ربما يسأل القارئ نفسه ما علاقة "العدس" بالسياسية؟ وهو سؤال مشروع رغم سخريته في ظل الأسئلة المتراكمة في هذا العالم العجيب، خصوصاً أن المرحلة أصبحت لا تحتاج إلى مثقفين يتبنون "فوكو" في تشريح الواقع، لأن الواقع بات أقرب للمهزلة منه إلى الجدية، وربما نحتاج أن نسأل كيف تعود الحكومات العربية إلى لعبة "السلم والثعبان"، وفي كل مرة ترمي حجر النرد على السلم الذي يوجد على قمته "الثعبان"، وها هي مرة أخرى تعود مجدداً وترمي النرد مرة أخرى على سلم الثعبان قصداً؟
في البداية وقبل الدخول في حكاية نظرية العدس هناك زيارة مرتقبة الشهر القادم تموز/يوليو، لرئيس الولايات المتحد الأمريكية لمنطقة الشرق الأوسط "جو بايدن" ونقصد للتوضيح "الثعبان"، وبسبب هذه الزيارة انقسمت المنطقة إلى معسكرين، "المعسكر الذي يقبل ممارسة اللعبة دائماً"، وهم المعسكر الذي يقول طبعاً نعم، وهذا المعسكر يشعر أن هذه الزيارة جاءت من أجل تثبيت عروشهم.
وهناك "المعسكر الرافض دوماً ممارسة اللعبة"، وهم المعسكر الذي يدرك كيف يقول حتماً لا، ومع هذا المعسكر نحاول البحث عن إجابة للسؤال الأول، وذلك من خلال الدخول إلى شروحات نظرية العدس التي اكتشفها الشاب الجامعي وهو يرتشف كأس الشاي من خلال الحوار مع العجوز، والعجوز هنا هي جدته.
في حكايات القدامى هناك حكمة إذا أدركتها ربما لا تحتاج إلى قراءة الفلسفة اليونانية، أو قراءة جان لوك وروسو، وماركس، وكافكا...، حيث هذه الحكايات تحمل معها الإجابة على الأسئلة التي باتت بدون إجابة، حتى توصلت الناس إلى قناعة أن المشكلة في السؤال وليس في البحث عن الإجابة، ولكن كما كانت تقول العجوز التي نأخذ منها الحكمة: "بلا طول سيره"، ودعونا نتحدث عن حكاية العدس والسياسة، والأجنبي "جو بايدن".
باختصار مفيد، كانت العجوز تجلس مرتديه الثوب المطرز، وبجانبها يجلس حفيدها يًتابع نشرة الأخبار، وكانت العجوز في تلك اللحظة تقوم "بتنقية العدس"، والتنقية للتوضيح: هي أنها تقوم بتحريك حبات العدس داخل الطبق، ومن ثم التقاط الحبات غير الصالحة ورميها في وعاء يكون بجانبها، ومن ثم ترمي هذه الحبات في سلة المهملات، وبعد ذلك تأخذ العدس الصالح وتقوم بطبخه، وعملية التنقية. الهدف الأساسي منها أن تكون الطبخة صالحة للأكل، وعندما نقول بأنها صالح للأكل نقصد أن زوجها يعشق هذه الطبخة، ولأجل ذلك كانت العجوز تمارس تنقية العدس بكل حرفية، بالإضافة إلى أنها وهي تقوم بتنقية العدس تكون تُغني لزوجها الكهل وتقول: "يا أبو عيون لونهم مثل لون حبات العدس، راحوا الحبات وظلوا عيونك".
تتابع العجوز الأخبار مع حفيدها وفجأة ظهر على شريط الأخبار خبر عاجل يقول: "زيارة لرئيس الولايات المتحدة إلى المنطقة"، فسألت العجوز حفيدها الجامعي محاولة كسر الصمت" شو جاي يعمل عنا هذا الأجنبي؟"، وحيث الحفيد لم يجد نفسه قادراً على إجابتها سياسياً قال لها: "بدهم ينقوا عدس يا جدة"، وكون العجوز خبيرة بحكم التجربة في تنقية العدس عادت وسألت حفيدها بطريقة مختلفة سؤالا ربما يكون سؤال بريء ولكنه مليء بالحكمة "وهم يا ستي بعرفوا ينقوا عدس؟"، ضحك حفيدها وقال لها رداً على سؤالها: "الأجنبي أشطر منهم يا ستي".
ذهبت العجوز إلى المطبخ لتضع وعاء العدس على النار، وعادت إلى حفيدها بكأس شاي بطعم للويزة، وبدأ الحفيد بشرب الشاي، وقال للعجوز مستعيد النقاش: ستي العدس بدخل في السياسة؟ وجاء السؤال كمحاولة للسخرية من العجوز، نظرت العجوز إلى شاشة الأخبار، وضحكت بصمت، وقالت لحفيدها: "يا ستي العدس الشطارة فيه تعرف كيف تنقي العدس لكويس من العدس العاطل، الشطارة يا ستي مش كيف تطبخ العدس، لأنه إذا طبخته ومعه حبات خربانة ما بتزبط الطبخة، شوف يا ستي كان جارنا في حيفا عنده دكانه، ويظل يبعت العدس لعجوز في يافا تنقيه، والعجوز شو تسوي توخذ العدس لكويس إلها، وترجع العدس الخربان لصاحب الدكانة، وعشان هيك كل واحد يشتري منه عدس تخرب طبخته، وما حدا يوكل منها، لحتى فلس صاحب الدكانة، وياما يا ستي نسوان اطلقن بسبب هالموضوع".
وجد الحفيد نفسه منخرط في النقاش وحكايات العجوز فسألها: "يعني قصدك الي كانت تنقي العدس توخذ العدس لكويس عشان تطبخوا لولادها ولا عشان تبيعه؟" إجابات العجوز وعيناها تدرك مقصد السؤال: "طبعا يا ستي عشان تبيعه، وتوخذوا على حساب الناس، وصار عندها 5 دونمات أرض، والناس يا ستي بنوخذ الطبخة الخربانة، والله يا ستي لو سيدك وافق يشغلني عند صاحب الدكانة لصار عنا قصور، بس سيدك كان يغار عليا، ولك يا ستي أنا من شطارتي في تنقية العدس قدرت اتجوز سيدك الفهلوي".
انتهت الحكاية، ولكن الحفيد تذكر الطبخة التي حدثت بتاريخ 12 يونيو/حزيران 1974، والتي غنى لها الشيخ إمام كما كانت تغني العجوز وهي تطبخ لزوجها، حيث قال: "شرفت يا نيكسون بابا يابتاع الووترجت.. عملولك قيمة وسيما سلاطين الفول والزيت.. فرشولك أوسع سكة من راس التين على مكة.. وهناك تنفد على عكا ويقولوا عليك حجيت".
هذا الحوار أطُلق عليه "نظرية العدس"، وبداخل هذا الحوار تكمن الإجابة على السؤال إذا تمعنا جيداً في لغة العجوز، حيث اللغة هنا تساعد على الحرية، وعدم فهم اللغة سوف يساعدنا على العبودية، ولكن العجوز تقول لنا: تنقية عن تنقية بتفرق، ويعني ذلك طبخة عن طبخة بتفرق.

