Menu

الكيانُ الصهيونيّ: مبناهُ ووظيفتُه، في الماضي والمستقبل! إطلالةٌ على رؤى العالِم الاستراتيجيّ المصريّ الكبير "جمال حمدان"

أحمد بهاء شعبان

نشر هذا المقال في العدد 38 من مجلة الهدف الإلكترونية

   "74 عامًا تمرُّ هذهِ الأيام على ذكرى الاغتصابِ الصهيونيّ لفلسطين".

   هذهِ الجملةُ التي لا يزيدُ عددُ كلماتِها عن عشرةِ كلمات، تكادُ تُلخّصُ مأساةَ الأمّةِ العربيّة الراهنة، وتوضّحُ أبعادَ حيرتها، وتكشفُ أسرارَ ضياعها، وفي الوقت ذاته، تُشيرُ إلى طريق الخروج من الأزمة، وسبيل النجاة من المستنقع، وتحوي أسبابَ النجاة!

   وهذا الاستنتاجُ - إن كان يصحّ - بشكلٍ عام في مناطقَ مُتعدّدةٍ من مُكوّنات الوطن العربي، وبالذات فيما كان يُطلق عليها وصف "بلدان الطوق"، أي الدول العربيّة المُتاخمة حدوديًّا ل فلسطين المُغتصبة: سوريا، ولبنان، والأردن، والعراق، ومصر..، فإنّه بالنسبة للدولة الأخيرة "مصر"، يصحُّ بشكلٍ مُطلق، ويُمثّلُ ارتباطًا وجوديًّا حاسمًا عصيًّا على الانفكاك، ومستحيلًا على الانفصام!

   وإذا كان المفكّرُ العربيُّ "نجيب عازوري"، قد بادر إلى التنبيه منذ عام 1905 إلى أنّ "حركة اليقظة في الأمّة العربيّة، وحركة اليهود الكامنة لإعادة بناء مملكة إسرائيلَ القديمةِ على قطاعٍ كبيرٍ من الأرض هناك، لا مناصَ لهما من صدامٍ مستمرٍّ حتّى تتغلّب إحداهما على الأخرى. ويتوقّف مصيرُ العالم أجمع على ما يُسفر عنه هذا الصراع بين شعبين يُمثّلان مصلحتين مُتضادّتين" (مع التحفـُّظ الواجب على كون يهود العالم، من شتى الأصقاع والثقافات، يكونون شعبًا مُنسجمَ الصفات)، فإنّ الدكتور "جمال حمدان"، المُفكّر الاستراتيجيّ المصريّ الكبير، قدَّم واحدًا من أكمل وأعمق الرؤى الفاحصة لجوهر المشروع الاستيطانيّ الاستعماريّ الصهيونيّ، وهي رؤيةٌ ما زالت تتمتّع بصحةٍ ونفاذِ بصيرةٍ نادرتين، رغمَ مرورِ أكثرَ من أربعين عامًا على طرحها، وتثبتُ التَّجرِبةُ العمليّةُ المُعاشةُ صدقَها القاطعَ كلَّ يوم؛ عبرَ مُمارساتٍ لا تنقطع، نشهدُها ويشهدُها العالمُ أجمع، آخرُها وليس أخيرها الواقعة الإجرامية لاغتيال الإعلاميّة الفلسطينيّة الشهيدة "شيرين أبو عاقلة"، بدمٍ بارد، على مسمعٍ ومرأًى من العالم أجمع!

   وُلد د. "جمال حمدان" في 4 فبراير 1928، وتوفي في 17 أبريل 1993، إثرَ حريقٍ مُريبٍ شبَّ في مسكنِه، حامت الشُبهاتُ حولَ دورٍ للموسادِ الإسرائيليّ في ترتيب وقائعه، وكان في سنوات عمره الأخيرة قد هجر عمله الأكاديميّ أستاذًا للجغرافيا بجامعة القاهرة، واعتكف مُتفرّغًا للعمل الفكري، وأصدر مجموعةً من الدراسات المُهمّة للغاية، على رأسها المُجلّد الموسوعيّ الضخم، بأجزائِهِ الأربعة: "شخصيّة مصر دراسة في عبقرية المكان"، و"استراتيجيّة الاستعمار والتحرير"، و"اليهود أنثروبولوجيا"، بترول العرب"، "6 أكتوبر في الاستراتيجيّة العالميّة"، وغيرها.

   كان الدكتور "حمدان" سبّاقًا إلى دحضِ المقولات الأنثروبولوجيّة التي استندَ إليها مشروعُ الاغتصاب الصهيونيّ لفلسطين، فقد أكّد، بالاستدلالات العلميّة، أنّ الكيان الصهيوني محضُ ظاهرةٍ استعماريّةٍ في جوهرها ومبناها، مُحورُها اغتصابُ غُزاةٍ أجانبَ لأرضٍ لا يمتّون لها بصلةٍ دينيّةٍ أو تاريخيّةٍ أو جنسيّة، موضّحًا أن هناك "نوعين" من اليهوديّة لا رابطَ بينهما من قريبٍ أو بعيد: يهوديّة "قديمة" أو دارسة، ويهوديّة مُعاصرة أو "مُستحدثة"، وهما نوعان لا يربط بينهما أدنى "صلةٍ أنثربولوجيّة" ثابتة.

    فعبرَ عمليّةِ تحوّلٍ تاريخيٍّ مُمتدّ، جرت على محورين أساسيّين: دخول وخروج، أو جذب وطرد، امتدّت لأكثرَ من ألفي عام، تعرّض "يهود التوراة"، في "الشتات"، و"المهاجر"، "المنافي" إلى تأثيراتٍ عميقةٍ لظاهرتين مُتلازمتين: "خروج أعدادٍ ضخمةٍ منهم بالتحوّل إلى غير اليهوديّة"، و"دخول أفواج لا تقلّ ضخامةً في اليهوديّة من كلّ أجناس المهجر"، ومع اقتران هذه العمليّة المزدوجة بالتزاوج والاختلاط الدمويّ المُستمرين، تَكَوَّن "الجسم الأساس من اليهود المُحدّثين"، الذي أصبح جنسًا آخرَ لا علاقةَ له - أنثروبولوجيًّا - باليهود القدامى!

   ومن هنا فقد أكَّدَ "جمال حمدان": على "أنّ اليهوديّة ليست؛ ولا يمكن أن تكون قوميّةً بأيّ مفهومٍ سياسيٍّ سليمٍ كما يعرف كلَّ عالمٍ سياسيّ، ورغمَ أنّ اليهودَ ليسوا عُنصرًا جنسيًّا في أيّ معنى، بل «متحف» حيّ لكلّ أخلاط الأجناس في العالم، كما يدرك كل أنثروبولوجي، فإنّ فرضهم لأنفسهم أمةً مزعومةً مُدَّعيّةً في دولةٍ مُصطنعةٍ مُقتطعة؛ يجعلُ منهم ومن الصهيونيّة حركةً عنصريّةً أساسًا".

   ومن هنا يصل "حمدان" إلى الاستنتاج المنطقي، كما أوضحه في دراسته بالغة الأهميّة، والمعنونة بـ"استراتيجيّة الاستعمار والتحرير"، باعتبار أنّ دولة "الكيان الصهيوني" ليست سوى: "دولةٍ دينيّةٍ صرفة، تقوم على تجميع اليهود، واليهود فقط، في «جيتو» سياسيّ واحد، ومن ثَمَّ فأساسها التعصُّبُ الدينيُّ ابتداءً، وهي بذلك تمثّلُ شذوذًا رجعيًّا في الفلسفة السياسيّة للقرن العشرين، وتُعيدُ إلى الحياةِ حفريّات العصور الوسطى بل القديمة"، وهو ما أكّدته وقائعُ المستقبل بصورةٍ قاطعة، بعد رُبع قرنٍ من رحيل الدكتور "حمدان"، بإعلان يهوديّة دولة "إسرائيل"، الذي صدر في يوليو / تموز 2018، في عهد تولي "بنيامين نتنياهو" رئاسة الوزراء، وينص في مواده الثلاث على أن: "إسرائيل هي الوطن التاريخي للأمّة اليهوديّة"، وأنّ "لليهود فقط  في إسرائيل الحقّ في تقرير المصير"، و"القانون الأساسي وغيره من القوانين يجب ترجمتها في هذا الإطار"،

   فهذا الكيان، حسب دراسات "حمدان" لا يعدو أن يكون "كيانًا لقيطًا"، مُشكلته الأساسيّة وهاجسه الأوّل هو معضلةُ "الأمن"، ووجوده، في الأوّل والأخير: "رهن بالقوّة العسكريّة وبكونها ترسانةً وقاعدةً وثكنةً مسلّحة، مشيرًا إلى أنّها قامت ولن تبقى إلا بالدم والحديد والنار. ولذا فهي دولةٌ عسكريّةٌ في صميم تنظيمها وحياتها، ولذا أصبح جيشُها هو سكّانُها وسكانُها هم جيشُها".

   إنّها - كما يرى د. "حمدان" - جماعةٌ "وظيفيّة"، دورُها الذي اختلقها الاستعمار العالمي بالاشتراك مع "الصهيونيّة العالميّة"، وأعدّاها من أجل أدائه، هو: "أنّ تصبحَ قاعدةً متكاملةً آمنةً عسكريًّا، ورأس جسر ثابت استراتيجيًّا، ووكيل عام اقتصاديًّا، أو عميل خاص احتكاريًّا، وهي في كلّ أولئك تمثّلُ فاصلًا أرضيًّا يمزّق اتصال المنطقة العربيّة ويخرّب تجانسها ويمنع وحدتها، وإسفنجة غير قابلة للتشبُّع تمتص كل طاقاتها ونزيفًا مزمنًا في مواردها"، وهو الدور ذاته الذي  طالما أكَّده القادةُ الصهاينةُ في أكثرَ من مناسبة، ومنهم "آرئيل شارون"، رئيس الوزراء الصهيوني الأسبق، الذي أجاب ردًّا على تساؤلٍ عن جدوى الكلفة الاقتصاديّة التي تتحمّلها الولايات المتّحدة إزاءَ العائد لها من الصرف الباذخ على الكيان الصهيوني، بقوله: "إسرائيل هي بمثابة حاملة طائراتٍ ثابتةٍ تعمل لصالح الولايات المتّحدة في المنطقة"!  

   وقد لخَّصَ "حمدان" مخاطرَ "الكيان الصهيوني" على الأمن القوميّ المصريّ، ارتباطًا بالقضيّة الفلسطينيّة وتطوّراتها، تلخيصًا شديد التركيز والوضوح والقطع: "إنّ من يُسيّطر على فلسطين يُهدّد خطَّ دفاع سيناء الأوّل، ومن يُسيطر على خطّ دفاع سيناء الأوسط يتحكّم في سيناء، ومن يُسيّطر على سيناء يتحكّم في خطّ دفاع مصر الأخير، ومن يُسيّطر على خطّ دفاع مصر الأخير يُسيّطر على الوادي". وهو تلخيصٌ موضوعيٌّ مبنيٌّ على قراءةٍ واعيةٍ لتاريخ التهديدات الاستراتيجيّة التي واجهتها مصر، على مرّ الأزمان، فقد كانت فلسطين بمثابة "البوّابة الشرقيّة" بامتيازٍ لمصر على مدار القرون، عبرَ من خلالها الهكسوس والمغول والتتار مُهددين مصر، ودارت على أرضها معارك مواجهتهم، ومواجهة الهجمة الإفرنجيّة التي هدّدت أمن مصر واستقرارها.

   على مشارفِ احتفالِ الكيان الصهيونيّ بـ "اليوبيل الماسي" لاغتصاب فلسطين، وفي ظلّ ما يبدو ظاهريًّا من امتلاكه جبروتًا مُدرَّعًا عصيًّا على المواجهة، خاصّةً مع الهرولة البائسة لدولٍ عربيّةٍ عديدةٍ للارتماء في حضن العدو، يبدو على الكيان الصهيونيّ ملامح الإرهاق والعجز والتشتّت، وتنتشرُ في جنباتِهِ الشكوك في قدرته على الاستمرار حتى الاحتفال بالمئوية الأولى، رغمَ كلّ أشكال القهر والتعسّف والإجرام والعنصريّة، التي يُمارسها ضدَّ الشعب الفلسطيني الصامد، أو الأصحّ بسبب كلّ ذلك، وهو ما يستدعي، بالمناسبة، إعادة قراءة "نبوءة" "جمال حمدان"، التي بناها على كلّ ما تقدَّم من رؤى وتحليلات:

   "المستعمرةُ الصهيونيّةُ في إسرائيل، التي بدأت ككلب حراسةٍ للاستعمار على تخوم قناة السويس، وتحوَّلت إلى قاطع طريقٍ لحسابه في الشرق الأوسط، ثمّ إلى قنبلةٍ موقوتةٍ في قلب العروبة، هي الآن قاعدةٌ عسكريّةٌ كاملةٌ أماميّةٌ للمعسكر الغربي، لا تتجزّأ عن نظامه الاستراتيجيّ العدواني الذي أقامه حول العالم.

   إنّ الصدام بيننا وبين الغرب لن يزول في النهاية إلا بإحدى ثلاث: إمّا بزوالنا نحن، وإما بزوال الغرب، وإما بزوال إسرائيل.

   وواضحٌ بحكم كلّ منطقٍ على الأرض أو تحت الشمس ألا زوال لنا أو للغرب؛ ولكن الذي يمكن ويجب أن يزول، وسوف يزول إنّما هي إسرائيلُ الزائلة".