Menu

على أبوابِ انتخاباتٍ إسرائيليّةٍ جديدة: أزمةُ حكومةٍ وائتلافٍ أم أزمةُ نظامٍ سياسيّ؟!

نهاد أبو غوش

نشر هذا المقال في العدد 39 من مجلة الهدف الإلكترونية

من المقرّر أن تذهبَ إسرائيلُ في مطلع تشرين الثاني/نوفمبر المقبل إلى انتخاباتٍ عامةٍ هي الخامسةُ خلال ثلاث سنوات، ولعلَّ أكثرَ ما يشدُّ الانتباه في جولات الانتخابات التي جرت خلال السنوات الأخيرة أن التنافس الرئيسي لم يكن بين يسارٍ ويمين، ولا بين قوى تؤيّد الحرب والاحتلال وأخرى تميل للسلام، لكنّها تجري بين معسكر بنيامين نتنياهو وحلفائه وبين خصومه المتباينين في التوجّهات والبرامج. ومع أنّ ثمّةَ احتمالًا ضعيفًا لعدم حلّ الكنيست إذا نجح نتنياهو في تجميعِ ستين نائبًا لتأييده في تشكيل حكومةٍ بديلةٍ من نفس الكنيست الحالية، لكن ذلك لن يغيّر من واقع الأزمة السياسيّة المحتدمة في إسرائيل منذ سنوات، ولعلَّ هذا الخيار الأخير هو مؤشّرٌ إضافيٌّ على الأزمة وهو لن ينجح على كلّ حالٍ إلا إذا تمكّن زعيم الليكود والمعارضة من اجتذاب كتلةٍ كاملة، أو أربعةٍ إلى خمسةِ نوابٍ إضافيّين من كتل الائتلاف وخاصة من حزب "أمل جديد" بقيادة ساعر، أو من نواب حزب أزرق أبيض، وحتى القائمة العربية الموحدة.

يأتي التوجّه لحلّ الكنيست وإجراء انتخاباتٍ مبكرة، بعد تفكّك الائتلاف الذي شكّله "معارضو نتنياهو" برئاسة نفتالي بينيت ويائير لابيد، ويمكن أن نضيف لهم بيني غانتس ومنصور عباس، على الرغم من أن هذا الأخير ليس وزيرًا ولا كان مقرّرًا في هذهِ الحكومة، لكن مشاركته على رأس حزبٍ عربيٍّ في الائتلاف مثّلت سابقةً تاريخيّةً تصبُّ في مصلحة من يخطّطون لأسرلة فلسطينييّ الداخل وفصلهم عن شعبهم وقضيّته الوطنيّة.

جاء تشكيل حكومة بينيت – لابيد المعروفة بـ "حكومة التغيير" بعد انتخابات آذار/ مارس 2021، التي أظهرت نتائج متقاربة بين المعسكرين المتخاصمين، لكن الحكومة ومنذ تشكيلها بدت ضعيفة وعرضة للانهيار عند أول هزة تصيبها، ومع أنها أقصر الحكومات عمرا في تاريخ إسرائيل، فإنّ بقاءها أكثر من عام كامل يبعث على الدهشة أكثر من انهيارها الذي بدا محتومًا بعد سلسلة الانسحابات من الائتلاف، وتصويت بعض أعضائه ضدّ مشاريع القرارات التي قدّمتها الحكومة. ولعلّ ما أسند هذه الحكومة وعوّمها هو بعض الدعائم التي وفّرتها إدارة الرئيس الأميركي الديمقراطي جو بايدن، وبعض الأطراف الأوروبيّة والإقليميّة (وبخاصة المُهَرولين للتطبيع والمشاركين في قمة النقب)، مما أسهم في إطالة عُمر الحكومة بتركيبتها الهجينة من ثمانية أحزاب صغيرة ومتوسطة، والتي لا يوجد قاسم مشترك بين مكوناتها سوى رغبتهم المشتركة في التخلص من نتنياهو.

وقد حذرت أوساط سياسية إسرائيلية عديدة من مخاطر حالة عدم الاستقرار السياسي في إسرائيل على المجتمع الإسرائيلي ومختلف مناحي الحياة الاقتصادية والأمنية وعلى مكانة إسرائيل الدولية، وينحو هؤلاء باللائمة على القادة السياسيين الذين يُعاد انتخابهم في كل مرة ولكنهم يعيدون إنتاج نفس الأزمة بسبب تغليب مصالحهم الشخصية والأنانية على المصالح العامة. ومن بين هؤلاء الذين حذروا من حالة عدم الاستقرار سياسيون ورجال أعمال وإعلاميون وفي مقدمتهم رئيس الدولة حاييم هرتسوغ الذي اعتبر أن هذه الظاهرة خطيرة جدا على أوضاع إسرائيل ومستقبلها ومكانتها..

جوهر مشكلة النظام السياسي الإسرائيلي يعود إلى تركيبة المجتمع الذي أفرز هذه التشكيلات، وليس لعوامل طارئة تتعلق بالتكتيكات والتحالفات الحزبية والسياسية، وبالتالي فإن من المتوقع لأي انتخابات قادمة، سواء كانت خامسة خلال ثلاثة أعوام أو سادسة أو سابعة، أن تعيد إنتاج وفرز خريطة سياسية مماثلة للنتائج التي أفرزتها انتخابات نيسان/ إبريل 2019، وأيلول/ سبتمبر 2019، وآذار/مارس 2020، وآذار 2021.

سمات عامة للحياة الحزبية الإسرائيلية

قد تطرأ تغيرات طفيفة على قوة هذا الحزب أو ذاك، ويمكن أن تختفي بعض الأحزاب أو أن تظهر غيرها، لكن الكتل السياسية الرئيسية، من المرجح أن تبقى كما هي مع بقاء السمات الرئيسية التالية:

  1.  انقسام المجتمع الإسرائيلي إلى عدة مجاميع سكانية / انتخابية ذات طبيعة إثنية وطائفية وعرقية في ضوء فشل السياسة التي روّج لها دافيد بن غوريون وقادة المشروع الصهيوني والتي عرفت بـ "بوتقة الصهر" لإيجاد هوية إسرائيلية موحدة، حيث تبين أن هذه الهوية المفروضة قسرا هي هوية عنصرية منحازة للثقافة الغربية الأشكنازية وتهمل المكونات الشرقية للمجتمع الإسرائيلي الناشيء، ما أثار احتجاجات جماهيرية متكررة للشرقيين. ويثبت خلال معظم الدورات الانتخابية التي جرت في العقود الأخيرة أن المجتمع الإسرائيلي بات منقسما لعدة تجمعات لكل منها تشكيلاته السياسية وأحزابه، فالمتدينون (الحريديم) الشرقيون ينتخبون حركة شاس، والمتدينون الغربيون ينتخبون يهدوت هتوراة، والمهاجرون من روسيا يفضلون حزب يسرائيل بيتينو، وللعرب أحزابهم الخاصة المستقلة، والطبقة الوسطى الأشكنازية تميل لحزب العمل وبعضها لأزرق أبيض، والمستوطنون يميلون لحزبي الصهيونية الدينية ويمينا، في حين أن الجمهور غير المتزمت من الشرقيين يؤيد حزب الليكود رغم أن قيادته يغلب عليها الأشكناز.
  2. الميل الجارف نحو اليمين واليمين المتطرف، ويسري ذلك على المجتمع بشكل عام، حيث عادة ما تفوز أغلبية يمينية واضحة على الرغم من خلافات أحزابها وزعمائها، بالإضافة إلى الجنوح نحو تبني سياسات اليمين ومواقفه حتى لدى الأحزاب الصهيونية التي كانت تصنف ضمن اليسار وبالتحديد حزبا العمل وميريتس.
  3. سهولة الانتقال بين حزب وآخر، وهذا يعكس عدم وجود فوارق برنامجية جدية بين هذه الأحزاب من جهة، وغلبة النزعة الانتهازية الذاتية لدى السياسيين الذي يضعون مصالحهم الشخصية فوق أية اعتبارات مبدئية أو أيديولوجية، ولنا أن نستشهد هنا بتجربة حزب (كاديما) الذي أسسه شارون في العام 2005 وضم عددا من أبرز قادة حزب العمل مثل شمعون بيرس وحاييم رامون إلى جانب قادة تاريخيين من الليكود مثل شارون وايهود اولمرت، وكذلك تجربة إيهود باراك الذي فاز برئاسة الوزراء حين كان رئيسا لحزب العمل، ثم انشق عنه وشكل حزب "الاستقلال" وبعد ذلك انضم لقائمة موحدة من حزبي العمل وميريتس.
  4. سرعة تشكيل وانحلال الأحزاب، فلم تعد معظم الأحزاب والحركات الإسرائيلية تستند إلى بنى وهياكل تنظيمية مستقرة وذات امتداد جماهيري، مع برامج ورؤى سياسية وأيديولوجية، بل انتشرت ظاهرة الأحزاب التي تتشكل بسرعة حول أشخاص من نجوم السياسة والجيش والمجتمع، ثم سرعان ما ينفرط عقدها حين يتبين أنها ليست سوى ظواهر مؤقتة أقرب للفقاعات التي لم تضف شيئا للحياة السياسية. غالبا تقدم هذه الأحزاب السريعة باعتبارها من قوى الوسط ولكنها تنشأ أحيانا على هامش قوى اليمين (مثل حزب كولانو برئاسة موشي كحلون، أو أمل جديد برئاسة جدعون ساعر وكلاهما خرج من رحم الليكود) وأحيانا تنشأ هذه على هامش اليمين المتطرف لتطرح رؤى أكثر تطرفا وعنصرية.   

العامل الفلسطيني

يحاول قادة إسرائيل تجاهل القضية الفلسطينية والشعب الفلسطيني والسلطة إلى درجة تغيب فيها هذه القضية تماما عن المعركة الانتخابية، ولا تظهر إلا بشكل هامشي وعرضي على اعتبار أن الوجود البشري الفلسطيني سواء في الداخل المحتل عام 1948 أو في الأراضي المحتلة عام 1967، ليس سوى مشكلة أمنية (إرهابية) أو ديمغرافية، فمنذ عقدين على الأقل لم تعد الحكومات الإسرائيلية تأتي على ذكر أية عملية سلام أو تسوية مع الفلسطينيين، فنتنياهو تملص على مدى 12 عاما من أية التزامات تجاه موضوع التسوية، إلى أن ادّعى خلال التحضير لصفقة القرن بأن أقصى ما يمكن إنجازه مع الفلسطينيين في الجيل الحالي هو السلام الاقتصادي وتأجيل المسائل السياسية إلى المستقبل، أما نفتالي بينيت فكان أكثر صراحة ووقاحة حين تعامل مع الشأن الفلسطيني باعتباره شأنا داخليا إسرائيليا يُحلّ بسياسة العصا والجزرة، وهو لذلك منع وزراءه من أي بحث مع الفلسطينيين يتجاوز القضايا والمسائل الأمنية والاقتصادية، رافضا أي بحث سياسي مع الفلسطينيين بحجج شتى أبرزها غياب أي شريك فلسطيني، وضلوع السلطة في التحريض على إسرائيل ودعم أسر الشهداء والأسرى.

ولا شك أن تراجع تأثير العامل الفلسطيني لا يعود فقط للتغيرات في نظرة الإسرائيليين للفلسطينيين بل إلى نمط الأداء الفلسطيني، ففي عديد المحطات الانتخابية الإسرائيلية كان النضال الفلسطيني عاملا مؤثرا وحاسم التأثير على المعارك الانتخابية ومن ثم على النتائج، وبرز ذلك خصوصا بعد الانتفاضة الوطنية الكبرى عام 1987 والتي هزّت أركان الحكم في إسرائيل وأدت إلى عودة حزب العمل بقيادة رابين للسلطة، لكن هذا التأثير تراجع وضعف، في ضوء مسيرة أوسلو وما قادت إليه من تراجع الفعل الكفاحي وغياب الاستراتيجيات الوطنية الموحدة، والحال التي وصلت إليها السلطة والانقسام الذي مضى عليه حتى الآن خمسة عشر عاما، واعتبره نتنياهو مصلحة استراتيجية إسرائيلية.

وإذا كانت القضية الفلسطينية باعتبارها قضية كبرى وتاريخية ومركزية، ليس بالنسبة للمنطقة بل للعالم كله وبالتالي لا يمكن تجاهلها وإخفاء تأثيرها بألاعيب ومناورات حزبية وإعلامية، فإن تأثيراتها على المشهد السياسي الإسرائيلي يمكن أن تتحول إلى تأثيرات غير مباشرة أو عفوية ومتقطعة أو من خلال هبّات موسمية كموجة العمليات الفدائية الأخيرة ومواجهات القدس وأحداث شهري نيسان وأيار العام 1921 بما فيها معركة سيف القدس.

يمين ويمين متطرف ويمين أكثر تطرفا

من الأخطاء الشائعة في النظر للخريطة السياسية الإسرائيلية اعتبار أحزاب مثل حزب يوجد مستقبل "ييش عتيد" حزبا يساريا أو وسطا تماما كما كان يصنف حزب العمل أسس إسرائيل وهو الذي قاد عمليات التطهير العرقي وارتكاب المذابح المُروّعة، بدءا من مجازر النكبة وصولا إلى إعدامات الأسرى وبدايات الاستيطان وإرساء أسس دولة التمييز العنصري (الأبارتهايد)، فهذه الأحزاب ليست يسارية لا بالمعنى السياسي تجاه القضية الفلسطينية والموقف من الشعب الفلسطيني، ولا حتى في القضايا الاجتماعية وسياساتها تجاه العمال والفئات الفقيرة والحقوق الديمقراطية، يمكن أن يصح تصنيف هذه الأحزاب على أنها أقرب لليسار فقط في قضايا الحقوق المدنية ورفض الإكراه الديني، ولكنها في السياسة الخارجية هي أحزاب يمينية صرف تتبنى نفس مواقف اليمين التقليدي في سياسات الاحتلال والضم والاستيطان وتهويد القدس والرفض العملي لقيام دولة فلسطينية، والتمييز المنهجي ضد فلسطينيي الداخل، وهكذا فإن المنافسة في الانتخابات المقبلة هي بين قوى اليمين التقليدي الذي يمثله حزب الليكود واليمين المتطرف وممثله الأبرز هو حزب الصهيونية الدينية ويمينا.

البعض يصنف الأحزاب الصهيونية إلى يمين شعبوي، ويمين فاشي، ويمين استيطاني، ويمين علماني، ويمين ديني، أما اليسار الصهيوني التقليدي وبخاصة حزب ميريتس، فيبدو أنه في طريقه إلى الانقراض والاختفاء من واجهة الحياة السياسية والبرلمانية والاكتفاء بمواقع رمزية في عالم الأكاديميا والثقافة وحركات الحقوق المدنية.