Menu

15 عامًا من الحصارِ الاستعماريّ على غزّة

حيدر عيد

نشر هذا المقال في العدد 39 من مجلة الهدف الإلكترونية

في الذكرى الخامسة عشر لبَدْءِ فرضِ الحصارِ القروسطي من قبلِ منظومةِ الأبارتهيد والاستعمار الاستيطانيّ على قطاع غزّة، ومع إصدارِ منظّماتِ حقوقِ الإنسانِ الرئيسيّةِ من هيومان رايتس وتش وأمنستي إنترناشونال، وصولًا إلى بيتسيليم الإسرائيليّة، ومجلسِ حقوقِ الإنسانِ التابعِ للأممِ المتّحدة؛ تقاريرُ عدّةُ تصفُ النظامَ الحاكمَ في فلسطين التاريخيّة بنظام الأبارتهيد؛ يبرزُ سؤالٌ محوريٌّ عن كيفيّةِ الاستفادةِ منها وعن قدرةِ الحركةِ الوطنيّةِ الفلسطينيّةِ الحاليّةِ على استثمارها لتطويرِ خطابِها الكفاحيّ ووسائلِ نضالِها من أجلِ التحريرِ والعودة. إنَّ البَدْءَ بتحوّلِ الوعي الأمميّ بطبيعة النظام الحاكم بين نهر الأردنّ والبحر المتوسّط، وليس فقط ذلك الذي يمارسُ احتلالًا عسكريًّا مباشرًا منذُ عام 1967، على 22% من أرض فلسطين التاريخيّة، يتطلّبُ تقدّمًا ملموسًا في الخطاب السياسيّ الفلسطينيّ، وتدعيمه بخطابِ حقوقٍ لا يتناقضُ مع الحقوقِ الأساسيّةِ لكلِّ مكوّناتِ الشعبِ الفلسطينيّ، بعيدًا عن أساطيرِ المرحليّةِ والواقعيّةِ التي ثبتتُ أنّها لا تعبّرُ إلا عن مصالحَ طبقيّةٍ ضيقةٍ تمكّنت من فرضِ هيمنتِها وتهميشِ الكتلةِ التاريخيّةِ المنوطةِ بإنجازِ الأهدافِ التحرّريّة التاريخيّة.

إنّ الربطَ الضروريَّ بين الحصار وأشكال الاضطهاد المركّب الأخرى، يتطلّبُ التعاملَ مع السياق الكولونياليّ المفروض في فلسطين من قبل حركة استعمارٍ استيطانيٍّ تمارسُ جريمةَ الأبارتهيد شكلًا عنصريًّا قمعيًّا، لكن ليس بشكلٍ منفصلٍ عن أشكالِ القمعِ الأخرى التي مارستها - وما تزال تمارسها - أنظمةُ الاستعمار الاستيطانيّ، وفي مقدّمتها الإبادةُ الجماعيّةُ والتطهيرُ العرقيُّ الممنهج. إنّ الحديثَ عن الحصارِ بمعزلٍ عن هذا السياق، ودونَ ربطِهِ حتّى بالحقوقِ الأساسيّةِ الأخرى لكلّ مكوّناتِ الشعبِ الفلسطينيّ، تسهمُ في المحصّلةِ النهائيّةِ في تشرذمِه، وحتّى في تطبيعِ الحصارِ الإباديّ بشكلٍ لا يلقى إدانةً عمليّةً واضحةً ليس فقط من المجتمعِ الدوليّ، بل حتّى من البعض العربيّ والفلسطينيّ.

يبقى التخوّف، في ظلّ غيابِ الخطابِ السياسيّ الفلسطينيّ الموحّد، أن يتمَّ ترسيخُ تشرذمِ الحقوقِ الأساسيّةِ المكفولةِ في إطارِ القانون الدوليّ، واعتبار أيّ لحلحةٍ في وضع قطاع غزّة المأساويّ - الذي أقرّت منظّمة هيومان رايتس ووتش في تقريرها الأخير بأنّه بات سياسةً إسرائيليّةً ممنهجةً تأتي في سياق العمل على شرذمة الشعب الفلسطيني - إنجازًا يجب الاحتفاء به.

إنّ سياسةَ منظومةِ الاستعمار والأبارتهيد ثابتةٌ ولم تتزحزح منذ قيامها، إبادةٌ متدرجةٌ أحيانًا وسريعةٌ في أحيانٍ أخرى. كان لا بدَّ من "إكمال المهمّة" حتميّةً تاريخيّةً، كما يدّعي بعض المؤرّخين الجدد أمثال بيني موريس، بل إنّ أحد أخطاء بن غوريون تكمن، حسب موريس، في عدم إكمالها، وطرد من بقي في فلسطين. يتمُّ تجميلُ "الإبادة" من خلال استخدام مصطلحاتٍ مغرقةٍ في عنصريّتها وتعدّيها على حقوق الإنسان الأساسيّة، مثل: الترانسفير والفصل السكّاني والقنبلة الديمغرافيّة...إلخ. وهذه كلُّها لا تختلفُ بأيّ شكلٍ من الأشكال عن نفس المنطق الأيديولوجيّ الذي استخدمته أنظمة الاستعمار الاستيطاني الأخرى من أستراليا إلى نيوزيلندا، والأميركتين حتّى جنوب أفريقيا وإيرلندا الشماليّة.

لا يمكنُ فهمُ السياقِ الذي تمَّ من خلاله فرضُ الحصار على قطاع غزة قبل 15 عامًا، وصمت ومشاركة المجتمع الدولي الرسمي المهيمن عليه من قبل دولة ذات تاريخ استعمار استيطانيّ، دون التطرّق للمنطقِ الإباديّ القائم على إنكار إنسانيّة ذوي البشرة السوداء/البنيّة الذين قد يكون التخلّصُ منهم كليًّا واجبًا دينيًّا، إن لم يكن إنسانيًّا، في سبيل تطوير الحضارة الإنسانيّة وحمايتها من "البرابرة المتوحّشين".

ما قامت به دراسات ما بعد الاستعمار التي أسّس لمنهجيتها الراحل إدوارد سعيد أنّها قامت بتفيكك الخطاب الكولولنيالي، وإبراز الطابع الإبادي المهيمن عليه بدرجاتٍ متفاوتةٍ وتبريراتٍ أيديولوجيّة، تحملُ الكثيرَ من اللغةِ الدينيّة، وصولًا إلى الطابعِ الحضاريّ "الإنسانويّ". كلّ هذا يأتي في سياق تحوّلٍ كبيرٍ على الصعيد المعرفيّ والفكريّ نحو تبنّي تفكيك خطاب الاستعمار الاستيطانيّ فيما يتعلّق بالقضيّةِ الفلسطينيّةِ حيث تمكنُ أهميّةُ هذا التحوّلِ في أنّه يأتي بعد سنواتٍ عدّةٍ من تسيّدِ خطاب "الاستقلال" وتهميشه لخطابي الحقوق والتحرير.  

ومن ثَمَّ لا غرابةَ أن يقولَ المقرّر الخاصّ السابق لحقوق الإنسان في الأراضي المحتلّة بمجرّدِ الإعلان عن بَدْءِ فرض الحصار على القطاع، إنّه "مقدّمةٌ لإبادةٍ جماعيّة"، وأن يقول المؤرّخ الناشط إيلان بابيه إنّه "إبادةٌ جماعيّةٌ متدرّجة"، فكلاهما يأتيان من خلفيةٍ أكاديميّةٍ وبحثيّةٍ صارمة، في القانون الدولي والتاريخ، ويملكان ذخيرةً بحثيّةً مثيرةً للإعجاب، وعداءً للصهيونيّةِ مبنيًّا على فهمٍ لطبيعتِها الاستعماريّة، وتوجّه نقدي راديكالي للخطاب الغربيّ المهيمن. وعليه فقد تمكّنا من الربط الموضوعيّ بين الحصار من ناحية وطبيعة منظومة الأبارتهايد ككيانِ استعمارٍ استيطانيٍّ من ناحيةٍ أخرى.

وبالعودةِ للسؤالِ المحوريّ عن الخطابِ الوطنيّ الفلسطينيّ وفهمِهِ لطبيعةِ الصهيونيّةِ بالشكلِ الكافي، ومن ثَمَّ قدرته على التعاملِ مع جريمةِ الحصارِ بعدَ 15 عامًا من تشديدِهِ بمعزلٍ عن هذهِ السياقات: ألم يؤدِّ، مثلًا، القبول بدويلةٍ على حدود الـ67 دورًا كبيرًا في شرذمةِ الشعبِ الفلسطينيّ، وجعل هذهِ الشرذمةِ وسيلةً تصفويّةً تستخدمُها إسرائيلُ في حربها على الشعب الفلسطينيّ؟ هل أسهم "الإجماع" الوطنيّ من خلال قبوله بهذا الحلّ، وفي ظلّ تهميش الرؤية النقديّة الشاملة، في ترسيخ واقعٍ جديد/قديم فلسطينيًّا، ومن ثَمَّ تجرّؤ منظومة الاستعمار والأبارتهيد، بدعمٍ كاملٍ من الغربيّ الرأسماليّ، على فرض الحصار بمبرّراتٍ عنصريّةٍ فشلنا في تفكيكِها بالشكل الكافي، لأسبابٍ ذاتيّة؟

لم يسبق وأن تعرّضت مجموعةٌ سكانيّةٌ لحصارٍ ساديٍّ مشابهٍ لهذا الذي تفرضه إسرائيل على قطاع غزة، ولا يبدو بعد 15 عامًا أنّنا مقدمون على إنهائه إلا إذا تمكنّا من فكّ الحصار العقليّ الذي وللأسف، فرضناه على أنفسنا.