يتم تداول بعض التقارير الغير مؤكدة عن احتمال غياب الرئيس محمود عباس نتيجة وضعه الصحي.
تعززت هذه المعلومات عندما غاب الرئيس عن لقاء بعض الرسميين الأوروبيين الذين زاروا رام الله بالإضافة إلى القرار المفاجيء بتعيين الاخ حسين الشيخ أمينا لسر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية.
قرار التعيين هذا اشعل النار تحت الرماد بين الاخوة الاعداء الذين يتطلعون الى خلافة الرئيس عباس ولكل منهم أسبابه الشخصية يخلط فيها بين التاريخ والعلاقات الداخلية والخارجية ولكن معظمهم لا يولون أي احترام لرأي الشعب الفلسطيني أو حتى فصائلة التي لم يتم التفاعل معها في قرار تعيين امين سر اللجنة التنفيذية كونها المعنية مباشرة في استحقاقاته السياسية والتنظيمية والإدارية وتأثيرها على المنظمة ومستقبلها ودورها كأداة للنضال الوطني في مرحلة دقيقة وحاسمة تتعرض فيه القضية الفلسطينية لِلتصفية الممنهجة من الخصوم والمقربين.
قرار التعيين على ما يبدو فتح الباب لاحتمالات مفتوحة قد تصل إلى صراع داخلي تكون القضية الفلسطينية هي الخاسر الأكبر.
قرار التعيين يفتح الباب للأخ حسين الشيخ لأن يكون خليفة أوتوماتيكيا في حالة غياب الرئيس محمود عباس في ظل غياب رئيس المجلس التشريعي ورئيسهِ ولن تتكرر حالة الأخ روحي فتوح الذي عين رئيسا مؤقتا بعد وفاة الرئيس ياسر عرفات .
الكثير من التقارير تتداول الأسماء المرشحة لِلخلافة أبرزها الاخوة حسين الشيخ ومحمد دحلان ومحمود العالول وجبريل الرجوب وماجد فرج وعزام الاحمد و اشتية والحمدالله ومروان البرغوثي وتوفيق الطيراوي وغيرهم من الأسماء التي تطرح على سبيل المثال سلام فياض وصبيح المصري.
من الواضح أن الأسماء المتداولة لا تخرج عن إطار حركة فتح ومحيطها السياسي وبالرغم من الإطار الذي يجمعهم لكنهم متعارضين في رؤية دورهم الوظيفي. منهم من يعطي اهمية للعامل الاسرائيلي والامريكي واهمية التنسيق معهما ومنهم من يولي اهمية للعامل العربي الخليجي تحديدا والأقلية منهم من يولوا أهمية لوحدة فتح لتستمر في قيادة المنظمة والسلطة.
هذا الدور الوظيفي الذي تعيره إسرائيل أهمية قصوى لتحديد خياراتها التي تستند إلى ناظِم ومِعيار الرؤية الأمنية الإسرائيلية التي هي العامل الحاسم في قرار دعم احد الاسماء. من الممكن أن تسمح بهامش من الشعارات السياسية التي اعتاد على إطلاقها الرئيس عباس ولكنها لن تتهاون في المس بمنظومة الأمن والتنسيق الأمني الذي تعتمد عليه في ضبط ايقاع الضفة خصوصا والتهديد الدائم لغزة.
إن أيا من هذه الأسماء المتصارعة لن يكون له حظوظا إذا لم يتم التوافق عليه في البيت الفتحاوي وقبل رحيل رئيسها.
إذا تركت الأبواب مفتوحة للصراع على خلافة الرئاسة ستتمكن إسرائيل من الاستثمار في الحالة الفوضوية التي ستنتج عن هذا الصراع الذي من الممكن أن يأخذ ألوانا سيكون الاحمر سيدها لتسويق الفكرة التي طالما أطلقتها ان الفلسطينيون غير مؤهلين لأن تكون لهم دولتهم والحل الافضل هو اعادة تموضع الاحتلال بما يتلائم مع الفكرة القديمة الحديثة لاعادة احياء شكلا من أشكال روابط القرى مع بعض التعديلات التي تتلاءم مع مصالح بعض مراكز القوى التي نشأت ما بعد أوسلو.
البعض يتساءل عن الدور العربي وما مدى تأثيره في اختيار خليفة الرئيس عباس ؟
من الواضح أن الذي يسيطر على القرار العربي في ظل هذه المرحلة هي السعودية عبر اداتين مجلس التعاون الخليجي والواجهة الإماراتية-المصرية بالرغم من بعض التعارض في الرؤية لكنها جميعها أوكلت الملف الفلسطيني الى الحكومة الاسرائيلية والتصريحات الرنانة بين الحين والآخر تطلق من أجل الاستثمار السياسي الداخلي والخارجي.
كل المؤشرات توحي أن الأمور ذاهبة الى تنفيذ بنود صفقة القرن بمخرجات تعطي التعاون الاقتصادي بين إسرائيل وحلفاؤها الجدد اولوية على الأولوية السياسية الفلسطينية.
الأردن ما يزال متخوفا من السياسة الإسرائيلية التي ما زالت تلوح بين الحين والآخر بالخيار الأردني خاصة إذا ذهبت الحالة الفلسطينية إلى الفوضى التي ستتيح لإسرائيل ممارسة مزيدا من التغول السياسي والامني الذي سيرفع من حالة الاحتقان السياسي في الشارع الأردني الذي ما زال يجمع على ان اسرائيل تشكل خطرا داهما على مصالحه المشتركة مع الفلسطينيين.
من على هذه الأرضية فان الاردن من مصلحته أن يكون الخليفة متمسكا بالحل السياسي القائم على إقامة الدولة الفلسطينية على حدود الرابع من حزيران و القدس الشرقية عاصمتها.
أما عن الوضع الداخلي الفلسطيني فإن الفصائل الفلسطينية الرئيسية الفاعلة من حماس والشعبية والجهاد والى حد ما المبادرة والشيوعيون فإن أي خليفة عليه أن يأخذ موقفهم بعين الاعتبار كونهم مكونا هاما يحكم قسما رئيسيا وفاعلا من الشعب الفلسطيني في قطاع غزة والضفة التي أفرزت انتخابات اتحاداتها المهنية وطلابها توازنا اجتماعيا جديدا تشكل فيه هذه القوى العمود الفقري لِهيئاتها المنتخبة.
أما عن الدور الأوروبي الذي ما زال يؤكد على أن حل الدولتين هو الخيار الأفضل لكنه لا يسعى الى تحقيقه كما فعل ويفعل في دعم أوكرانيا باعتبارها خضعت لغزو روسي احتل جزء من أراضيها.
وبالرغم من أنه ما زال يصف اسرائيل بممارسة الاحتلال لكنه لا يعمل بذات القوة السياسية والاقتصادية والأمنية والعسكرية والمالية لمواجهة الاحتلال الاسرائيلي بل بالعكس فإنه في السياسة اليومية يمارس دعما واضحا لِإسرائيل وعدوانيتها على الشعب الفلسطيني.
أما الموقف الأمريكي وبالرغم من وعود الديمقراطيين قبل الانتخابات لكنهم ما زالوا يعلنون ليل نهار ان العلاقة مع اسرائيل اولوية سياسية وامنية واقتصادية بل لم يعلنوا أي موقف يميزهم عن إدارة ترامب بحيث أصبح من الواضح أن السياسة الجمهورية والديمقراطية مجمعة على تمرير بنود صفقة القرن كونها الإطار الذي تجمع عليه مجموعة تحالف اتفاقية كامب ديفيد وابراهيم .
حديث البيت الأبيض عن حل الدولتين يؤكدهُ نظريا ولكنه بذات الوقت لا يرى إمكانية لِتحقيقه في ظل الموقف الإسرائيلي الذي يُعلِن صباح مساء أن حل الدولتين أصبح من الماضي ويمرر في غرف التفاوض أن مفهوم حل الدولتين هو قائم منذ عام ١٩٤٨ عندما قسمت الأراضي الفلسطينية بين اسرائيل والاردن.
من هنا تنبع اهمية الموقف الاردني الذي ما زال متخوفا من استحقاقات المسميات الجديدة لصفقة القرن وأن المصلحة الفلسطينية تكمن بالاستمرار في دعم الموقف السياسي الأردني باعتباره الطرف القانوني الذي من الممكن أن يواجه الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية كونها كانت هي الدولة التي خسرتها في حرب حزيران ال١٩٦٧. هذا الموقف يزداد أهمية خاصة بعد أن أنهت اسرائيل كل الاتفاقيات السياسية مع السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير الفلسطينية.
في ظل هذه المواقف فإن البيت الفلسطيني يتطلب إعادة بناء وترتيب للأولويات الوطنية.
المدخل الرئيسي لإعادة البناء هي منظمة التحرير الفلسطينية الإطار القانوني المعترف فيه عربيا ودوليا .
قبل رحيل الرئيس محمود عباس على حركة فتح وبحكم مسؤوليتها السياسية ان تضغط لاتخاذ مجموعة من القرارات الوحدوية لاعادة ترتيب البيت الفلسطيني واغلاق الابواب امام الاستثمار الإسرائيلي في الحالة الفلسطينية وبث حالة من الفوضى السياسية والامنية المضبوط إيقاعها لفرض رؤيتها الأمنية باعتبار أن الحالة الفلسطينية هي حالة أمنية داخلية بامتياز.
الحل الوحدوي الوطني يتطلب تشكيل مجلس رئاسي فلسطيني ينقل إليه الرئيس محمود عباس الصلاحيات الرئاسية.
الحل الافضل ان يتم تشكيل مجلساً رئاسيأُ متوافق عليه وطنيا يراعي الحالة الفلسطينية القائمة داخليا وخارجيا مهمته اعادة بناء المشروع الوطني الفلسطيني لإخراج الحالة الفلسطينية من المأزق السياسي والأمني والاجتماعي والاقتصادي.
يتبعه تشكيل حكومة فلسطينية تجمع التمثيل الفلسطيني في الضفة وغزة والخارج .
أما الحل الأقل تفضيلا هو أن تقوم حركة فتح بتشكيل هيئة رئاسية من إطارها السياسي يراعي الحالة الفلسطينية تكون مهمته إعادة الحد الأدنى من الوحدة الفلسطينية لتفادي الفوضى التي من الممكن أن تنتج عن صراع الإخوة الأعداء.
أما الحل المؤقت من الممكن الاتفاق على شخصية فلسطينية من خارج فتح والفصائل تجمع الحالة الفلسطينية والإقليمية والدولية لتمرير المرحلة الانتقالية لحين إعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية وفي هذه الحالة يجب فصل رئاسة السلطة عن رئاسة منظمة التحرير الفلسطينية وانتخاب رئيسا للمنظمة من خلال أطرها القانونية.
والحل الأسلم والأكثر واقعية وشرعية هو العودة للشعب الفلسطيني وإجراء الانتخابات الفلسطينية الرئاسية والنيابية ليكون الشعب الفلسطيني المقرر في تحديد قيادته ورئيسه ومجلسه المنتخب.
هذا الحل يغلق الباب أمام الاستثمار الاسرائيلي والتدخلات الخارجية ويقوض الدور الوظيفي للأفراد لمصلحة الدور الوطني للشعب الفلسطيني ويفرض حلا ديمقراطيا طالما يتغنى بالمطالبة فيه الغرب واسرائيل العدوانية.
هذا الحل يضع الجميع محليا وإقليميا ودوليا امام الخيار الشرعي الديمقراطي للشعب الفلسطيني في اختيار ممثليه في المجلس التشريعي أو المجلس الرئاسي إذا اتفقت على صيغته أو استمرار الشكل الرئاسي القائم بانتخاب الرئيس.

