الوطني، لإعادة الاعتبار لحقّ الشعب الفلسطيني الوطني في إنجاز حريّته وتحقيق عدالة المخيّم وبناء الدولة الديمقراطيّة العلمانيّة لمواطنيها كافةً، بغضّ النظر عن خلفيّاتهم ومعتقداتهم.

