Menu

تحدّياتُ إعادةِ إنتاج التمركز الأمريكيّ في الوطن العربيّ

د . عابد الزريعي

نشر هذا المقال في العدد 38 من مجلة الهدف الإلكترونية

تسيرُ الولاياتُ المتّحدةُ الأمريكيّة في سياق تكيّفها مع متغيّرات الوضع الدوليّ الراهن تجاهَ تعزيز إمساكها بمرتكزاتها الرئيسة في الوطن العربي، دونَ أن تتخلّى عن العمل الذي بدأته منذ فترة، المتمثّل في تعزيز حضورها في آسيا؛ لمواجهة الصين وروسيا، ذلك أنّ تعزيز الحضور في آسيا وخوض مواجهةٍ ناجعة - في التصوّر الأمريكيّ - ضدَّ روسيا والصين، بات يفرضُ عليها تعزيزُ حضورِها في المنطقة العربيّة، سواءً كان ذلك بشكلٍ مباشرٍ أو غيرِ مباشر. وكذلك العمل على تفعيل دور مرتكزاتها وأدواتها في المنطقة؛ الأمرُ بات يفرضُ تحدّياتٍ متجدّدةً على مجمل فصائل حركة التحرّر العربيّة، التي يبدو أن كثيرًا منها يعيش حالةَ ارتباكٍ في قراءة ما يجري، وما يترتّب عليه من مهام، هذا المقال محاولةٌ لإلقاء الضوء على هذه المسألة ضمنَ العناوين الآتية:

أوّلًا: مؤشّراتٌ أوليّةٌ مضلّلة:

روّجت عديدُ الوسائل الإعلاميّة، بالتوافق مع اندلاع الحرب في أوكرانيا، أخبارًا عديدةً مفادُها أنَّ توتّرًا يشوبُ العلاقةَ بين الإمارات والسعوديّة من ناحية، والإدارة الأمريكيّة من ناحيةٍ ثانية؛ الأمرُ الذي دفع إلى الاعتقاد بأنّ الدولتين العربيتيّن قد التقطتا متغيّرات الوضع الدوليّ، وحزمتا أمرهما على الاستفادة القصوى منه. كما ترافق هذا الترويج مع وجهة نظر تقول: إنّ الولايات المتّحدة الأمريكية كانت قد حزمت أمرها بالتوجّه إلى آسيا لمواجهة مخاطرَ صينيّةٍ أو روسيّةٍ محتملةٍ في تلك المنطقة، ومن ثَمَّ لم تعد المنطقةُ ذات أهميّةٍ ضمنَ سلّم حساباتها الاستراتيجيّة. وقد تعزّز هذا التصوّر في أجواء من الفتور السياسي الأمريكيّ تجاهَ المنطقة منذ صعود بايدن إلى رأس الهرم السياسيّ في يناير 2021، وذلك قياسًا إلى مرحلة الرئيس السابق ترامب. وفي هذا المناخ بثّت مختلِف الوسائل الإعلاميّة عديد الأخبار السياسيّة اليوميّة التي تدعم مثل هذا الاعتقاد، ومن بينها توتّر العلاقات الأمريكيّة الخليجيّة على خلفيّة ملفّات حقوق الإنسان، والحرب في اليمن، وتوريد الأسلحة للإمارات والسعوديّة اللتين بدأتا في طرق الأبواب الروسيّة والصينيّة للتزوّد بالسلاح. وكذلك رفض السعوديّة الاستجابة للطلب الأمريكيّ بضخّ كمّياتٍ إضافيّةٍ من النفطّ للحدّ من ارتفاع الأسعار، ودعوتها الرئيس الصينيّ لزيارة المملكة في شهر رمضان، وامتناع الإمارات، التي تترأس مجلس الأمن الدولي في آذار/ مارس، عن التصويت، في 25 شباط/ فبراير، لمشروع قرارٍ أميركيٍّ يندّدُ بغزو أوكرانيا، ويطالب روسيا بالانسحاب. وقيل إنّ ابن سلمان وابن زايد، قد رفضا الردّ على اتّصالٍ هاتفيٍّ من بايدن نفسه، لكن وعلى الرغم من أهميّة ودلالات هذه الأحداث السياسيّة، وبغض النظر عن مدى دقّتها الحرفيّة، إلّا أنّها تندرج في سياق الشروخ القابلة للمعالجة، ولا يمكن لها أن تصل إلى مرحلة الكسر والقطيعة لأسبابٍ عديدة.

ثانيًا: مرتكزاتٌ قديمةٌ ومتجدّدة:

إنّ الولايات المتّحدة التي جسّدت حضورها في المنطقة، وريثةً للإمبراطوريّة البريطانيّة، قد أدركت منذ البداية الخصوصيّة الاستراتيجيّة للمنطقة، بوصفها المركز الأهمّ للصراع الدوليّ، منذ الصراع البريطانيّ الفرنسيّ وسعي بريطانيا لتأمين طريق الهند، وهو المسار الذي تمَّ خلق واختلاق إسرائيل في سياقه، وعلى أرضية هذا الإدراك ضبطت سياستها منذ البداية على ضوء ثلاثة قضايا استراتيجيّةٍ أساسيّة، وهي إدارةُ مقتضيات الحرب الباردة، ومصادر الطاقة، وإسرائيل، وهي قضايا آخذةٌ في التجدّد، ارتباطًا بمتغيّرات الوضع الدولي للأسباب الآتية:

1 ـــ أنّ التراجع عن الحضور القويّ في هذه المنطقة، يفتح المجال لتقدّم قوى أخرى. فقد بقيت المنطقةُ طوالَ عقودٍ ساحةَ تنافسٍ على النفوذ بين القوّتين العظميين ــ لأسبابٍ متباينة ـــ وإذا كان الاتّحادُ السوفييتيّ قد سقط وتلاشى دوره، فقد عاد الصراع ذاته في صيغة روسيا الاتّحاديّة الناهضة من وسط الركام الذي خلّفه الانهيار. وفي هذا الصدد، باتت أمريكيا تدرك أنّ الابتعاد عن المنطقة يعني ترك موقعٍ استراتيجيٍّ ستملأه ذات القوى، التي تريد أن تذهب لملاقاتها في آسيا، وبالنتيجة تعزيز قدرة تلك القوى بدلًا من تقويضها.

2 ــ أنّ تأمين مصادر الطاقة، أصبحَ أكثرَ أهميّةٍ ممّا سبق، خاصّةً وقد أصبح النفط والغاز أحدَ أهمِّ الأدوات التي يدار بها الصراع من الجانب الروسي، لتقليل انعكاسات العقوبات الأمريكيّة الأوربيّة عليه وخلق التناقض بينها وحلفائها الأوربيّين.

3 ــ أنّ الحاجةَ إلى إسرائيل آخذةٌ في التجدّد كأداةٍ وظيفيّةٍ في المنطقة، يمكن الاعتماد عليها في تعزيز ودعم القضيتين السابقين بشكلٍ أساس. كما أنّ هذه الأداة أصبحت ذات مصلحةٍ مباشرةٍ ترقى بها إلى مستوى الشريك في إدارة المنطقة الاستراتيجيّة.

ثالثًا: لا مجالَ للحياد والابتعاد:

إنّ القضايا الثلاث السابقة تضعُ المنطقةَ العربيّة على رأس سلّم أولويات أمريكيًّا، وتفرض عليها أن تكون أكثرَ حرصًا على تعزيز حضورها، وذلك ارتباطًا بتطوّر صراع التغيير الدوليّ؛ الأمرُ الذي يجعلها معنيّةً بفرض وانتزاع مواقف أكثرَ وضوحًا من قبل حلفائها في المنطقة. وفي هذا الصدد، جاءت قمّة النقب بحضور وزير الخارجيّة الأمريكيّ للجزائر، والحديث عن زيارةٍ مرتقبةٍ من قبل بايدن إلى إسرائيل التي كانت الأسبق إلى إدراك جوهر الموقف والتوجّه الأمريكيّ؛ فغيّرت موقفها بشكلٍ سريعٍ من الحرب الروسيّة في أوكرانيا، من الحياد إلى محاولة الوساطة، ثمَّ الانحياز وإرسال أو التغاضي عن ذهاب مقاتلين إسرائيليين إلى أوكرانيا كصيغةٍ قصوى للتكيّف مع الموقف الأمريكي. أمّا بالنسب للدول العربيّة التي تدور في الفلك الأمريكيّ، التي نأت بنفسها عن انتقاد روسيا، وإبداء موقفٍ من الأزمة المتصاعدة بين موسكو والغرب، فقد عادت وانضبطت في النهاية للموقف الأمريكي وأخذت موقفًا سلبيًّا من روسيا؛ الأمرُ الذي تجلّى بتاريخ 2 آذار/ مارس 2022، حيث صوّتت 15 دولةً عربيّةً لصالح قرار إدانة روسيا في الجمعيّة العامّة للأمم المتّحدة وهي: (مصر، والبحرين، والكويت، ولبنان، و ليبيا ، وموريتانيا، وعمان، وقطر، والسعودية، وتونس، والإمارات، واليمن، وجزر القمر، وجيبوتي، والصومال).

رابعا: عوامل مساعدة

هناك مجموعة عوامل مساعدة لتعزيز التمركز الأمريكي في المنطقة، تتبدى أولا في وجود وضع رسمي عربي، بات متكيفا في غالبيته مع السياسة الأمريكية، التي استطاعت على مدى العقود الماضية من تخليق بنية ارتباط عميقة مع هذه الأنظمة التي رهنت استمرار وجودها بإعادة إنتاج بِنية الارتباط هذه، التي تشكّل بالنسبة لها ركيزةُ أمنٍ أساسيّة. وثانيًا في انخراط عديد الأنظمة في مسار التطبيع مع إسرائيل؛ الأمرُ الذي لم يكن متوفّرًا في عقودٍ سابقة، وهو الأمرُ الذي يسهّل على أمريكيا تشكيل جبهةٍ ملتفّةٍ حولها بمشاركةٍ عربيّةٍ إسرائيليّة، بما يعنيه ذلك من العمل على جعل التطبيع عنوانًا للسياسة الأمريكيّة في المنطقة استمرارًا لخطّ ترامب، الأمرُ الذي تبدّى من خلال عديد المؤشّرات حتّى على المستوى الداخلي الأمريكيّ، وفي هذا السياق علينا التوقّفُ أمامَ تصريح وليّ العهد السعوديّ بأنّ إسرائيل ليست عدوًّا، وكذلك الظهور المفاجئ لكوشنير ونسجه لعلاقاتٍ ماليّةٍ بين السعوديّة وإسرائيل، وبالتوازي مع ذلك جملة الضغوط التي تمارس على بعض البلدان العربيّة من المدخل الاقتصاديّ للدفع بهذا الاتّجاه.

خامسًا: تحدّياتٌ قائمةٌ وقدراتٌ غائبة:

يشكّلُ عاملُ التطبيع الآليّة الأكثر خطورةً في إعادة إنتاج الحضور الأمريكيّ في المنطقة؛ لأنّه موضوعٌ للاشتغال من قبل أمريكيا من ناحية، والدول العربيّة المطبّعة من ناحيةٍ ثانية، حيث يستفيد الطرفان في الدفع بعجلة التطبيع إلى الأمام من المشاكل الداخليّة والاقتصاديّة التي تعاني منها بلدانٌ عربيّةٌ أخرى، خاصّةً تلك التي لا تقف على أرضيّةٍ سياسيّةٍ صُلبة، فيما يخصُّ الموقفُ من الكيان الصهيوني، تلك البلدان التي تتطلّع إلى معالجة تلك المشاكل عبرَ قروض الصندوق الدولي، والدعم المالي الخليجي؛ الأمرُ الذي يفرضُ عليها خياراتٍ سياسيّةً تتوافقُ مع الخيارات الأمريكيّة والإسرائيليّة وأنظمة التطبيع التي باتت مكلفةً ومعنيّةً باستخدام علاقاتها وقدراتها المالية لجرّ دولٍ عربيّةٍ أخرى من خلفها. وإذا كان هذا الوضع قد بات يشكّلُ خطرًا وتحدّيًا منتصبًا بالأساس أمامَ فصائل حركة التحرّر العربيّة بمختلف مشاربها، إلا أنّ اللافت للنظر أن بعض أطرافها باتت تعاني ارتباكًا في قراءة المشهد السياسيّ الدوليّ ومترتّباته الإقليميّة، فنجدها تشنُّ حملةً على روسيا بسبب أوكرانيا تحت شعار القيم الديمقراطيّة، بما يعنيه ذلك من جاهزيّةٍ نفسيّةٍ للتكيّف مع الموقف الأمريكي. وبعض منها ومن موقع الصراع الأيديولوجيّ مع تنظيمات الإسلام السياسي، راح ينظر ويقترب من أنظمةِ تسويةٍ وتطبيعٍ بحجّة أنّها تصارع الإسلام السياسي؛ الأمرُ الذي يكشف عن عدم استقامةٍ في قراءة وتحديد التناقض الرئيس في المنطقة، هذا إضافةٌ إلى النزعة القطريّة التي أخذت تستشري في مفاصل حركة التحرّر العربيّة، يضاف إلى ذلك الركون في كثيرٍ من الأحيان إلى نوعٍ من التبسيطيّة المريحة للذّات، لكنّها لا تغيّر في الواقع، إن لم تزيّف قضاياه وتحدّياته الرئيسة.

خاتمة:

على ضوءِ هذهِ القراءةِ المتواضعة، نجد من الضروريّ الدعوة إلى لقاءٍ موسّعٍ لكلّ فصائل حركة التحرّر العربيّة المعنيّة، يكون بمثابة مؤتمرٍ قوميٍّ حقيقيّ، معنيٍّ بمسألتين، أوّلهما تقديم تصوّرٍ نظريٍّ واضحِ الأسس والمعالم، يشكّل مرشدًا لحركة التحرّر العربيّة في المرحلة القادمة، وبلورة آليّات عملٍ حقيقيةٍ وأدواتٍ قادرةٍ على التكيّف مع المتغيّرات والفعل والتأثير في الواقع، بما يعنيه ذلك من الجمع الخلّاق بين الفكر والعمل؛ النظريّة والممارسة.