Menu

بدلةُ أبي الرياضيّة تتكلّم (أو كيف فازت صونيتكس على أديداس)

محمد وليد قرين

نشر هذا المقال في العدد 37 من مجلة الهدف الإلكترونية

1

بدلتي الرياضيّة صُونيتَكْس تبثُّ في نفسي شعورًا بالفرحة والاعتزاز، ليس لأنّها مرتبطةٌ بطفولتي فحسب، إنّما لأنّها تقول لي: "أنا بدلةٌ مُتقنةُ الصنع، صنعتني أيادي عمالٍ جزائريّين في مصنعٍ عموميٍّ جزائريٍّ تابعٍ لشركةٍ عموميّةٍ جزائريّةٍ كان اسمها صونِيتَكْس".

تمتلكُ الأغراضُ لغةً خاصّةً بها، فالأغراضُ التي نستخدمها والملابس التي نرتديها هي أيضًا نتيجةَ نمطِ إنتاجٍ وعلاقةِ إنتاجٍ في المصنع.

ورثت البدلة عن أبي وعمرها 37 سنة، تمامًا مثل عمري أنا، هي بدلةٌ بيضاءُ عليها شعارُ صونيتكس بالأزرق، عثرت عليها عندما كنت أفرز أغراض مسكننا الذي كبرت فيه (شقّة في عمارة، في حي طبقة متوسطة)، قبل أن أستقرَّ فيه من جديدٍ بعد الزواج. لكَم فرحت عندما وجدتها تحت كومةٍ من الملابس الرياضيّة القديمة. أظهرتها لزوجتي (التي قلت لها إنّها بدلةٌ من صنع شركةٍ وطنيّةٍ عموميّة، اشتراها أبي عام 1985، العام نفسه الذي ولدتُ فيه. زوجتي لم تكبر مع الصُونِيتكس. قالت لي متعجّبةً إنّها تبدو جديدةً وهي متقنة. رفيقة دربي أحبّت هي أيضًا البدلة.

عمّال الصونيتكس هم من صنعوا أقمصةً للمنتخب الوطني لكرة القدم في بداية الثمانينات، عندما لعب منتخبنا مونديال 1982 كما أنّ لاعبينا فازوا بكأس إفريقيا عام 1990 لابسين أقمصةً وشورتات من صنع عمّال الصونيتكس. لبسوها بفخرٍ، وكان كلُّ مناصرٍ يعتزُّ هو أيضًا بارتدائها. كانت سياسةُ دولتنا في ذلك الوقت تندرج في إطار اقتصادٍ وطنيٍّ مرتكزٍ على الذات؛ بهدفِ تحقيقِ الاستقلال الاقتصاديّ.

لا أريد هنا أن أكرّر الكلام نفسه الذي قيل عن فوزنا التاريخي على الألمان الغربيين بـ2-1 في كأس العالم 1982 بمدينة خيخون الإسبانيّة؛ أريد أن أشير إلى شيءٍ آخرَ تمامًا له علاقةٌ بموضوعٍ نصيّ، هو شيءٌ ذو دلالةٍ رمزيّةٍ كبيرة.

أرى صورةً لعلي فرقاني يتقدّم فوق الميدان، على قميصه شعار المؤسّسة الوطنيّة العموميّة لصناعة المنسوجات؛ أمامه الألماني رومينيغه، الذي كان نجمًا عالميًّا آنذاك؛ على قميصه شعار أديداس. علي فرقاني واثقٌ من نفسه، تملأه عزيمةٌ كبيرةٌ لتلقين الألمان الغربيين درسًا لن ينسوه. لقد سخروا منا قبل المباراة بعباراتٍ عنصريّة. باول بْرايْتنَر، قائد المنتخب الألماني الغربي، صرح حينها: "سنهدي الهدف السابع ضدّ الجزائر لزوجاتنا والثامن لكلابنا".

عندما سجّل بلومي وماجر هدفين في مرمى منتخب ألمانيا الغربيّة، تعجّب حينها المعلّق الألماني الغربيّ متحسّرًا قائلًا: "Das darf nicht wahr sein" (هذا لا يُعقل)، ولكن "اللامعقول" حدث وانهزم "القياصرة" كما كانوا يرون أنفسهم أمام الجزائريين "الأقزام"، كما كانوا يعتبروننا.

أرى أيضًا صورة لقندوز، ابن نادي نصر حسين داي، بقميص الصونيتكس وتحت قدمه لاعب شيلي ساقط على الميدان، يرتدي شورتا فيه علامة أديداس؛ تغلبنا على الشيلي بـ3-2 وعصاد ابن رائد القبة أحرز هدفين في مرمى الخصم؛ تغلّبنا على الشيلي الذي كان يحكمه آنذاك بورجوازيون كومبرادور بقيادة الجنرال بينوشه، مسؤولون مجرمون باعوا اقتصاد بلدهم وثرواته الطبيعيّة للإمبرياليّة الأمريكيّة، بينما كانت الطبقات الشعبيّة الشيليّة تعاني من الجوع والبؤس والبطالة.

يحمل انتصارنا على الألمان الغربيين وعلى الشيلي رمزيّةً أيديولوجيّةً سياسيّةً واقتصاديّةً كبيرة؛ انتصارنا كان يعني أيضًا انتصار الشركة الوطنيّة العموميّة صونيتكس وعمّالها على العملاقة الرأسماليّة أديداس. انتصر منتخب دولةٍ جنوبيّة، شمال إفريقية، اشتراكيّة التوجه، تنتهج سياسةً اقتصاديّةً مستقلّة؛ ترفض التبعيّة للشركات متعدّدة الجنسيّات ولصندوق النقد الدولي، على دولةٍ شماليّة، أوروبيّةٍ غربيّة؛ تنتهج الرأسماليّة وتنتج اللامساواة والطبقيّة الفاحشة والفقر.

منتخبُ دولةٍ تدعم حركات التحرّر الوطني من الاستعمار وكفاح الشعب الفلسطيني على منتخب دولةٍ عضوٍ في حلف شمال الأطلسي الإمبريالي، تدعم الكيان الصهيوني وتدعم الاستعمار الأوروبي في إفريقيا، على العكس تمامًا من جارتها السابقة ألمانيا الشرقية، صديقة شعوب الجنوب وحركات التحرّر الوطني في فلسطين، إفريقيا وآسيا التي لم تطبّع أبدًا مع الكيان الصهيونيّ.

انتصرنا نحن الجزائريين "الهمجيّين المتخلّفين"، "المتوحشين" - في نظر العقيدة الرسميّة الإمبرياليّة الغربيّة؛ لأنّنا ننتمي إلى الحضارة العربيّة الإسلاميّة، وإلى قطب دول عدم الانحياز - على الألمان الغربيين الذين يحسبون أنفسهم "العِرق السامي"، "عِرق الأسياد"، وهذه العنصريّة تضرب جذورها في الخطاب العنصريّ للإمبراطوريّة الاستعماريّة الألمانيّة التي احتلّت جنوب شرق وجنوب غرب أفريقيا بين سنة 1884 و1919.

2

في المنتصفِ الثاني من التسعينات؛ انتهجت السلطةُ الجزائريّةُ وقتها سياسةً اقتصاديّةً رأسماليّةً واضحة (متناقضةً تمامًا مع أهداف ثورة التحرير الوطني ومبدأ الدولة الاجتماعيّة والديمقراطيّة الشعبيّة)؛ فكّكت المؤسّسات الوطنيّة الكبرى (من بينها صونيتكس) وفتحت المجال لتكوّن بورجوازيّة كومبرادوريّة متطفّلة؛ تخدم القوى الإمبرياليّة، خاصّة فرنسا، كما أسهمت في بروز رأسماليّين محليّين؛ باعت لهم مصانع المؤسّسات العموميّة بالدينار الرمزيّ، بحجة "فشل" تلك المؤسّسات، مثلًا عمليّة بيع المؤسّسة الوطنيّة للسكر والمؤسّسة الوطنيّة للزيوت والمواد الدسمة لـرَبْرَاب ورأسماليين محلّيين آخرين أو عمليّة دفن الشركة الوطنيّة لتحويل الخشب وصناعة الأثاث. صحب تلك السياسة الاقتصاديّة الرأسماليّة؛ طرد الآلاف من العمال ورميهم في أحضان البطالة والهشاشة الاجتماعيّة، أمّا على المستوى الإيديولوجي؛ فصحب تلك السياسة خطاب انهزامي يقزّم الإنتاج الوطنيّ العموميّ والخدمات الاجتماعيّة العموميّة.

اكتشفت منذ عام، خلال مروري من بلوزداد، أنّ الشركةَ الوطنيّةَ صونيتكس، قد انطلقت من جديدٍ تحت اسم جيتكس، وعاودت إنتاج السراويل والأقمصة والأحذية الكلاسيكيّة والرياضيّة واسترجعت شعارها المعروف. ماذا فعلت حينها؟ دخلتُ إلى محلّ جيتكس واشتريت سروالًا وقميصًا من نوع بولو بسعرٍ معقول، ثمّ اشتريت مؤخّرًا أحذيةً رياضيّةً من إنتاج عمّال الشركة الوطنيّة العموميّة جيتكس. لا أخفي عنكم أنّ شرائي يحرّكه دافع أيديولوجي وبسيط في الوقت نفسه: بشرائي ألبسة جيتكس، فأكون قد دعمت ما أنتجه إخواني العمال الجزائريون في شركةٍ وطنيّةٍ عموميّة.

طبعًا، إعادةُ فتح شركةٍ وطنيّةٍ عموميّةٍ كبيرةٍ والسعي لبناء قطاعٍ عموميٍّ قويٍّ ليس كافيًّا البتّة؛ يجب أن تنعكس هذه السياسة مباشرةً على حياتنا اليوميّة كأفراد وكعمّال أجراء، مثلًا في انقراض غلاء المواد الغذائيّة الأساسيّة (بتسقيف الأسعار والقضاء على اقتصاد السوق الحرة)، في تحسُّن مستوانا المعيشي، في إصلاح المستشفيات والخدمة الصحيّة العموميّة وتحسينها، في توفير خدمة عموميّة في مجالات الماء والكهرباء والغاز للجميع، دون تمييزٍ طبقيٍّ أو جهويّ.

أعتقد أنّ المجتمع المزدهر والمتقدّم فعلًا؛ تتحدّد خصائصه في القضاء على الطبقة المستَغِلّة (طبقة الرأسمال الكبير/الرأسماليين)، في القضاء على الفقر والبطالة، في عدم تسليع الصحة والعلم، في رفع المستوى المعيشي المادي للطبقتين المتوسطة والكادحة، في ضمان سكن، عمل، تداوي وتكوين علمي مجانيين ولائقين لجميع الناس، في ضمان حرية التعبير وحرية العمل النقابي للجميع.. القضايا الاجتماعيّة هي قضايا سياسيّة كذلك.

الطريقُ نحو انتزاع الاستقلال الاقتصادي وتحقيق الرفاهية الاجتماعيّة للطبقة المتوسطة المتوسّطة والطبقات الشعبيّة (أي غالبية المجتمع) يبدأ، في رأيي، من بناء اقتصادٍ وطنيٍّ مستقلّ. الطريقُ يقتضي القطيعة مع السياسات الاقتصاديّة الحاليّة الرأسماليّة النيولبيراليّة؛ يقتضي القضاء على حكم البورجوازيّة بمختلف أشكالها والقطيعة مع اقتصاد السوق الحرة الذي أنتج وما يزال ينتج لا مساواة طبقيّة فاحشة، والمتسبّب حاليًّا في غلاء المعيشة ومعاناة عائلات عديدة، من الفقر المادي ومن الجوع. الطريق يقتضي القضاء على المضاربة وجذورها التي تضرب حاليًا جيوب عائلات الطبقتين المتوسّطة والكادحة.

"إنّ الثورةَ الجزائريّة ذات الجوهر الشعبي، ليست ولا يمكنها أن تكون مجرّد كفاحٍ من أجل الفوز بالسلطة السياسيّة. في رأينا نحن العمال الجزائريين، الثورة هي ثورةٌ سياسيّة، اقتصاديّةٌ واجتماعيّة. إنّ العمال الجزائريين لا يكافحون فقط في سبيل الحصول على رايةٍ أو سفارات. إنهم يكافحون في سبيل ضمان الأرض للفلاح والعمل للعامل وظروف معيشية أحسن. إنهم يكافحون في سبيل بناء اقتصادٍ وطنيٍّ مُوجّهٍ من قبلهم لخدمة مصالح الجماهير المحرومة التي ينتمون إليها". (صحيفة الاتّحاد العام للعمال الجزائريين، سنة 1960)

هذه الأسطر التي اقتبستها تلخّص جوهر ثورة الفاتح نوفمبر 1954، وهي ثورتنا الوطنيّة التحرّريّة الكبيرة كما تلخّص جوهر كلّ الثورات الوطنيّة التحرريّة الكبرى في التاريخ، وأقصد الثورات اليوغسلافيّة، الفيتناميّة والكوبيّة، هي كفاحاتٌ شعبيّةٌ حرّكها أساسًا عمّال المصانع والفلاحون واقترن فيها التحرّر الوطني من الاستعمار بالتحرّر الاجتماعي من الرأسماليّة.

الاستقلالُ التامّ لا يمكنه من ثَمَّ أن يكون إلّا استقلالًا اقتصاديًّا وسياسيًّا معًا، والتحرّر الوطنيّ يجب أن يكون أيضًا مرادفًا للتحرّر الاجتماعيّ من استغلال الإنسان للإنسان.