أذكر فيما أذكره، أنه في نهاية سبعينات القرن المنصرم أو مطلع ثمانيناته، عقد في العاصمة التشيكية "براغ" مؤتمر للأحزاب الشيوعية في العالم العربي، حضره قادة هذه الأحزاب من الصف القيادي الأول وأقصد الأمناء العامون وأعضاء في المكاتب السياسية، وذلك بغية نقاش أين تكمن "أزمة حركات التحرر الوطني في العالم العربي".
جميع هذه الأحزاب أجمعت في مداخلات قادتها على أن أزمة حركة التحرر في العالم العربي هي إما أزمة في الفكر الديني أو في الفكر القومي الضيق، إلا الحزب الشيوعي اللبناني الذي فاجأ الحضور وقتها وأعلن في مداخلته أنه يختلف مع ما ذهبت إليه الأحزاب الشيوعية العربية وأن أزمة حركة التحرر في العالم العربي ما هي إلا أزمة في البديل الثوري.
وعندها، ثارت ثائرة هذه الأحزاب وبشكل خاص الحزب الشيوعي السوري وأمينه العام الرفيق خالد بكداش – رحمه الله – لدرجة أنهم اعتبروا الحزب الشيوعي اللبناني من المارقين ولولا الحياء لقاموا "بتكفيره".
وبصراحة فقد "طربت" الخلايا القاعدية لكافة الأحزاب الشيوعية العربية لهذا الموقف الجريء من الحزب الشيوعي اللبناني، فقد كان "يحك للرفاق القاعديين على جرب" كما يقولون.
لقد تذرعت غالبية الأحزاب الشيوعية العربية أنذاك "بظروف العمل السري" كي لا تعقد مؤتمراتها من ناحية وكي تعلق بعض بنود أنظمتها الداخلية وكي يبقى متربعا على عرش قيادتها ذلك الجيل الذي أتى بعد الرفاق الرفاق أمثال الرفيق فهد من العراق، والرفيق فرج الله الحلو من لبنان والرفيق فؤاد نصار من فلسطين وغيرهم من قادة هذه الأحزاب الذين دفعوا ثمنا لحياتهم في سبيل قضايا النضال الوطني التحرري.
جاء هذا الرعيل اللاحق من القادة، ومع كل الاحترام لتاريخهم النضالي والمعرفة الشخصية الحميمة التي ربطتني بالبعض منهم ليحافظوا على ذات التكتيك النضالي المهادن للأنظمة دون التعاطي مع معطيات ومستجدات كل مرحلة، فحافظوا على ذات أساليب النضال، دون أن يعوا أن المعطيات قد تغيرت وأن النضال الوطني التحرري ضد الاستعمار يختلف عن النضال الوطني والطبقي ضد الطبقة الحاكمة في "بلاد العرب أوطاني" بعد الاستقلال والتحرر، فقد بدأ الاستعمار يتخذ أشكالا جديدة أكثر تطورا بدلا من التواجد الفعلي لجيوشه على الأراضي العربية كمنتدبين وفق قوانين وأنظمة الانتداب.
بعض الأحزاب الشيوعية العربية ناضلت وبشرف ضد أنظمتها الرجعية ومنهم على سبيل المثال لا الحصر الحزب الشيوعي العراقي، وبعض الأحزاب الشيوعية العربية هادنت أنظمتها ومنها الحزب الشيوعي السوري/ جناح خالد بكداش، بينما واصلت بعض الأحزاب الشيوعية العربية نضالها السري على نار هادئة ومنها على سبيل المثال لا الحصر الحزب الشيوعي الأردني والمصري، فيما امتشق الحزب الشيوعي اللبناني السلاح في وجه الطائفية والاحتلال الإسرائيلي وشكّل حالة نضالية متقدمة، أما الحزب الاشتراكي اليمني بقيادة الرفيق الراحل عبد الفتاح إسماعيل "ذي يزن" فقد حاول إحداث حالة ثورية متقدمة في الشطر الجنوبي من اليمن، نال من هذه التجربة الهامة الاختراقات الداخلية التي تمثلت في أعضاء المكتب السياسي كل من علي ناصر محمد وعلى عنتر وعلي سالم البيض وغيرهم، وسقط شعار الحزب "من أجل تحقيق الوحدة اليمنية وتطبيق الخطة الخمسية" باغتيال الرفيق عبد الفتاح إسماعيل رئيس جمهورية اليمن الديمقراطي أثناء اجتماع للمكتب السياسي للحزب. وعصف بالرفاق الفلسطينيين حالة من الشرذمة، فالتحق التنظيم الشيوعي الفلسطيني في الضفة الغربية بالحزب الشيوعي الأردني، والتحق رفاق الحزب من فلسطينيي الداخل المحتل بالحزب الشيوعي الإسرائيلي، فيما شكّل رفاق الحزب في قطاع غزة حاله نهضوية متقدمة وثورية وحافظوا على اسمهم وهو الحزب الشيوعي الفلسطيني في قطاع غزّة، وقادوا العمل المسلح ضد الاحتلال وفي قيادة الجبهة الوطنية في قطاع غزّة.
كان هذا الجيل، الذي قاد الأحزاب الشيوعية ما بعد الاستقلال وحتى انهيار الاتحاد السوفياتي، فسقطت معه المقولة المعروفة التي كانت تقول "إن أمطرت في موسكو... ترفعوا الشماسي في البلاد العربية".
ثم جاء جيل قادة الأحزاب الشيوعية العربية ما بعد انهيار الاتحاد السوفياتي وربما ما زال بعضه إلى يومنا هذا يقود حزبه، دون أن يتسلح بالمعرفة العلمية الجديدة إذ لا يؤمن – لشديد الأسف – بأن أحد أهم سمات التفكير العلمي، هي الإيمان بأهمية التعلم المستمر، فتحجر في ذهنيته وتحجر معه حزبه، اللهم إلا من رحم ربي.
خلاصة القول، أن ما توصل إليه الحزب الشيوعي اللبناني نهاية سبعينات القرن المنصرم، بأن أزمة حركة التحرر العربي ليست في الفكر الديني أو في الفكر القومي الضيق فحسب، وإنما هي أزمة في البديل الثوري، هو استنتاج كان وما زال في محله، وتشخيص دقيق لو استمع إليه قادة الأحزاب الشيوعية العربية آنذاك، ربما لما انحسرت هذه الأحزاب لدرجة أن بعضها بالكاد يصل في تعداده إلى "حمولة باص" وللأسف "الشوفير مش من عندهم".

