ليس فقط الناس، وحتى البيوت لا تنسى، والحجارة لا تنسى، والمحتل لا يمكن أن ينسى أيضًا جريمته، هذه الجريمة التي قد تذهب إلى النسيان زمنًا طويلاً، ثم لا تلبث أن تنهض من رمادها، تذكّر القاتل والمقتول معًا بأنّ التاريخ لا ينسى شيئًا أبدًا، وإذا كانت ذاكرة الإنسان ضعيفة فإنّ نقشًا على الحجر كفيل بإيقاظ الأحلام الموؤودة، ليس فقط لعائلة حنّا سلامة، بل لكل عائلةٍ انتزِع منها بيتها، وماضيها ومستقبلها أيضًا على يد العصابة الصهيونيّة.
قالت تقارير في الإعلام الصهيوني أنه اعتبارًا من صباح اليوم الجمعة، سينتقل رئيس الحكومة الانتقالية يائير لابيد للسكن في شقةٍ جديدة، في العنوان 2 شارع بلفور، على مفرق شارع بلفور مع شارع غزة، وهو بناء جميل من الحجر الأبيض كان في الأساس (فيلا) تم تطويرها لاحقًا بإضافة عدد من الشقق. وسيسكن لابيد في الشقة مؤقتًا حيث أنّ المقر الرسمي لرؤساء الحكومة الصهيونيّة على بعد أمتارٍ قليلة من هذا المكان في شارع بلفور، قيد الترميم منذ أن غادره بنيامين نتنياهو في نهاية حكمه قبل عام تقريبًا.
إلى هنا والموضوع عادي جدًا، ولكن يصبح للموضوع أهميته عندما نعلم أن رئيس حكومة العدو الصهيوني سيُقيم في الواقع في عمارةٍ تطوّرت على بيتٍ فلسطيني أصلي، ملكًا لعائلةٍ فلسطينيّة عاشت هنا من قبل وتم طردها عام 1948 كما مئات آلاف الفلسطينيين الآخرين. وقد أثار القرار جدلاً شكليًا في الكيان، حول رفض رؤساء الحكومة السابقين الإقامة في بيوتٍ عربيّة مستولى عليها.
التفاصيل:
في عام 1932، قبل 16 عامًا من النكبة، قام الفلسطيني حنا سلامة، ببناء الفيلا الجميلة، (فيلا سلامة) كما توضّح اللوحة المحفورة على بوابتها حتى اليوم، في حي الطالبية على زاوية شارعي بلفور وغزة ليقيم فيها مع عائلته، وهي بالتأكيد تعكس رخاءه المادي، حيث كان من أثرياء القدس ، باعتباره وكيلًا لشركة السيارات الأمريكيّة جنرال موتورز. وأثناء النكبة، وكحال مئات آلاف الفلسطينيين، طُرد سلامة من منزله ومدينته، ليصبح لاجئًا في بيروت.
منذ ذلك الوقت حدثت على المنزل تغييرات عديدة، بعد طرد العائلة، وتحوّل البيت إلى مكانٍ مهجور، تحوّل إلى مقر لإقامة مشاة البحرية الأمريكيّة الذين كانوا يحرسون القنصلية الأمريكيّة في شارع أغرون. بعد ذلك بعد صدور قانون أملاك الغائبين استولى الكيان على المنزل، بموجب قانون صيغ حصيصًا للاستيلاء على أملاك الفلسطينيين، وسلّم مؤقتًا كمقرٍ للسفارة الغواتيماليّة، التي انتقلت إلى تل أبيب عام 1980، بعد صدور قانون صهيوني بضم القدس، وهجرة العديد من السفارات التي لم تعترف دولها بهذا القانون، وفي السنوات الأخيرة، كان المنزل بمثابة نوع من الإقامة لفائدة مسؤولي الأمن في المنطقة.
في عام 1989، بعد فشل مشروع إنشاء مدرسة للدبلوماسيين هناك، تم عرض المبنى للبيع وشرائه من قبل المقاول تسيون باروخ. وقد أضاف باروخ طوابق للمبنى وأجره للدولة، وفي السنوات الأخيرة عمل كمقرٍ للحراس الشخصيين لبنيامين نتنياهو، حيث المبنى ضمن "المنطقة الآمنة"، بين الحواجز التي أقامها جهاز الأمن العام في الشارع المؤدي إلى منزل رئيس الوزراء.
بقراره يخرق لابيد بروتوكولاٍ التزم به جميع رؤساء الحكومات، على الأقل عُرض الأمر على شاريت وبن غوريون ولم يقبلا، ففي عام 1950، تم نقل بن غوريون إلى القدس في جولةٍ لمشاهدة العقارات التي يمكن أن تكون بمثابة المقر الرسمي لرئيس الوزراء الصهيوني، وكان من اصطحبه في الجولة شلومو أرازي، الذي كان مسؤولاً عن الإسكان الحكومي في ذلك الوقت. وصل إلى البيت، ورأى بن غوريون أنه يوجد عند مدخل المبنى عقد يميّز البناء العربي. سأل بن غوريون عن المنزل، فأجاب أرازي أنه منزل غائب. وقال بن غوريون، "هذا منزل جميل، لكن ليس في عرفنا. لن أسجل أنّ منزل رئيس وزراء إسرائيل مملوك لغائب عربي".. يبدو أن ديفيد بن غوريون تناسى في تلك اللحظات أنّ "دولته" برمتها، هي أصلاً بيت لشعب تم طرده.
يقول المهندس المعماري ديفيد كروانكر، كما تنقل "هآرتس"، والذي بحث في تاريخ المنزل، إنه فور الحرب والاستيلاء على المنازل، بدأ الكيان المحتل في استخدام بعضها كمهاجعٍ رسميةٍ للوزراء والمسؤولين. وفي أوائل الخمسينيات من القرن الماضي، عُرض على بن غوريون أيضًا تحويل منزل آخر لعائلة جمال في 9 شارع القلعة في الطالبية إلى المقر الرسمي لرئيس الوزراء، رفض بن غوريون. وجادل أنه من غير المناسب أن يكون عقار الغائبين بيت رئيس الوزراء، وبدلاً من ذلك تم تحويل منزل آخر، في شارع بن ميمون، تم شراؤه من عائلة يهودية، إلى سكن رسمي.
عندما انتُخب ليفي أشكول رئيسًا للوزراء عام 1964، عُرض عليه الاستمرار في الإقامة في منزل وزير الخارجية وهو منزل عربي أيضًا ملك لعائلة عبد الغني وبحسب ميريام اشكول، زوجة أشكول، رفض للسبب نفسه الذي طرحه بن غوريون.

