Menu

إسرائيلُ بعدَ أربعةٍ وسبعينَ عامًا: عواملُ القوّةِ ونقاطُ الضعف...!

أكرم عطا الله

نشر هذا المقال في العدد 38 من مجلة الهدف الإلكترونية

بينَ إسرائيلَ الراهنةِ وإسرائيلَ التي أُقيمت قبلَ أربعةٍ وسبعين عامًا فارقٌ كبير، فقد حدثت تغيّراتٌ وتبدّلاتٌ، وجرت مياهٌ كثيرةٌ في نهرها، من الدولةِ التي أقامها دافيد بن غوريون؛ المؤسّس القديم الذي تسلّم رئاسة الحركة الصهيونيّة، من ثيودور هرتسل مطلعَ القرن الماضي، وصولًا لنفتالي بينيت؛ مساحةٌ كبيرةٌ ومسارٌ أنتج ما يكفي من عواملِ استمرارِها دولةً قويّة، تمكّنت من توسيع مساحتها والسيطرة على أراضٍ عربيّة، لكنّها في المساحة نفسِها كانت تحملُ عواملَ ضعفِها.

لقد تمكّن بن غوريون من إقامة الدولة بعد حروب النكبة منتصفَ أربعيناتِ القرن الماضي، وسطَ هذا المحيط المعادي لمشروعه من العرب، آخذًا بالحسبان وحدةَ العربِ وهجومِ جيوشٍ عربيّةٍ متعدّدةٍ يومًا ما، وإن حدث ذلك جزئيًّا بعد عقدين على إقامة الدولة في حرب حزيران، ولكن حسابات بن غوريون المبكّرة وآليّات بناء الدولة والجيش، تمكّنا من تحقيق مكاسبَ أكبرَ وزيادة حجم الأراضي المحتلّة، وهو ما عُدَّ اختراقًا هائلًا لمكانتها، وما بين دولةٍ ما زالت تتحدّث عن تهديدات الأمن القومي المتزايدة بعد ثلاثة أرباع القرن وتطوّر إمكانيّات خصومها.

تمكّنت إسرائيل من بناء دولةٍ قويّةٍ عمادُها المؤسّسة والقرار بعيدًا عن هواة السياسة، بل في يد مؤسّسات الأمن القومي وتلك واحدة من أبرز ممكنات قوّتها، حيث المؤسّسةُ مصدرُ القوّة كما الدول المتقدّمة، وتمكّنت من بناء جيشٍ قويٍّ خاضَ حروبًا مع الدول العربيّة فرادى أو مجتمعة، وكذلك تطوير آليّات القضاء المستقلّ وهو أحدُ أبرز أعمدتها التي تمكّنت من ضبط العلاقة بين المؤسّسات والأجهزة والرقابة والمحاكمة كافةً، لمسئولين في الدولة والحدّ من الفساد.

تلك عواملُ قوّةٍ تمكّنت من مراكمتها سواءً بسبب الشعور بالخوف وسط المحيط المعادي أو بسبب الجيل الأوّل الذي بنى الدولة عائدًا من أوروبا، مستفيدًا من التجربة الحضاريّة التي أنتجها الإرث الأوروبي الطويل، وأبرزها التجربة الانتخابيّة، وتداول السلطة، والاحتكام لصندوق الانتخابات، فقد أجرت 24 عمليّةً انتخابيّةً خلال 74 عامًا، أي بمعدّل مرّةٍ كلّ ثلاث سنواتٍ تقريبًا، رغمَ أنّ القانون ينصُّ على انتخاباتٍ عامةٍ كلّ 4 سنوات، ما يعني تمكّن المؤسّسة من ضبط الخلافات كلّما اصطدمت تحلها بالصندوق.

بفضل المؤسّسة تمكّنت إسرائيل من بناء قوًى متعدّدةٍ من القوّة النوويّة مرورًا بالعلم والتكنولوجيا والاقتصاد، حتى وصلت لإرسال أقمارٍ صناعيّة، كلّ هذا وسطَ بحرٍ عربي، ما زال يعيش نظامَ القبيلة، وبعيدًا عن كلّ هذا وهنا تفوّق إسرائيل ليس بقوّتها، بل بدا الأمرُ بفعلِ ضعفِ خصومها إذا ما قارناها، مثلًا بدول أخرى في أوروبا، وكان بامكان الدول العربيّة أن تكون مثل دولٍ متقدّمةٍ حينها كانت إسرائيل تبدو متخلّفةً قياسًا بها، ولكن المسار لم يكن بالشكل الذي نراه من بعيدٍ بقدر ما أن له وجهًا لا يبدو بذلك الوضوح، فالمؤسّسةُ هي ابنةُ المجتمع وقد طرأ على المجتمع تغيّراتٌ كثيرةٌ لا بدَّ وأنّ مسارها يشكّل مصدرَ قلقٍ لمخطّطي الدولة، بل تشكّلُ عوامل ضعفٍ على المدى البعيد، وبات واضحًا أن ميكانزمات التطوّر تسير في سياقها الطبيعي والمعاكس لهندسة مؤسّسيها الأوائل ولا يمكن وقفها وهي:

أنّ العقل الذي أقام الدولة هو العقلُ العلمانيّ الغربيّ الذي وقف على الميراث الحضاري والعلمي لأوروبا، وكان هرتسل في كتابه دولة لليهود، قد قرّر مسبقًا ارتباطًا بالتجربة حينها، أن على الحاخامات أن يبقوا في كنسهم ولا يسمح لهم المشاركة في السياسة. كانت تلك نظرة مهمّة لكن الآن تغرق إسرائيل أكثر نحو التدين ومنذ سنوات باتت المرجعيات الخاخامية جزءًا مهمًّا في القرار السياسي، فلأول مرّةٍ يرأس الدولة من يعتمر القبعة الدينيّة.

انزياحُ المجتمع الاسرائيلي نحو اليمين الديني لم يتربط باعتباراتٍ مؤقّتةٍ يمكن أن تتغيّر مستقبلًا، ويتغيّر معها النظامُ السياسي، باعتباره انعكاسًا لمجتمعه، بقدر ما أنّ الأمر مرتبطٌ بتغيّراتٍ ديمغرافيّةٍ قاعديّة، وثقافة الإنجاب وتعدّد الثقافات في المجتمع، الذي أدّى مع الزمن لزيادة الكتلة الدينيّة وستستمرُّ وانحسار الكتلة العلمانيّة، التي أحد أبرز انعكاساتها هو تلاشي حزب العمل الذي أسّس الدولة.

لقد تمكّنت الكتلةُ الدينيّةُ من فرض قوانينها، مثل: قانون طلاب التوراة، وقانون الإعفاء من الخدمة العسكريّة، والعائلات كثيرة الأولاد، هذا عندما انكسر ميزان الأحزاب الكبرى، واستدعت اللحظة التاريخيّة منذ أكثرَ من ثلاثةِ عقود، مارست تلك القوى الدينيّة لتمارس ابتزازها على الأحزاب وفرضت تلك القوانين، فماذا تعني هذه القوانين؟ تعني أنّ هناك كتلةً اجتماعيّةً لن تشارك في الاقتصاد وفي الجيش تدرس كتاب التوراة ولا تعمل، ما يعني أنّها تصبح عبئًا على الدولة، ولأنّها في تزايدٍ ارتباطًا بثقافتِها الإنجابيّة والقوانين المحصّنة، سيزيد هذا العبءُ، ومع انحسار قوى العمل ستسيرُ إسرائيلُ مثقلةً نحو دولةٍ عالمثاليّة. صحيحٌ أنّ هذا يحتاج بعض الوقت، لكن المسار يسير بهذا الاتّجاه.

ماذا يعني أنّ تنزاحَ إسرائيل لتصبحَ مجتمعًا دينيًّا ونظامًا سياسيًّا دينيًّا ودولةً تنزع أكثرَ نحو الدين؟

هذا يعني أنّ القواسمَ المشتركةَ والقيمَ المشتركةَ مع العالم الحضاريّ التي تمكّنت العلمانيّة، حين أقامت الدولة وفي عقودها الأولى من نسجها ستأخذ بالتلاشي إلى الحدّ الذي يصبح هناك تضاد بين الثقافتين، ثقافةٌ عالميّةٌ نتاجُ ثورةٍ علمانيّة، أزاحت الكنيسة جانبًا، وانطلقت نحو الحريّات، وبين ثقافةٍ تعيدُ الاعتبار للكنيس وتعتبرُها مرجعَها الاجتماعيَّ والقوميَّ والسياسي، وما بين انفتاحٍ عالميٍّ ثقافيٍّ وليبراليٍّ وبين انغلاقٍ دينيٍّ وعقليّة الغيتو لنا أن نتصوّر حجم التناقض.

كيف ستبدو صورة إسرائيل؟

وقبلَ أن نذهب للخيال من تابع ردود الأفعال الكونيّة على اغتيال الصحافيّة في قناة الجزيرة شيرين أبو عاقلة، يدرك القصد ممّا سيأتي، وهو أنّ صورة إسرائيل وأيضًا ارتباطًا بانزياحها نحو اليمين الدينيّ والقوميّ وتزايد الفجوة مع العالم، يدرك أنّ العالم الذي يسير للأمام يرى دولةَ إسرائيلَ تسيرُ للوراء، ويعطي انطباعاته وأحكامه. ربّما من المبّكر أيضًا الحديث عن تلك الأحكام بشكلٍ قطعيّ، ولكن تراكم المسار في إسرائيل، سيزيد من وضوح الصورة التي بالقطع لن تكون مقبولةً وسطَ عالمٍ نزع مبكّرًا فكرةَ القوميّةِ والدين.

ماذا يعني ذلك؟

ربّما يحتاجُ إلى قراءاتٍ أعمقَ وأكثرَ مطوّلة، ولكن الانزياح الحاصل، بات واضحًا أنّه سيمسُّ من ممكنات القوّة التي راكمتها عندما تتحوّل إلى دولةٍ دينيّةٍ مثقلةٍ اقتصاديًّا أو أقرب للعالم الثالث وتمارسُ سلوكًا لا تقبلُهُ القيم الإنسانيّة... وفي وصف منظّمة امنيستي لإسرائيل بدولة الأبرتهايد ما يشي بالمسار... لقد بدأت دولة، بدأت بعوامل القوّة، والآن بات واضحًا أنّ التطوّر الاجتماعي يحدث تآكل ما بتلك العوامل: علينا أن نراقب...!