Menu

74 عامًا على النكبة: انتصاراتٌ صغيرةٌ في طريق النصر الأعظم

لؤي الخطيب

نشر هذا المقال في العدد 38 من مجلة الهدف الإلكترونية

"الجيشُ الإسرائيليُّ يشتري سفينتي إنزالٍ لاستخدامهما ضدّ حزب الله".

لم أجد أفضلَ من هذا العنوان الإخباريّ الصغير الذي مرَّ مرورَ الكرام في أيّار النكبة؛ لأستهلَ به مقالتي في الذكرى الـ 74 لاحتلال فلسطين أو ما اتّفق على تسميته بالنكبة، حيث تبدّلَ الزمنُ وتغيّرت موازينُ القوى ومن احتلَّ وبطشَ واعتدى وتوسّع وملك ترسانةً من الأسلحة المتطوّرة والذكيّة، بات كيانًا معزولًا خلفَ الجدران.

إسرائيلُ التي كانت تعتدي وتحتلُّ دونَ رادع، تحوّلت اليوم لكيانٍ يعيشُ ضمنَ حسابات الردع على أكثرَ من جبهة. دولةٌ تحيطُ بها الجدران العالية، من شمال فلسطين حتّى جنوبها. جدارٌ مع عزة، جدارٌ مع مصر، جدارٌ في الضفّة، جدارٌ مع جنوب لبنان، جدارٌ في هضبة الجولان المحتلّة.

لا نستطيعُ أن نتحدّث عن 74 سنةً للنكبة، دون التطرّق لمعادلة الردع الذي فرضها محورُ المقاومة وعزّزها، فلم يعد الاعتداء على لبنان مباحًا مثلًا، ولم تعد غزّةُ مسرحًا ينفّذُ فيه الاحتلالُ جرائمَهُ أنى شاء. نعم بعد أن تسيّدت إسرائيل المنطقة، كونها الدولةَ الأقوى في محيطٍ عربيٍّ ضعيفٍ ومهزوم، لا يمتلكُ القدرات العسكريّة المجابهة لها، باتت تعيش القلق والخوف على حدودها، وفي قلب المناطق المحتلّة.

المخيّماتُ ساحاتُ اشتباكٍ لم ولن تتعب:

 وهنا لا بدَّ لنا من الانتقال لأهمِّ ما أفرزته نكبةُ شعبنا، ألا وهي المخيّمات التي لا تزالُ تنزفُ جرح فلسطين، التي احتضنت آهاتِ شعبِنا وحسراته، التي أيضًا خرّجت قاماتٍ مناضلةً ومقاومة، بحجم الجريمة التي ارتكبت في وطنها عام 48. أخبار مخيّم جنين والمعارك الدائرة على أطرافه، تتسيّد الأخبار الآن. نعم هذا المخيّم الذي دوّخ الاحتلال سابقًا ها هو يتصدّر نشرات الأخبار ويزف الشهداء. هذا المخيّمُ الصغيرُ الذي يحتضن اللاجئين، وفي أيام الذكرى الـ 74 لاحتلال فلسطين، يُعبّر عن الحقّ الفلسطينيّ الواضح، الذي لم يتعب من مقارعة المحتلّ الذي حارَ فيه. كيف لهذا المخيّم الذي اُجتيح عام 2002، ودُمّر عن بكرة أبيه، وسطَ قتالٍ شرسٍ لن تنساه نخب الاحتلال العسكريّة، أن ينهض ثانية، أن يكون مصدرًا لقلقٍ وتخبّطٍ للاحتلال الذي عجز عن لجمه، فدوّخه المخيّم الذي ما يزال يقاتل، فوحدَهم اللاجئون من يعرفون جيّدًا، معنى أن يسلبك الغريبُ أرضَكَ ودارك وحقّك.

بعدَ 74 سنةً يقاتلُ أبناءُ المخيّم، من أجل أرضهم السليبة خلف الأسلاك فيما يسمّى أراضي الـ 48. في ذكرى النكبة يجترحُ أبناءُ المخيّم طريق التحرير، وتباعًا ليلًا وفي ساعات الصباح الأولى، تصلنا أخبار مخيّمات الضفّة المشتبكة مع الاحتلال.

هُزمت إسرائيل في المعركة على الوعي:

وهنا ننتقلُ لمحورٍ آخرَ شديدِ الأهميّة، رغمَ الفصلِ الجغرافيّ، ورغمَ التقسيمات والتسميّات: أراضي الـ 67 وأراضي الـ 48 والشتات، ضفّة، وغزّة، سقطت هذه التقسيمات لتصيب من وضعوا الاستراتيجيّات، وأقاموا الأيّام الدراسيّة، والمؤتمرات إضافةً للأجهزة الأمنيّة، بالصدمة والذهول. وليس أفضل من انتفاضة رمضان أو أيّار من العام الماضي، لتختصر الحكاية، ساحات المواجهة التي عمّت أرض فلسطين، من جنوبها لشمالها، من غزّة إلى الضفة إلى مثلث وجليل ونقب. خرج هذا الماردُ مرّةً أخرى ليسقطَ الحدودَ وليؤكّدَ انتصارنا كشعب في معركة الوعي والهوية، فبرغم كلّ المخطّطات والميزانيّات ومشاريع الاندماج ودعمها، استفاق الاحتلال على أكثرَ من جبهةٍ أربكته وقواه الأمنيّة؛ الأمرُ الذي استدعى أن يدرس ويحلّل ويجابه أيضًا. فباتت غزة تدخل على خط القدس ، القدس تحمي غزة، وغزة تحمي القدس، فينتفض الجليل والمثلث والنقب، في سياق ذات المعركة، الكلّ يحمي الكلّ والكلّ يحمل عن الكلّ.

تطرّقت لانتفاضة رمضان 2021 وطبعًا لا ننسى يوم الأرض وأيام أكتوبر المجيدة، التي قدّم بها شعبنا خيرة شبابه، عدا عن الأيّام الوطنيّة الكفاحيّة التي شهدتها ساحاتنا التحامًا مع ما كان يستجدّ من قضايا وطنيّة.

بعدَ 74 عامًا من النكبة، هناك جيلٌ فلسطينيٌّ ورث المخيّم والقهر، يقفُ منتصبًا، مدركًا واعيًا لهويّته ووطنيّته العربيّة الفلسطينيّة، أما من اتخذوا المسار التسووي، فليس لديهم سوى تنفيذ أوامر الاحتلال والحكم بأمره، أمّا الحكم بأمر القضيّة فهو بيد زنودٍ استطاعت أن تقلب وتغيّر المعادلة، تصنع طريق التحرير والعودة... إذن انتصرنا أيضًا في المعركة على الوعي.

وبرغم هذا الفرز الواضح على الساحة العربيّة، فرز عُرى الأنظمة الرسميّة العربيّة، التي طبعت وارتضت طريق الانصياع والخيانة وبيع أرض فلسطين، لكن ثمّة ما أفرزه هذا الوضع بانتصار محور دمشق - طهران وتعزيز مقدّراته وتطويرها، والأهمّ عدم تنازله عن قضيّة العرب الأولى... محور بات من اللاعبين المركزيّين في المنطقة، استطاع فرملة مشاريع أمريكا، برغم كلّ مشاريع التصفية من أوسلو، لصفقة القرن، لمشاريع التطبيع والتدجين، إلى افتعال احتراباتٍ داخليّةٍ في دولنا العربيّة وتصدير الموت والدمار لها، للاستفراد بالقضيّة الفلسطينيّة. فشل كلّ ذلك أمامَ محورٍ لم يبدل ولم يتنازل، رغمَ همجيّة الحرب ضدّه.. هي جبهةٌ انطلقت من قلب فلسطين والتحمت مع امتدادها الطبيعي في الأرض العربيّة التي لم تلوّثها براميل النفط والغاز ولم يلوّثها أتباع أمريكا ودراهمهم ودنانيرهم.

أمّا نحن أبناءُ هذه الأرض التي مورست وما تزال ضدّنا أبشع جرائم سلب الأرض، وهدم البيوت، والتضييق والملاحقة، فإنّ لنا أن نحدّد طبيعة صراعنا مع هذا الكيان، بل أن نختار التوصيفات الملائمة، وأن نتبنّى الخطاب الجذريّ الذي أثبتت التَّجرِبة، أنّه يقفُ بكلّ كبرياء أمامَ مشاريع الأسرلة والاندماج؛ المشاريع الخيانيّة التي كشفها شعبنا بحسّه الوطنيّ العالي، رغمَ كلّ التضييق والترهيب وضيق الحال ومشاريع تيئيسنا وإحباطنا واقتلاعنا البطيء من أرضنا، إلا أنّنا ما زلنا على طريق القدس ولم نبدّل تبديلًا.