Menu

نكبةُ العربِ الدامية والتطبيعُ المُهين

رضي الموسوي

نشر في العدد 38 من مجلة الهدف الرقمية

بينما كان الفلسطينيّون يرابطون في المسجدِ الأقصى في شهرِ رمضانَ المبارك يواجهون صلفَ قوّاتِ الاحتلالِ الصهيونيّ وقطعان المستوطنين، وبينما كانوا يشيّعون الشهداء، واحدًا تلوَ الآخر، يقدّمونهم قرابينَ للحريّة والتحرير؛ كانت بعضُ العواصم العربيّة تحتفي مع سفارات الكيان بالذكرى الـ74 لتأسيس الدولة الصهيونيّة على أرض فلسطين - التي هي نكبتُنا في الوطن العربيّ- وتمعن بعضُها في الخطيئة، فتنزلق لتحيي ما يسمّيه الصهاينةُ "ذكرى ضحايا الجيش الإسرائيليّ"، في إشارةٍ واضحةٍ إلى قتلاهم في فلسطين وسوريا و مصر ولبنان وغيرها من الدول العربيّة. في أحدِ الاحتفالات بالخليج، قال سفيرُ الكيان: "هنا سنُحني رؤوسنا ونكرّم أولئك الذين يموتون وأوصونا بمواصلة الحياة"، يقصدُ قتلى جيش الاحتلال. والحياةُ التي يراها هذا الجيشُ وساستُهُ هي حتمًا على حساب الشعب الفلسطينيّ، الذي أحيا ذكرى نكبة العرب في فلسطين على طريقتِهِ الخاصّة التي لا تشبه أحدًا، بتجديد تأكيده على الاستمرار في الكفاح من أجل تحرير الأرض من الاحتلال والمستوطنين، وإقامة الدولة الوطنيّة على كامل التراب الفلسطينيّ. هذا التأكيدُ لم يكن بالخطابات الرنّانة التي اعتاد عليها الفلسطينيّون والشعوبُ العربيّة من الأنظمة المهزومة من الداخل الباحثة عن حبل إنقاذ، بل بتقديم المزيد من التضحيّات التي توّجت قبيل ثلاثة أيام من الذكرى المشؤومة باستشهاد الصحفيّة الفلسطينيّة مراسلة قناة الجزيرة شيرين أبو عاقلة في الحادي عشر من أيار/مايو الماضي على أيدي قناصي جيش الاحتلال، الذي طيّر له البعضُ طائراتٍ ابتهاجًا به وبجرائمه.

استشهادُ أبو عاقلة ألهب الشارع الفلسطينيّ والعربيّ خصوصًا بعد كشف المزيد من التفاصيل البشعة لقتل شيرين وإصابة زميلها علي السمودي في ظهره، بما يؤكّد إصرار الاحتلال على ارتكاب جرائم القتل والتطهير العرقي والإبادة الجماعيّة التي لم يتوقّف عنها منذ نهاية القرن التاسع عشر، حيث شجّع الانتداب البريطاني العصابات الصهيونيّة على امتلاك السلاح وحماها، بينما كانت ترتكبُ المجازر في المدن والقرى والبلدات الفلسطينيّة. كانت مسيرة تشييع شيرين أبو عاقلة بمثابة معركة العلم التي جسّدت الإصرار الفلسطينيّ على رفع العلم الذي يرعب الصهاينة ويؤذيهم أكثر من أشياء أخرى، وبالقدر ذاته كانت معركةُ نعش شيرين الذي لم يسقط رغم ما فعله جيش الاحتلال المدجّج بالسلاح والعتاد، مقابلَ القبضات السمراء التي ظلّت رافعةً النعشَ رغمَ الضربِ والأذى؛ حالةً تؤكّد على قدرة الشعب الفلسطينيّ على التجديد والصمود والنضال لانتزاع حقوقه المشروعة، في صورةٍ قلَّ نظيرُها في التاريخ الحديث. إنّ شعبًا لديه هذا المخزونُ النضاليُّ الكبيرُ واستعدادُهُ لتقديم التضحيات في سبيل تقرير مصيره بتحرير أرضه، هذا القولُ ليس للاستهلاك العاطفي، بل هو ترجمةٌ لحقيقةٍ لا يمكن إلا الإقرار بها.. بالعقل والأرقام.

يفيدُ مركزُ المعلومات الفلسطينيّ بأنّ النكبة "شكّلت أكبر عملية تطهيرٍ عرقيٍّ شهده القرن العشرين (..) حيث شرّدت قسرًا وبالقوّة نحو 800 ألف فلسطيني، وأقيم الكيان على 85 بالمئة من مساحة فلسطين التاريخيّة البالغة نحو 27 ألف كيلومتر مربع، وجرى تدمير 531 من أصل 774 قرية ومدينة فلسطينيّة، بينما نفّذت العصابات الصهيونيّة أكثر من 70 مجزرةً أودت بحياة نحو 15 ألف فلسطيني و3500 عربي". ويشير الجهازُ المركزيّ للإحصاء في فلسطين إلى أنّ عددَ الشهداءِ الفلسطينيّين والعرب منذ نكبة العام 1948 وحتّى منتصف مايو 2022، داخل وخارج فلسطين قد بلغ 100 ألف شهيد، بينما بلغ عددُ شهداء انتفاضة الأقصى 11358 شهيدًا في الفترة ما بين 28 سبتمبر 2000 حتّى 30 نيسان/إبريل 2022، وتمَّ أسرُ نحو مليون فلسطيني منذ نكسة حزيران 1967، فبينما يقاومُ حاليًّا في سجون الاحتلال نحو 4.5 ألف أسير، يخوضون نضالاتٍ مدهشةً ضدَّ كيانٍ تتشكّلُ فيه النازيّةُ الجديدةُ والفاشيّةُ ونظام الفصل العنصري (الأبارتهايد) بمعادلةٍ هندسيّة.

وإذا كان عددُ اللاجئين عشيّةَ النكبةِ يقتربُ من مليون لاجئٍ فلسطينيٍّ تمَّ طردُهم من مدنهم وقراهم وبلداتهم بعد أن نفّذت عصابات شتيرن والهاغانا وغيرها الكثير من المجازر الفظيعة والبشعة، فإنَّ عدد اللاجئين يصلُ اليوم إلى 7.5 لاجئ من أصل 13 مليون فلسطيني، وَفْقَ الجهاز المركزيّ للإحصاء، يتوزّعون على 58 مخيّمًا تعترف بها منظّمةُ الأونروا للاجئين الفلسطينيّين، منها 10 مخيّماتٍ في الأردن، 9 في سورية، 12 في لبنان، 8 في قطاع غزّة، 19 في الضفّة الغربيّة. لكن "أونروا" التي تأسّست بعد عامٍ ونصف العام من النكبة لتقديم برامج إغاثة للاجئين الفلسطينيّين، تواجه اليوم حصارًا ماليًّا كبيرًا بتخلّي أعضاء في الأمم المتّحدة عن التزاماتهم التي قطعوها عند تأسيس الكيان، وخصوصًا البلدان العربيّة التي تشكو المنظّمة من إيقاف مساهماتها، رغم الفوائض الماليّة الضخمة التي تتمتّع بها، حيث تسعى بعضها لشطب حقّ العودة وحتّى تطبيق القوانين الدوليّة ومنها حلُّ الدولتين وتبنّي السرديّة الصهيونيّة والإقرار بالدولة اليهوديّة، وذلك عبرَ إحكام الحصار على اللاجئين والتحالف مع الكيان الصهيونيّ في أكثرَ من مجالٍ بما فيه القطاع الصحيّ والتعليميّ والطاقة الكهربائيّة، عبرَ إجبار المواطنين على التعامل مع الكيان بالتطبيب وتدريب الكوادر في هذه القطاعات، بالإضافة إلى قطاع تحليّة مياه البحر التي تعتمد عليها دول مجلس التعاون الخليجي بصورةٍ شبهِ كليّة.

إنّ التطبيعَ ليس قدر الشعوب الخليجيّة والعربيّة، وخيارهم الاستراتيجي مواجهته؛ انطلاقًا من تجارب الدول العربيّة طوالَ العقود الماضية. فالوعي بالقضيّة الفلسطينيّة والدفاع عنها في المنطقة العربيّة ومنها دول الخليج لم يكن وليد الوقت الراهن، إنّما يعود الى مواقفَ شعبيّةٍ قديمةٍ وممتدةٍ إلى بداية القرن العشرين، عندما بدأ بعضُ الفلسطينيّين بالوصول إلى دول المنطقة مدرّسين أو عمالةً وافدة، تمتلك الخبرات اللازمة لتدريب أبناء الخليج العربي على الكثير من المهن التي كانوا يحتاجونها. ومع صدور وعد بلفور المشؤوم عام 1917، وبَدْء تنظيم الهجرات اليهوديّة الكبيرة إلى فلسطين استشعر الفلسطينيون الخطرَ وجابوا أغلب الدول العربيّة لوضع ساستها ومسؤوليّها أمامَ ما كان يجري، فتشكّلت جماعات الدعم والمساندة، وكانت البحرين واحدةً من البلدان العربيّة التي ترسّخ فيها الوعي مبكرًا، فقد شدّ البحرينيون الرحال إلى فلسطين طلبًا للعلم وتبادل الخبرات، كما هو الحال مع الشيخ عبدالوهاب الزياني الذي ألقى محاضرات في القدس بين عامي 1915 و1918، «إلى جانب الاستثمارات الكبرى في البلاد، كمطبعة البحرين لعبدالله الزايد، الذي استعان في إدارتها بخبراتٍ فلسطينيّةٍ مثل نوح أفندي إبراهيم، الذي أسّس المطبعة عام 1934، ثم غادر البلاد للالتحاق بثورة القسام، واستشهد عام 1938، وفق ما ذكره الباحث البحريني راشد الجاسم في كتابه القيم "العلاقات البحرينية الفلسطينية»، وسرد فيه هذه العلاقة بين 1917 و1982. ويورد الجاسم أنّه «في العام 1921 قدم الحاج أمين الحسيني إلى البحرين، وشهدت التبرّعات البحرينيّة إلى الحرم القدسي أرقامًا كبيرة، حيث كان أهل البحرين يتبرّعون بثلث تركة المتوفين إلى أعمال الخير. كما فعلوا ذلك دعمًا لثورة العام 1936 والاحتجاج على تصاعد الهجرة اليهوديّة إلى فلسطين".

لقد أصّلت هذه العلاقات موقفًا بحرينيًّا وخليجيًّا وعربيًّا صلبًا إلى جانب الحقّ الفلسطينيّ، تجلّى في حرب أكتوبر المجيدة 1973، عندما قرّرت كلٌّ من السعوديّة وإيران والجزائر والعراق والإمارات والكويت و قطر خفض إنتاج النفط، وفرضت حظرًا على شحناته إلى الغرب، خصوصًا الولايات المتّحدة وهولندا، حيث زودت هولندا الكيان الصهيونيّ بالأسلحة، وسمحت للأمريكيّين باستخدام المطارات الهولنديّة لإمداد الاحتلال ودعمه.

وفي تلك الفترة، شهدت أسواقُ النفط ارتفاعًا حادًّا وتعرّض الاقتصاد العالميّ لضغوطاتٍ كبرى قادت إلى ركود وارتفاع معدّلات التضخّم التي استمرّت حتّى أوائل ثمانينات القرن الماضي، واستمرّت أسعار النفط مرتفعةً نسبيًّا قياسًا لتلك الفترة حتّى عام 1986. كان هذا الإجراءُ جريئًا ويعدُّ من أقوى الخطوات العربيّة التي أثّرت على الاقتصاد العالمي.

لم تتوقّف النكبةُ عند عام 1948، بل امتدّت حتى الوقت الراهن، ليس على الشعب الفلسطيني فحسب، بل شملت مساحة الوطن العربي ببلدانه التي استهدفها الكيان الصهيوني والمتحالفون معه إقليميًّا ودوليًّا، فمارس تفتيتًا وضربَ إسفين بين مكوّنات المجتمعات العربيّة، وسعي لنهب ثرواتها، خصوصًا في الدول التي تتمتّع بثرواتٍ ماليّةٍ كبيرةٍ مثل دول الخليج العربيّ. ولأنّ ذكرى النكبة لا تُنسى بسبب فظائع الصهاينة واحتلالهم لفلسطين والتنكيل بأهلها، فقد وصل صدى النضال الوطني الفلسطيني للخارج البعيد، إلى الولايات المتّحدة الأمريكيّة، إذ تقدّمت النائبةُ الأمريكيّةُ من أصلٍ فلسطيني، رشيدة طليب، بمشروع قرار للكونغرس الأمريكيّ يطالب بالاعتراف بالنكبة الفلسطينيّة ويعتبرها جريمةً كارثيّةً ما تزال آثارها متواصلةً حتى اليوم، كما وصل هذا الصدى بعض المدن الأمريكيّة والأوروبيّة التي أصيبت بالململ من طغيان اللوبي الصهيوني ودوره في طمس حقيقة الكيان الفاشيّة.

وعلى الصعيد الخليجي، جرت مياهٌ كثيرةٌ تحت جسر العلاقات الرسميّة الخليجيّة مع الكيان الصهيوني، ووقّعت بعض دول المجلس عام 2020 ما يسمى بـ "الاتفاقات الإبراهيميّة" التي فُرضت على المنطقة فرضًا، إلا أن ذلك لا يعني موافقة شعوب المنطقة على التطبيع المهين لتاريخ المنطقة، بل إنّ هذه الشعوب تقف إلى جانب الحقّ الفلسطيني، مدافعةً عن القضيّة المركزيّة للأمّة، باعتبار فلسطين البوصلة التي من يحيد عنها يفقد طريق الصواب، ويروا أنّ فلسطين أولى بواجب التضامن والدعم من قبل أهل الخليج العربي، الذي تبلغ ثروات صناديق دوله السياديّة نحو 2.5 تريليون دولار تشكّل 34 بالمئة من إجمالي الصناديق السياديّة في العالم، ولا تحتاج مدينة القدس إلا إلى نسبةٍ ضئيلةٍ من هذه الثروة لتواصل صمودها في وجه الاحتلال ووقوفها ضدّ تهويد المدينة المقدّسة، ولا بدَّ من سلوك طريق الحق، طريق الحرية والعدالة والتحرير. كما أن المساهمة الفعالة في دعم "الأونروا" هي من واجبات الخليج القوميّة تجاهَ القضيّة المركزيّة للأمّة، ودول مجلس التعاون قادرةٌ على تقديم هذا الدعم بكلّ يسرٍ وسلاسة.. وهو المطلوب.